منارات في الظلام.. بقلم: حسن فطافطة

الخميس 08 يوليو 2010

خالد الجعيدي ....21 عاما يناطح صلف السجان!

 

مع بداية نسج خيوط سيرة هذه المناره، يكون المناضل الغزاوي ,خالد الجعيدي والملقب أبو يوسف قد أمضى أكثر من نصف عمره خلف جدران الإعتقال الاسرائيلي دون أن ينجح ولو للحظه في معانقة أي فرد من أفراد أسرته، الإستثناء الوحيد هو نجاحه في معانقة اثنين من أخواله مرات عديدة عندما كان يلتقي بهم بهذا السجن أوذاك أثناء تنقله الدائم بين السجون. إحدى وعشرون عاماً ونصف العام وهو يدق جدار الأسر ويناطح صلف السجان.. عقدين ويزيد من حياة أبو يوسف قد تحتاج منا لعشرات الدقائق فقط كي نخطها على ورقه بيضاء أو نصنع منها خبراً عابراً في الجريده ، ولكنها في حياة ابو يوسف وأفراد عائلته تحمل بين ثناياها الكثير والكثير جداً، إنها بالنسبه له ولهم قوافل من الألم والمعاناه المجبوله بروح المقاومه والتحدي ورفض الذل والخضوع، هي ليالي طويله من السهر والعذاب له ولإفراد أسرته بحثا عن لحظه تطفىء نار الشوق المشتعله في صدورهم عبر اللقاء ، هي معارك طاحنه بين ادارة الاسير الأعزل إلا من ارادته وإيمانه، وامكانيات السجان الذي يملك كل وسائل القمع والحرمان .

 

سأحاول في هذه المناره أن اتطرق لبعض المشاهد السريعه التي يمكن من خلالها أخذ فكره عامه عن حقيقة هذا المناضل الفلسطيني والذي رغم دخوله في العقد الخامس منذ عدة سنوات إلا أنه لم يفقد روح العقد الثاني من عمره عندما كان لا يزال شعله كفاح .

 

بدأ سيرة حياته في أزقة تل السلطان في مخيم رفح وقد عاش طفولته البائسه كحال غالبية أطفال المخيم مستبدلا متعه الطفوله بلعبة مقاومة الاحتلال ، وقد استمد هذا هذا الاحساس المبكر المجبول بالحقد الثوري ضد المحتل من والدته بشكل اساسي والتي كانت تستعيض عن سرد قصة "جبينه"و"الغوله"الخرافيه بقصة استشهاد جده بدم بارد على ايدي قوات الاحتلال الاسرائيلي عام1967 ، لم يكن انهى عامه الخامس عندما كان يتعلق بثوب والدته ويرافقها الى سجن غزه لزيارة خاله الذي أعتقل عام 1970، لقد ساهمت أثار التعذيب بالسياط التي رسمها العدو على ظهر خاله في زرع بذور الثوره والتمرد ضدهم، في عام 1985 واثناء دراسته في الجامعه الاسلاميه إلتحق رسمياُ بحركة الجهاد الاسلامي بعد ان كان قد مضى سنوات مراهقته في العمل الجماهيري والمشاركه في المظاهرات ورمي الحجاره على جنود الاحتلال ومستوطنيه، مع إنخراطه في الجهاز العسكري للجهاد بذل جهداًً في الحصول على السلاح الذي يمكن أن يساعده في تلبية عطشه الكبير لمقاومة الإحتلال ولكن في ظل الإمكانيات التسليحيه المحدودة في حينه لدى المجموعه التي التحق بها بادر لإعتماد وسيله كفاحيه سهلة المنال ولكنها تتطلب جرأه وشجاعه وقوه أكثر لم تكن تنقصه فمارس سياسة الطعن بالسكاكين ,حيث أخذ يتجول في شوارع مدينة غزه بحثاً عن أقدام الاحتلال ومستوطنيه ليصطادهم بموسه الكباس، نجح على مدار عامين من القيام بأربع عمليات طعن كانت حصيلتها قتل ثلاثة إسرائيليين وإصابة رابع بالشلل.

 

إن طريقة عمله المنفرده في تنفيذ العمليات كان بإمكانها أن تساهم في إطالة أمد نشاطه وتبقيه بعيداًعن أعين العدو لو لم يلجأ التنظيم للإستفاده من هذه العمليات وتوظيفها لصالحه ولو على نطاق ضيق , حيث وفر هذا السلوك المحلي خيطا أمسك به جهاز ( الشين بيت ) ونجح في حصر دائرة البحث عن رجل موس الكباس بين مناصري الجهاد الإسلامي واعضائه ضمن المنطقه , فيما الضربه القاسيه له ولأفراد مجموعته كانت مع نجاح مخابرات العدو في إختراق إحدى الخلايا التي كانت تعمل ضمن نطاق مجموعته.

