الأسير "محمود كليبي".. مجاهد أسطوري وصاحب إرادة صلبة

الإعلام الحربي _ خاص

نتحدث عن مجاهد كبير من هؤلاء الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وانضموا إلى سرايا القدس، فهم رجال قد رسموا وخططوا وأعدوا العدة للانتصار، وكان النجاح حليفهم ورغم العقبات الكبيرة التي واجهتهم إلا أنهم تمكنوا من تجاوز الصعاب، لأنهم ممن طلب العلا ومن يطلب المعالي بصدق تسهل عليه التكاليف وتهن عليه الالتزامات، ولذلك أدرك الأسير المجاهد محمود عطية كليبي أن هذه الدنيا فيها قصيرة جداً فلم يضيعها في التوافه من الأمور

الميلاد والنشأة

ولد الأسير المجاهد محمود عطية حسن كليبي بتاريخ 29-1-1982م، في ضاحية شويكة بمدينة طولكرم لعائلة فلسطينية مسلمة مؤمنة لاجئة، وقد حط بها الركاب وكثرة الترحال في مدينة طولكرم بعد أن تم تهجيرها من أرضها الواقعة في الأراضي المحتلة عام 1948م في منطقة وادي الحوارث غرب مدينة الخضيرة المحتلة، ليسكنوا بعد محطة الترحال والتنقل في حياة اللجوء التي فرضها الاحتلال الصهيوني عليهم بقوة السلاح والعربدة  في مخيم طولكرم.

يعتبر الأسير المجاهد محمود كليبي من جيل الانتفاضة الأولى جيل أطفال الحجارة الذين تمكنوا من رسم الوطن في عقول كل أحرار وشرفاء العالم عبر صمودهم في وجه المحتل مستخدمين أسلحتهم الفتاكة وهو الحجر والمقلاع والعلم الفلسطيني وشعار الله اكبر، وشارك في أحداث الانتفاضة جنباً إلى جنب مع أطفالها وفتيانها وشبابها.

درس المجاهد محمود كليبي المراحل الدراسية في ضاحية شويكة ووصل لمرحلة الثانوية العامة وفي تلك الفترة التزم في صفوف الحركة الإسلامية الطلابية وكان له عدة نشاطات منها توزيع النشرات الثقافية والدينية وإقامة صلاة الضحى في المدرسة، وكان من الملتزمين في المسجد من خلال الصلوات الخمس والاستماع إلى جلسات العلم والندوات والمشاركة في الرحلات مع شباب المسجد إلى أماكن تعريفية بالوطن والأجمل منها إلى هناك إلى المسجد الأقصى الذي كان ولا زال يشكل للمجاهد محمود كل شيء في حياته.

مشواره الجهادي

تمكن المجاهد محمود كليبي من معرفة جوهر وطبيعة الصراع مع العدو الصهيوني عبر مطالعته للكتب المتوفرة في مكتبة منزله، وعكف على قراءة عدة مجلات وكتباً عديدة منها مجلات عن شهداء الانتفاضة وعمليات المقاومة الفلسطينية، ونتيجة لنشاطه الإسلامي والدعوي تعرض للاعتقال لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وتم مداهمة منزله فجراً لاتهامه بالقيام بأعمال معادية للعدو الصهيوني حيث كانت قد تبلورت لديه فكرة تشكيل مجموعة عسكرية أثناء تواجده مع شباب المسجد.

ومنذ ريعان شبابه تمكن من إلقاء زجاجتين حارقتين على مقر الارتباط العسكري الذي يتواجد به عشرات الجنود الصهاينة، واندلعت النيران في محيط مقر الجنود الصهاينة وبدأو بالصراخ وعمت حالة من الخوف والذعر في صفوفهم.

قام المجاهد محمود كليبي بتشكيل خلية عسكرية وتم انضمام مجاهدين لها وقاموا بشراء مواد حارقة وطلقات نارية وقاموا بالتخطيط  لاستهداف جيب عسكري صهيوني يمر مع دورية صهيونية بالزجاجات الحارقة ومن ثم يقوم المجاهد محمود كليبي بالتغطية عبر إطلاق النار على الدورية، وتمت العملية بنجاح.

