الأسير "باسل مخلوف".. مجاهد لم تنل من صلابته الشدائد

الأحد 16 فبراير 2020

الإعلام الحربي _ خاص

نتحدث اليوم عن مجاهد كبير من مجاهدي سرايا القدس، من الذين ينتمون إلى ذلك الجيل الذي تجاوز عقدة الخوف، وشب عن طوق الجزع من الاحتلال الصهيوني، فهو يمثل الشباب المؤمن بالله في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والذين حولوا ليلهم إلى نهار حيث يقومون بمقارعة العدو الصهيوني وقلوبهم متعلقة بحب الله، ويجلسون في ظلمات الليل حراساً على أمن وسلامة بلدهم وأهلها، حتى لا يتسلل إليها شذاذ الآفاق من العملاء والجيش الصهيوني، فحديثنا اليوم عن المجاهد الكبير باسل عاطف محمد مخلوف.

الميلاد والنشأة

ولد الأسير المجاهد باسل عاطف محمد مخلوف "عجاج" بتاريخ 18-6-1978م، في قريةِ صيدا قضاء طولكرم لأسرة فلسطينية عشقت التضحية والنضال والمقاومة، ونشأ وترعرع على حب الوطن وكراهية الأعداء، فكبر وعاش طفولته البريئة في أجواء الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

وفي العام 1987 وكان عمر الأسير باسل مخلوف 10 سنوات، رأى ظلم الاحتلال الصهيوني بأم عينه عندما اقتحم جنود الاحتلال منزلهم وحاولوا اعتقال والده بذريعة البحث عن سيارة تحمل متفجرات، وتعرض منزلهم للمداهمة وتم العبث بمحتوياته وممتلكاته، واستيقظ المجاهد باسل على ضجيج الجنود وهم يعتقلون والده أمام عينيه.

ومنذ صغره وهو لم يتجاوز سنه العاشرة بدأ برشق الجنود الصهاينة بالحجارة ولم يتردد لحظة في الانخراط بقوة في صفوف المقاومين والمتظاهرين، وكان يتصدى برفقة شباب قريته لجنود الاحتلال خلال اقتحامهم قريته صيدا، وأصبح منزله مأوى للمطاردين من أبناء عائلته.

وفي العام 1994م تفرغ لإكمال دراسته ومساعدة والده في أعمال الزراعة، وما أن شعر بتحسن وضعه المالي حتى قرر أن يتزوج، وكان ذلك في العام 1997م، ورزقه الله ببنت أسماها (آية) وولد أسماه (أحمد)، وبدأ العمل في مجال "الشايش" من أجل تحسين وضع عائلته المادي.

بداية نشاطه الجهادي

وفي بداية التسعينات تم إنشاء مجموعة في قرية صيدا، وتسميتها بمجموعة "الكوماندوز: حيث أشرف عليها الشهيدان شفيق عبد الغني واشرف عجاج، وكان يساندهما ويعاونهما المجاهد باسل مخلوف، وكان مهمتها التصدي لتوغل قوات الاحتلال ورميهم بالحجارة.

ولحبه الشديد للسلاح بدأ يبحث عن طريقة يحصل بها على السلاح، فوجد ضالته في صديقه وصديق عمره المجاهد جاسر رداد (أبو الليث) حيث تمكنا من تصنيع مسدس عبارة عن "دفاش" مكون من ماسورة حديد، يتم تصنيعه على شكل مسدس، وأخذ عهداً على نفسه بأن يستخدمه ضد العدو الصهيوني.

ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م، انتمى الأسير المجاهد باسل مخلوف لصفوف سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي بمساعدة الشهيد القائد أحمد عجاج الذي بذل جهداً كبيراً في تدريبه على استخدام السلاح، وكيفية إطلاق النار من سلاح (M16)، ليبدأ مشواره الجهادي في سرايا القدس إلى جانب المجاهدين في قرية صيدا الصمود.