 

شعر بالخطر يقترب منه مع البدء في إعتقال بعض أفراد المجموعه، قرر في اليوم التالي لإعتقالهم مغادرة بيت أهله فنجى من إعتقال محقق بعد إقدام قوات جيش الاحتلال ومخابراته على مداهمة بيت أهله بعد أقل من اربعه وعشرين ساعه على مغادرته ، ولكن قبل أن يتأقلم مع تقاليد المطارده وقوانينها نجحت مخابرات العدو في إلقاء القبض عليه بعد أسبوع فقط من تاريخ مداهمة بيتهم وذلك عبر طلبها من أحد العملاء المندسين في إحدى مجموعات الجهاد الإسلامي في ذات المنطقه بأن يتحول إلى مطارد ويحاول الإتصال بخالد ومعرفة مكان وجوده تحت حجة الإنضمام له، وللتغطية على عميلهم ويحولوا دون حرقه رتبوا معه بأن يقترح على خالد الخروج معه إلى مصر كي يتدربوا على السلاح ويعودوا لإستكمال نشاطهم العسكري، ,حيث نصبوا لهما كمينا على الحدود وقاموا باعتقالهما.

 

مع لحظة إعتقاله الأولى باشر رجال الشين بيت بالتحقيق الميداني معه في مكان الإعتقال وفي محاوله لإنتزاع إعترافات سريعه منه أخذوه إلى شاطئ البحر بالقرب من مدينة خان يونس معصوب العينين فيما تضج أذنيه بهدير موج البحر العالي في منتصف الليل، خيروه بين ألتصفيه الجسديه أو الإعتراف بكل ما لديه،، فرمّل تهديدهم عندما أخبرهم بأنه ينتظر الشهادة على أحر من الجمر، ولهذا يبدو أنهم لم يرغبوا في تحقيق هذه الرغبه له واستعاضوا عنها بالأكياس الحجريه، قادوه إلى زنازين التحقيق في سجن غزة مارسوا بحقه أقسى أنواع التعذيب ليس بهدف الحصول على معلومات تفصيليه عن نشاطاته التي قام بها ضدهم أو ما كان ينوي القيام به فحسب، بل تحركهم شهوة الإنتقام من هذا الشاب صاحب البنيه الجسديه القويه والتي استغلها مع رباطة جأشه ليدمي مقلتهم ويحقق إنجازات عاليه بوسيله سهله المنال ويمكن الحصول عليها دون عناء. لقد حاولوا بسلوكهم الفاشي تجاهه أن يدخلوا الخوف والرعب في نفوس المناضلين وزجرهم عن سلوك هذا النموذج . غير أن رياح القمع والارهاب والإحتلال لم تجد لها صدى بين الشباب الفلسطيني وفتياته أيضاً, حيث تحول هذا الأسلوب لظاهره طالت العديد من الشباب والصبايا، وعندما لم يجدوا ما يشفي غليلهم في التعذيب الجسدي القاسي لخالد لجأوا في محاوله لكسر معنوياته الى إقدام أحد المحققين وبطريقه مباغته على وضع جريدة يديعوت أحرونوت العبريه على الطاوله أمام عيني أبو يوسف الذي لم يكن يعرف اللغه العبريه في حينه، أشار له المحقق بأن ينظر في الصوره التي تتوسط الصفحه الماثله أمامه، لقد كانت صورة والدته وهي ترفع شارة النصر بيديها فيما هي جالسه على ركام البيت المهدم، ورغم الغصه التي سرت في بدنه إلا أن كبرياء والدته المنبعث من بين الركام ساعده في إفشال مقصدهم في التأثير على معنوياته، فرد لهم الكره عبر إبتسامه عريضه متسائلاً: لقد توقعت أن تهدموه من أول لحظه لإعتقالي , فلماذا تأخرتم كل هذه المده ؟ كلمات دفع ثمنها حفله من الضرب على يد ثلاثه من المحققين الذين كانوا في انتظار إنهياره وعندما لم يتحقق لهم ذلك إستعاضوا عن فشلهم بضربه كي لا يخرجوا من المولد بلا حمص .

 