الاعتقال الثاني لدى السلطة

قامت أجهزة السلطة الفلسطينية باعتقال المجاهد محمود كليبي برفقة المجاهدين وبدأت رحلة العذاب من مرحلة الشبح إلى شبح الموزة إلى الضرب والشتائم والاستفزازات، وتم نقل المجاهد محمود من سجن طولكرم إلى سجن رام الله، ولم يعلم أحد بعملية نقله إلى رام الله، وتم وضعه في زنزانة صغيرة لا يوجد بها حمام ولا ماء ولا يوجد لها فتحة للتهوية، وبعدها أفرج عنه وكافة المعتقلين السياسيين بعد فشل المفاوضات الفلسطينية الصهيونية في قمة كامب ديفيد.

ونتيجة لاعتقاله في العام 1999م حرم من إكمال دراسة التوجيهي فعاد من جديد لصفوف الدراسة وعادت معه نشاطاته الطلابية بالإضافة إلى تكثيف زياراته إلى المسجد الأقصى الذي ما أن رآه المجاهد محمود كليبي وهو محاط بالجنود الصهاينة من كل مكان حتى قرر حينها القيام بعملية طعن، وفكر أن ينفذ عملية كبيرة ونوعية وبدا بالبحث عمن يقدم له المساعدة في ذلك.

التقى المجاهد محمود كليبي بالمجاهد أنور عليان في إحدى الزيارات إلى المسجد الأقصى، وبعد فترة انضم إليهم المجاهد خالد حسين "الرايق" وكانوا يتلهفون إلى العمل الجهادي العسكري ويبحثون عن من يقدم لهم الدعم المطلوب، وبعدها تمكن المجاهدون من التعرف على أحد قادة الجهاد الإسلامي الذي قام بدوره بتعريفهم على قائد سرايا القدس في طولكرم الشهيد أسعد دقة، وكان وقتها معتقلاً لدى السلطة.

عملية باقة الشرقية

قامت المجموعة الجهادية برصد حافلة للمستوطنين ودورية مرافقة لها على شارع باقة الشرقية، وقام الشهيد القائد أسعد دقة بتزويدهم بالعبوة الناسفة والسلاح اللازم للقيام بالمهمة، وقام المجاهد محمود كليبي بتفجير الدورية وانقلبت واشتعلت بها النيران وقام المجاهدون بإطلاق النار باتجاهها، وأسفرت العملية عن وقوع إصابات في صفوف الجنود وإحداث أضرار جسيمة في الدورية، وتمكن المجاهدون من الانسحاب.

وبعد يومان من تنفيذ العملية وفي حوالي الساعة الثالثة فجراً اقتحم الجيش الصهيوني ضاحية شويكة لاعتقاله ولكنه تمكن من الانسحاب من منزله وخلال انسحابه أطلق الجنود الصهاينة النار عليه وتمت إصابته إلا أنه سلمه الله من الاعتقال، وتم إسعافه وما أن خرج من المشفى احتضنه مخيم طولكرم وحظي باهتمام المجاهدين، بعد عملية (باقة الشرقية) استمر المجاهد محمود كليبي بالقيام بنشاطات عسكرية وغالبيتها كانت ضمن حدود معينة وبحذر شديد.

عملية مستوطنة "بيت حيفر"

في شهر أبريل من العام 2001م بدأت مرحلة جديدة من العمل حيث واصلت المجموعة عملها مع المجاهد أنور عليان وكانت مكونة من المجاهد محمود كليبي وفلاح مشارقة وانضم إليهم مجاهد آخر، وأرادوا تنفيذ عملية وهي عبارة عن دورية صهيونية قرب مستوطنة "بيت حيفر" وقاموا بالاشتباك مع الدورية من مسافة قصيرة جداً واستطاع المجاهدين سماع الجنود الصهاينة وهم يصرخون لشدة الاشتباك المسلح، واستمر عمل المجموعة عبر قيامهم بعدة عمليات إطلاق نار على الطرق الالتفافية وتمكنوا من تفجير العبوات الناسفة في مناطق في طولكرم منها فرعون وشوفة وعناب وكفر اللبد وشويكة.

وخلال فترة جهاده تعرف المجاهد محمود كليبي على ثلة من قادة سرايا القدس منهم من استشهد ومنهم ما زال قابعاً خلف القضبان ومن بينهم الأسرى زيد بسيسي وجاسر رداد وأحمد فني وباسل عجاج وبهاء شبراوي وأنور عليان وأحمد بسيسي وعمار قزمور، والشهداء أسعد دقة وفلاح مشارقة وفادي البهتي وإياد صوالحة ومعتصم مخلوف "حماد" والقائمة تطول، وتعرف على ثلة من الشهداء من قادة كتائب شهداء الأقصى وكتائب القسام وكانت تربطه بهم علاقات قوية.

