الإعلام الحربي _ خاص
تمرُ علينا ذكرى رحيل مفجر العمل الاستشهادي في فلسطين قبل 26 عاماً، الذي فتح باب عهدٍ جديد في ضروب الجهاد والمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، بحق ما اقترفه من جرائم ضد الإنسانية بحق شعبنا من قتلٍ واعتقال وتشريد.
يمر يوم الثالث عشر من ديسمبر، عند كثير من الناس كيوم طبيعي مثل باقي الأيام، ولكن عند من عرف "الملثم الأول" و"الاستشهادي الأول" في فلسطين، لم يكن يوماً عادياً، بل كان يوم ارتقاء فارس من فرسان الشعب الفلسطيني والقوى الإسلامية المجاهدة "قسم" الجناح العسكري السابق لحركة الجهاد الإسلامي، منفذ أول عملية استشهادية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، إنه الاستشهادي المجاهد أنور عبد الله عزيز "أبو أحمد"، حيث سجلت منطقة "نحال عوز" شرقي مدينة غزة بتاريخ 13-12-1993م، واحدة من أهم العمليات البطولية التي أثلجت صدور شعبنا الفلسطيني الذي كان ضحية اعتداءات جنود الاحتلال ومستوطنيه فأوقعت فيهم عدد من القتلى والجرحى.
تفاصيل العملية
في تمام الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الأحد الموافق 13/12/1993م، قام الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي بعملية استشهادية على طريق غزة الشرقي، حيث قام الاستشهادي المجاهد أنور عزيز من مخيم جباليا بتفجير سيارة محملة بعبوات متفجرة بقافلة من سيارات الجنود الصهاينة كانت تمر على مفرق الشجاعية الشرقي على مقربة من نقطة ناحل عوز، مما أدى إلى وقوع انفجار ضخم هز مدينة غزة، وأسفر عن وقوع عدد من القتلى والجرحى في صفوف الصهاينة وتدمير عدد من آلياته العسكرية تدميراً تاماً.
وهرعت إلى مكان العملية قوات معززة من الجيش الصهيوني وقوات الأمن، وقامت بإغلاق المنطقة وبحملات تفتيش خشية وجود سيارات مفخخة أخرى، وانتقل المجاهد أنور عزيز إلى جنات الخلد مع الشهداء والصدّيقين.
الاستشهادي أنور عزيز في سطور
ولد الشهيد المجاهد أنور عبدالله عزيز في رحم مخيم الثورة مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وذلك في 1965-1-5، ليبدأ بزوغ فجرٍ جديد مع هذه الولادة رجل حَمِل همّ الدين والوطن منذُ نعومة أظافره، للدفاع عن شرف هذه الامة العربية والإسلامية وجعل قضية فلسطين حاضرة في الميادين ومتصدرة لجدول أعمال هذه الامة.
نشأ شهيدنا في أسرة محافظة ومتدينة على تعاليم مفاهيم الدين الإسلامي الحنيف، وترعرع في بيئة مُخلصة هَما الوحيد هو الدفاع عن تراب فلسطين التي اُحتلت عام 1948 على أيدي العصابات الصهيونية، تَحمل شهيدنا منذُ صغره الصبر وصعاب الحياة، حيثُ ولدَ يتيماً وتوفى والده وهو في سِن العاشرة من عمره، وتربى بين أخوته الثمانية في بيتٍ متواضع لا يعرف الراحة في الكفاح من أجل تحرير فلسطين، وهذا ما أعطاه حقيقةً دافعاً من تحمل المشاق والصعاب في طريق الجهاد والمقاومة.
التحق شهيدنا في التعليم الابتدائي والإعدادي في مدارس "الاونروا" بمخيم جباليا ثم أكمل دراسته الثانوية والتحق بعدها دبلوم مهني "صناعة" في أواخر الثمانينيات، وتَميز بالفطنة والسرعة في الحفظ والفهم خلال فترة الدراسة.
وتزوج الشهيد أنور في أعقاب زخم أحداث اندلاع ثورة الانتفاضة الأولى ضد الاحتلال الصهيوني، وأنجب ثلاثة أبناء وهم" إسراء، أحمد، أنور".
حَملَ شهيدنا أنور عزيز مفاهيم الجهاد والشهادة في سبيل الله عزّ وجل على العقيدة الإسلامية الصحيحة، ليجسد ذلك حبهِ في الدفاع عن الوطن فلسطين ليرسم طريق الحرية والاستبسال والتضحية من أجل الدفاع عن مقدسات الامة.