مع نزوله الى السجن ومحاكمته ثلاث مؤبدات وكمشة سنين بدأ خالد الجعيدي مرحله جديده من المواجهه مع إدارات السجون التي كان يتنقل بينها فمن النادر جداً أن يتذكر الأسرى الحالات الأبرز في مواجهة أدارة السجون والتصادم معها دون أن يكون هناك حصه وذكر لخالد كواحد من بين العشرات الذين كان لهم بصمات واضحه في مقارعة إدارة السجون والتصادم معها وقد تحمل بسبب ذلك قائمه طويله من العقوبات المتنوعه بدءاً بالضرب الجسدي والتكسير مروراً بالعزل الإنفرادي والجماعي لفترات طويله امتدت لأكثر من عشر سنوات وليس إنتهاءً بالغرامات الماليه والحرمان من زيارة الأهل لفترات طويله والتنقل الدائم بين السجون لحرمانه من حالة الإستقرار الحياتي والإجتماعي والنفسي. غير أن أصعب محطات الأسر و اكثرها إيلاماً لخالد على مدى سجنته التي لم تنته بعد هو التواصل شبه المعدوم مع الأهل، وهنا لا نتحدث عن تواصل مع أهل من الدرجه الثالثه أو الثانيه بل نتحدث عن والديه واخوته , فهو منذ اكثر من خمسة عشر عاماً لم يرى فيها وجوه إخوته إلا عبر الصور الصماء التي وفرت له فرصة متابعة تطور ملامحهم، فيما حبل المعاناة الأطول كان من نصيب والدته التي لم ينجح في رؤيتها منذ ثماني سنوات سوى ثلاث مرات من خلف الشبك ولاحقاً عبر الزجاج , ربما عدم مجيئها للزياره يحقق لها بعضاً من الراحه الجسديه التي تنقذها من رحلة العذاب التي تبدأ مع لحظة وقوفهم على حاجز ايرز لساعات طويله مروراً بقرف الإنتظار على باب السجن وكذا الحال في العودة كي يحظوا بدقائق يروا فيها أحبتهم عبر الزجاج ويتحدثون معهم عبر تلفون جامد يضيع عبر أسلاكه دفء الكلمات، إن قصة الحاجة ام خالدالجعيدي كافيه لوحدها كي تؤرخ لمرحلة المعاناه في زيارة السجون منذ استولى الاحتلال الإسرائيلي على ما تبقى من فلسطين في حرب الأيام السته عام 1967 فيما المشهد الذي لا زال محفوراً بعمق في تلافيف دماغ أبو يوسف الجعيدي هو ذاك المشهد الذي رسمه في ذهنه عبر صوت والدته وأخته مستغلاً فرصة وجود جهاز إتصال مهرب في غرفة سجنه قبل عدة سنوات، إستيقظ باكراً في محاوله ليفاجيء والدته ويكون أول المهنئين لها بعيد الأضحى المبارك، أخذ مكانه في زاوية حمام الغرفه فهو المكان الوحيد الذي يتوفر أرسال بسبب التشويش المكثف الذي وضعته إدارة السجن كوسيله إضافيه تساهم في ملاحقة الأسرى وحرمانهم من التواصل مع أهلهم، إتصل على رقم البيت ولحسن حظه كما بدى له للوهله الأولى فقد كانت هي من رفعت سماعة التلفون ومع سماعها لصوت خالد وكلماته القادمه من قبور الأحياء ردت عليه بعد التحيه : خالد هذا العيد الثامن والثلاثون وانقطع صوتها فجأة مع صوت إرتطام , شعر بأن شيئا ما قد حدث لوالدتة أخذ يصرخ مذعوراً في السماعه ولم يهدأ إلا بعد أن نبههه أحد زملائه بمخاطر وصول صراخه وصوته العالي لأذان السجان حيث كان يجلس أحدهم على بعد أمتار منهم خارج الغرفه، جاء صوت أخته التي تلقفت سماعة التلفون لتمتص صرخاته المتسائله بهلع عما جرى لوالدته لم يعطها المجال حتى للسؤال عن أحواله عندما حاولت أن تخفف من حجم الكارثه التي حلت بأمه التي كانت في تلك اللحظات متمدده على أرض الصالون فيما يحاول زوجها وبناتها إيقاظها بالماء من حالة الإغماء التي أصابتها، حاولت أن تطمئنه بأن ما جرى دوخه بسيطه وقد بدأت تستعيد عافيتها كلمات لم تقنع خالد الذي أراد أن يسمع صوتها ثانيه ليطمئن قلبه، بقي على هذا الحال عدة دقائق وهويرد على كلمات أخته كيفما إتفق ودماغه مشغول في تحليل ما جرى لوالدته لم يهدأ باله إلا بعد أن عادت والدته وتحدثت اليه وهي تلهث –نفسي أضمك لصدري يا إمي أنت وأخوالك ثمانية وثلاثون سنه وانا بحلم بيوم عيد فش فيه حدا منكم في السجن عشان أفرح ولو لمره واحده قبل ما أفارق هالدنيا، حاول أن يهدأ من روعها دون أن يملك مفاتيح الأمل التي يمكن أن تنعش روحها، فكلمات التفاؤل المبني على المجهول لم تعد تنطلي عليها منذ زمن بعيد , فقد خبرت محطات الإنتظار الطويله وخيبات الأمل المتكرره مما جعلها واقعيه أكثر من الواقع في تشاؤمها وعلى حد تعبيرها عندما كانت تردد دوماً على مسامع خالد وأخواله عندما كانوا يحاولون طمأنتها باقتراب موعد اللقاء المجهول : لن أصدق الا إذا رأيتك تدخل علي من عتبة الباب * باب بيتنا * تلك العتبه التي غادرها قبل ثلاثه وعشرين عاماً فيما هي في تراكم مستمر حتى الآن .