أعماله العسكرية

شارك المجاهد باسل مخلوف مع المجاهدين أحمد عجاج وزاهر الأشقر ورائد عجاج بإطلاق النار ضد دورية صهيونية للاحتلال على مثلث بلدة عتيل بمحافظة طولكرم، وكانت مجموعتهم المجاهدة تتكون من الشهيد القائد أنور عبد الغني وشقيقه الشهيد شفيق عبد الغني والشهيدين أحمد ورائد عجاج، وكانت المجموعة على اتصال مباشر مع الشهيد  القائد أسعد دقة قائد سرايا القدس في طولكرم، واستطاع الشهيد أحمد عجاج في ذلك الوقت أن يعرف المجاهد باسل مخلوف بالقائد أسعد دقة بعد هروبه من سجن السلطة وأثناء تواجده عند الشهيد أحمد عجاج.

أما العمل الثاني للمجاهد باسل مخلوف كانت عبارة عن عملية مزدوجة عبر تفجير عبوة ناسفة، ثم اشتباك مسلح، ففي شهر رمضان المبارك من العام 2001م استطاع الأسير باسل والشهداء شفيق وأنور عبد الغني وأحمد عجاج بزرع عبوة ناسفة لإحدى الدوريات الصهيونية في منطقة تقع بين باقة الشرقية وقفين، وما أن تم تفجير العبوة بالدورية حتى بادروا بإطلاق النار على الدورية وتمكنوا بفضل الله عزوجل من الانسحاب بسلام.

وقد نفذ أسيرنا المجاهد باسل مخلوف عدة عملياتٍ جهادية بمشاركة مجاهدين آخرين وكان من بينهم الشهيد القائد أنور عبد الغني والشهيد أحمد عجاج والأسير جاسر رداد وآخرين، وكان له شرف المشاركة في عملية إطلاق النار على أحد الجنود الصهاينة في بلدة باقة شمال طولكرم, والتي أدت إلى مقتله.

وقبل اعتقال الأسير باسل مخلوف بفترة قصيرة رصد برفقة مجموعة من مجاهدي سرايا القدس إحدى دوريات الاحتلال كانت تقوم بعملية تمشيط واستطلاع بين الجبال على حدود قرية صيدا أثناء صلاة الجمعة, فقاموا بنصب كمين لها وعند وصولها إلى مشارف القرية فتحوا نيران رشاشاتهم باتجاهها وأصابوها إصابة مباشرة, وأجبروها على التراجع والانسحاب.

وخلال فترة جهاده تعرف الأسير المجاهد باسل مخلوف على ثلة من قادة سرايا القدس منهم من استشهد ومنهم ما زال قابعاً خلف القضبان ومن بينهم الأسرى زيد بسيسي وجاسر رداد ومحمود كليبي وأنور عليان وعمار قزمور، والشهداء أسعد دقة وأحمد ورائد عجاج وزاهر الأشقر وفادي البهتي والقائمة تطول، وتعرف على ثلة من الشهداء من قادة كتائب شهداء الأقصى وكانت تربطه بهم علاقات قوية.

اعتقاله والحكم عليه

ليلة الاعتقال وبتاريخ 15-2-2002م، حاصر الاحتلال الصهيوني القرية من كافة مداخلها وقامت قوات كبيرة بمداهمة البلدة ومحاصرة بيوت قادة سرايا القدس فيها, وحدثت اشتباكات بين المجاهدين وقوات الاحتلال مما أدى إلى استشهاد القائد أنور عبد الغني, واعتقال عدد آخر كان من بينهم القائد جاسر رداد.

في تلك الليلة وكما كانت عادة المجاهدين في البلدة التناوب على السهر للحراسة والمراقبة خوفاً من اقتحامات الاحتلال للمدن والقرى الفلسطينية، وكان المجاهد باسل واحدًا من المجاهدين، يتواجد في إحدى المنازل المطلة على حدود القرية, فحاصرت قوات الاحتلال أحد المنازل في قرية صيدا وبدؤوا يطالبون المجاهد باسل مخلوف بتسليم نفسه عبر مكبرات الصوت أو قتله، وبدأوا بإطلاق النار عليه وتسليط أضواء الكشافات الكبيرة باتجاهه، وتمكنوا من اعتقاله، وتم اقتياده على مركز الجيش الصهيوني في باقة الشرقية.