انتقل المجاهد محمود كليبي بعد الاجتياح الصهيوني عام 2002م الذي عرف باجتياح "السور الواقي"، إلى مدينة نابلس واجتمع مع عدد من المجاهدين وتم تفعيل وتنشيط العمل العسكري في نابلس ومخيماتها، وتم تجنيد خلية عسكرية في نابلس من المجاهدين أحمد جود الله وعلاء خضرية وسامح شنيك، وتم تزويد الخلية بالعتاد والسلاح والمال، وكان لديهم دور فاعل وصولات وجولات في الكمائن وخوض الاشتباكات المسلحة وإلقاء القنابل اليدوية.

أشرف الأسير المجاهد محمود كليبي والأسيرين مهند أبو عيشة وفهد صوالحي على عملية الاستشهاديان إياد حرب ومصطفى حنني من مجاهدي سرايا القدس والتي وقعت بتاريخ 7-11-2002م ، قرب حاجز عسكري بقلقيلية، أوقعت إصابات في صفوف العدو الصهيوني.

اعتقاله والحكم عليه

في تاريخ 14-2-2003م حاصر الجيش الصهيوني العمارة التي يتواجد بها المجاهد محمود كليبي وإخوانه المجاهدون، وقام الجيش بإطلاق القذائف صوبهم وإدخال الجرافة الصهيونية إلى الطابق الأرضي، وتمكن الجيش من اعتقاله مع رفيقه المجاهد فهد صوالحي والتحقيق معهم ميدانياً وتقييدهم ووضع العصبة على عيونهم، ومن ثم تم نقل المجاهد محمود كليبي إلى تحقيق الجلمة، وأمضى أكثر من ثلاثة أشهر في التحقيق ليبدأ بعدها مشواره الجهادي الجديد في سجون العدو الصهيوني، وأصدرت ما تسمى المحكمة الصهيونية بحقه حكماً بالسجن المؤبد بالإضافة إلى ثلاثين عاماً بتهمة الانتماء لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي والمشاركة في عمليات للمقاومة ضد قوات الاحتلال، ويقبع حالياً في سجن جلبوع.

لم يفت السجن في عضد المجاهد محمود كليبي، فقد حرص على الإقبال على العلم وأهل العلم، وتمكن من الحصول على شهادة البكالوريوس في علم التاريخ بالإضافة إلى حصوله على شهادات عديدة في دورات علمية وثقافية ودينية في السيرة والعقيدة والفقه والحركيات بالإضافة إلى دورة في التنمية البشرية بمعدل 65 ساعة وقواعد اللغة العربية بمعدل 70 ساعة، بالإضافة إلى تمكنه من اللغة العبرية بكافة مستوياتها الأربع بمستوى جيد جداً، ودورة في العلاقات الدولية والعلوم السياسية والصهيونية، ولا يزال حتى اللحظة يصر على الحصول على بكالوريوس آخر من جامعة القدس المفتوحة في تخصص الاجتماعيات، ومع كل تلك الانجازات العلمية والثقافية لم يكن ليبخل على إخوانه في خوضه معظم الخطوات التصعيدية ضد مصلحة السجون، فشارك في إضراب العام 2004م ومعظم الإضرابات الأخرى.

وتعرض الأسير المجاهد محمود كليبي للعزل الانفرادي نتيجة اتهامه إلى جانب أبناء غرفته في سجن جلبوع بمحاولة حفر نفق من أسفل الغرفة للهروب من السجن، فكان ولا يزال يحظى بمحبة معظم الأسرى والمعتقلين من كل الفصائل الفلسطينية لدماثة أخلاقه العالية وأدبه القرآني المحمدي ولتفانيه في خدمة إخوانه في حركة الجهاد الإسلامي في سجون الاحتلال ليتبوأ العديد من المناصب التنظيمية داخل السجون إلا أن إيمانه بالله عزوجل جعله على قناعة راسخة أن فجر الحرية قادم وأنه سيجتمع مع عائلته عما قريب إن شاء الله.

disqus comments here