قاد شهيدنا الحُشدات الجماهيرية في مخيم جباليا أبان اندلاع ثورة الانتفاضة الأولى عام 1987، في تعبئة الجماهير بالفكر النضالي عبر تأجيج الشبان وكتابة البيانات وخَط الشعارات على الجدران المنددة للاحتلال الصهيوني، وترجم شهيدنا أقواله إلى أفعال إلى أرض الميدان الذي كان يَغلي عندما قام أحد جنود الاحتلال بدهس عمال فلسطينيين بالمقطورة واستشهد على أثرها ستة عمال، ما دفع شهيدنا إلى الرد السريع على هذه الجريمة النكراء بحادث مماثل حيث تلثم وسميّ بعدها (بأول ملثم) في الانتفاضة، وخطب خطبة مباشرة دعا فيها أبناء الشعب الفلسطيني بالهجوم على معسكر جيش الاحتلال وسط المخيم الذي كان يتمركز فيه عشرات الجنود مع عتادهم الكبير، وكانت بداية إطلاق الشرارة الأولى لاندلاع الانتفاضة، حيث دارت حينها اشتباكات عنيفة بين الشبان وقوات الاحتلال لساعات طويلة حتى منتصف الليل.
وانخرط شهيدنا بالعمل الجهادي حيثُ شكل النواة الأولى للمجموعات الجهادية بالاعتماد على طاقات الشباب المجاهدة في منطقته، وكان يقوم بدور توزيع أفكار الثورة على الجماهير الفلسطينية حيثُ أصدرَ أول بيان في الانتفاضة عن (حركة الجهاد الإسلامي) الذي اعتبر ركيزة أساسية في تأجيج المظاهرات والفعاليات الشعبية.
طَور شهيدنا من عمله الجهادي وانضم إلى الجناح العسكري للحركة، ليباشر أول عمله في اقتحام السجن المركزي في غزة ولكن تم اكتشافه وهرب بأعجوبة بعد أن تم إطلاق النار عليه من قبل قوات الاحتلال الصهيوني.
اعتقات قوات الاحتلال الصهيوني الشهيد أنور عزيز لمدة سنتين ونصف في معتقل النقب في صحراء فلسطين مع إخوانه المجاهدين، وخطط لقتل مسؤول السجن في النقب برتبة ميجر جنرال "شالتي إيل" وقام بإعداد سكيناً خاصة له ونظراً لصعوبة العملية لم يتمكن من تنفيذها"، وبعد إتمام محكوميته داخل السجن أفرجَ الاحتلال عنه، خرج بعدها أكثر صلابةً وعزيمةً وإرادة من ذي قبل، عكس ما ظنّ الاحتلال بحق أنور بخنوعه ونزع معنوياته في حبه للوطن عن طريق عزلة داخل أروقة الزنازيل، وأكمل طريقه في حُب الجهاد والمقاومة حيثُ انضم إلى القوى الإسلامية المجاهدة (قَسَم) هو اللبنة الأولى للجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي وذلك في عام 1993، متسلحاً بالأيمان وبمبادئ الإسلام في رفع كلمة لا إله إلا الله.
كان الشهيد أنور عزيز من المميزين في مجال صناعة المتفجرات والأحزمة الناسفة، حيث أن الشهيد المهندس محمود الزطمة "أبو الحسن"، كان يعتبره أحد أمهر الأشخاص الذّين تعامل معهم في هذا المجال، وتوقع له أن يكون له شأن كبير في صناعة الأحزمة.
كانت أول عملية للشهيد أنور عزيز بتاريخ 2-8-1993م، بواسطة الباص الذي كان يقتاده بالقرب من الشيخ عجلين واصطدم في عدد من مركبات كانت تقل عدد من ضباط الشرطة العسكرية الصهيونية، واعترف العدو بمقتل قائد الشرطة العسكرية في المنطقة وإصابة خمسة من الشرطة العسكرية، وانسحب شهيدنا بسلام من المكان.
وشارك الشهيد أنور عزيز في عملية نوعية مع إخوانه المجاهدين بالقرب من «عمارة أبو خضرة» أي الإدارة المدنية سابقاً والتي قتل خلالها جنديان صهيونيان، كما خطط لعملية استشهادية في سيارته المفخخة وذلك على الخط الشرقي حيث كان ينوي تفجير نفسه، اصطحب معه سيارة من نوع «فولس واجن» معدة للانفجار وبالفعل دخل وسط قافلة كبيرة للجيش والمخابرات وبقضاء الله لم تنفجر السيارة وعاد شهيدنا إلى منزله وهو كاظم لغيظه.
كان الشهداء أنور عزيز وأيمن الرزاينة ومقلد حميد، بمثابة توأم لا يفترقوا عن بعضهم البعض، حيث كانوا يتنافسون على العمل الجهادي بشتى أنواعه، بما فيها الرصد وإطلاق النار وانتهاء بالإقدام على تنفيذ العمل الاستشهادي.
الجدير بالذكر، أن الشهيد أنور عزيز قام قبل استشهاده بالتبرع ببيت كان يعود له لإقامة مسجد، وذلك لكي ينشئ جيلاً قرآنياً مؤمناً بعدالة قضيته مدافعاً عن دينه ووطنه، وتكريماً له ولروحه الخالدة في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني، أطلق على هذا المسجد اسم "مسجد أنور عزيز"، كذلك أطلق على ساحة في وسط مخيم جباليا بساحة الشهيد أنور عزيز، لكي يبقى اسمه منارةً وشعلة لكل الأجيال القادمة.

