يعمل العدو الصهيوني جاهدا ، وبمساعدة ودعم واشنطن ، على حرف القضية الفلسطينية عن مسارها الحقيقي ، وتحويلها من قضية احتلال ، وقضية تحرر وطني ، إلى قضية مساعدات إنسانية ، خيام ، طحين ، رز ، سكر ، سمنة.. الخ.
ومن يتابع ما جرى ويجري في الآونة الأخيرة ، يلاحظ حجم المؤامرة ، وحجم الخبث الصهيوني ، وحجم التواطؤ الأميركي الغربي ، ومحاولاته المبرمجة ، في تحويل الحصار الظالم على غزة ، إلى مجرد قضية مساعدات ليس إلا ، وجاءت تصريحات طوني بلير الأخيرة ، بمباركة الخطة الصهيونية ، والسماح لسلع جديدة بالدخول إلى القطاع ، بمثابة تأكيد لما أشرنا إليه ، وخاصة حينما يعلن بأنه سيصار إلى الاتفاق مع سلطات الاحتلال ، إلى أعلان قوائم بأسماء السلع الممنوع توريدها إلى القطاع ، ناسيا ومتناسيا الحصار الظالم.
لقد تنبهت الدول والمنظمات والجمعيات العربية والإسلامية والصديقة ، التي رفضت الحصار من حيث المبدأ ، بضرورة الا تطغى المساعدات ، على الهدف الرئيس وهو كنس الاحتلال الصهيوني ، لأنه أساس الداء والبلاء ، لا بل هو الإرهاب بعينه ، حينما يتحول إلى أداة ابتزاز ، وفرض للأمر الواقع ، لدفع الشعب الفلسطيني إلى الاستسلام ، ورفع الراية البيضاء ، وهو ما دعا منظمي هذه الإغاثة ، الى تذكير العالم بالاحتلال والحصار ، وحث المجتمع الدولي على التحرك بأقصى سرعة ، لإنقاذ الشعب الفلسطيني من كارثة محققة.
ومن هنا ، فإذا أردنا توسيع دائرة البيكار قليلا ، نجد أن السياسة الصهيونية قائمة وبالأصل على التعمية والتغطية على الجوهر ، وعلى جذر المشكلة ، وإغراق الفلسطينيين والعرب ، والرأي العام العالمي بالتفاصيل ، وتفاصيل التفاصيل ، التي تحاول اختلاقها.
فهي حينما تحاول إشغال العالم كله بالاستيطان ، وهو قطعا عمل عدواني مرفوض ، فإن العالم يتجه إلى بحث تداعيات هذا العدوان السافر ، وتأثيراته على المفاوضات ، وانتهاكه للقانون الدولي ، في حين أن التصدي الفاعل لهذا الموضوع الخطير ، يجب أن يبدأ بأصل المشكلة ، وهو الاحتلال ، فلولا الاحتلال لما نشأ الاستيطان ، ولما قام العدو بإقامة المستوطنات في طول الضفة الغربية وعرضها ، وفي القدس وحولها ، ولولا الاحتلال ، والحصار الظالم على غزة ، لما نشطت الدعوات لإرسال سفن الحرية ، وقوافل الإغاثة ، ولما حصل ويحصل هذا الاشتباك الدامي مع العدو ، ولما تدخلت واشنطن ، والرباعية لإيجاد مخرج ، ينقذ العدو من الادانة الدولية ، ويبقى على الحصار كما أسلفنا.
وعودة إلى الوراء ، فلا بد من التذكير بمثال قديم جديد ، يجسد الكارثة الفلسطينية ، ويؤشر بوضوح إلى نفاق ، وتآمر مراكز القرار في العالم ، على هذه القضية ، ونعني بذلك قضية اللاجئين ، حيث حولوها إلى قضية إنسانية ، خيام ومخيمات ، وبطاقات تموين.. الخ ، متناسين ان قضية اللاجئين هي قضية شعب احتلت ارضه ، وشرد في اربع ارجاء المعمورة ، بفعل المجازر وحرب الابادة الصهيونية ، وأصبح هم هذا المجتمع الدولي ، هو كيفية جمع الأموال لإبقاء وكالة الغوث الدولية حية ترزق ، في حين أن المطلوب من هذا المجتمع تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ، وخاصة القرار 194 القاضي بتعويض ، وعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم.
باختصار.. فلسطين ليست قضية مساعدات ومؤن وتموين ، وبطاقات إعاشة وخيام ، بل هي قضية شعب احتلت أرضه ، وشرد في أربع رياح الارض ، وأية محاولة لحرف هذه القضية الوطنية عن مسارها الطبيعي ، يصب في مصلحة الاحتلال ، وبقاء الاحتلال.