بدأ الشاباك الصهيوني التحقيق مع الأسير المجاهد باسل مخلوف في مركز تحقيق الجلمة حول انتمائه لحركة الجهاد الإسلامي، واستخدموا معه أساليب شتى من العنف الجسدي ومحاولات الترغيب والترهيب دون أن يتمكنوا من سحب اعتراف منه، وتعرض للشبح لمدة يومين وسط أجواء قاسية جداً للضغط عليه بالاعتراف، واستمر التحقيق معه لمدة 26 يوماً، وأصدرت ما تسمى المحكمة الصهيونية بحقه حكماً بالسجن المؤبد بالإضافة إلى عشرين عاماً بتهمة الانتماء والعضوية في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي؛ والمشاركة في عمليات للسرايا ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه، ويقبع حالياً في سجن رامون.

تعرض الأسير المجاهد باسل مخلوف للعزل لمدة سنتين في عزل سجن "إيشل" قسم (4) مما جعله يتعرف على قادة حركة الجهاد الإسلامي وكثير من قادة الفصائل الفلسطينية، وفي العام 2004م خاض الإضراب برفقة إخوانه الأسرى والذي استمر 19 يوماً، وكان أول تجربة له في التحدي للاحتلال في أمعائه الخاوية بعدما كان يقارعهم بالتفجير وإطلاق النار.

كما نقل الأسير المجاهد باسل مخلوف إلى سجن "هداريم"  ليمكث فيه ست سنوات، ومنع من زيارة ذويه، ولم تتمكن زوجته الصابرة من زيارته في بداية سجنه حتى عام 2005م، بشكل عادي ودوري بحجة ما يسمى الرفض الأمني الصهيوني، فيسمح لها بالزيارة في فترات متباعدة جداً.

وتمر السنوات وأسيرنا المجاهد باسل مخلوف يحلم بيوم الحرية حيث كانت تعقد صفقات تبادل، وكان يحلم بأن يكون من الذين تشملهم صفقة التبادل مع حزب الله في عامي 2004 و 2008م، وصفقة وفاء الأحرار في العام 2011م مع المقاومة الفلسطينية، وما زال يأمل في صفقة وفاء الأحرار (2).

لم يستسلم الأسير المجاهد باسل مخلوف للسجن والسجان، وإنما قبل التحدي وعكف على العلم وحصل على شهادة دبلوم الخدمة الاجتماعية، واتبعها بشهادة البكالوريوس في علم التاريخ، وقدم كل ما يمكن أن يقدمه لمساعدة إخوانه في الحركة الأسيرة، وكلفه أبناء حركة الجهاد الإسلامي بالعديد من المهام التنظيمية داخل سجون الاحتلال من أمير لأحد الأقسام، إلى الإدارية العامة، إلى عضو مجلس الشورى في الهيئة العليا، وإلى جانب العمل التنظيمي حصل على العديد من الدورات في أحكام التجويد وقواعد اللغة العربية، ولا يزال حتى هذه اللحظة مصمماً على الحصول على بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية من جامعة القدس المفتوحة.

ومهما حصل المجاهد باسل مخلوف على مهام تنظيمية ودرجات علمية، كان ولا يزال يقف إلى جانب الحركة الأسيرة في نضالاتها وإضراباتها المفتوحة عن الطعام حيث شارك في إضراب العام 2004م لمدة 19 يوماً، ومن ثم شارك في إضراب العام 2011م تضامناً مع أسرى الجبهة الشعبية لإخراج أحمد سعدات من العزل الانفرادي، ومن ثم شارك في إضراب الكرامة 2012م للمطالبة بإخراج المعزولين، واستمر الإضراب لمدة 28 يوماً.

وفي العام 2015م تم عزله في سجن ايلا (بئر السبع) لمدة 14 يوماً أثناء تصعيد أسرى حركة الجهاد الإسلامي في السجون ضد مصلحة السجون، وما زال على العهد الذي قطعه على نفسه للشهداء أن يبقى على طريق ذات الشوكة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وما يزال ينتظر لحظة الحرية ليجتمع شمله مع عائلته وابنته آية وابنه أحمد على أرض عرين الجهاد الإسلامي في قرية صيدا الصمود.