الإعلام الحربي – خاص
هم الشهداء.. قافلة تسير.. ولا تتوقف.. منذ فجر التاريخ بدأت وعلى امتداد الأفق تمضي.. لها قضية ثابتة وهدف يتجدد والوسيلة تتعدد. قضيتهم مبدأ من أجله انطلقوا وأهدافهم عبر الزمان والمكان تتجدد ووسائلهم لتحقيق الهدف تتنوع وتتعدد.
هم الشهداء.. حققوا غاياتهم، ونالوا أمنياتهم، ساروا على الدرب فوصلوا.. هم وحدهم يشهدون نهاية الحرب.. فيما آخرون يحتسون الخمر في نشوة النصر، فيستبيحون الدماء بعدما ذهبت بعقولهم ويعيثون فساداً ليتكرر المشهد المؤلم.
فلقد قرر رامز عبيد أن يحفر اسمه وينقشه على الصخر ليكون مثالا يحتذى في الجهاد والمقاومة والتضحية في سبيل الأرض والعرض والحرية والكرامة.
نوع العملية: استشهادية.
مكان العملية: ديزنغوف _ تل أبيب المحتلة.
تاريخ العملية: 04-03-1996م.
خسائر العدو: : مقتل 13 صهيونياً وإصابة 120 آخرين.
منفذ العملية: الاستشهادي/ رامز عبد القادر عبيد.
تفاصيل العملية
في الرابع من شهر مارس آذار لعام 1996 , حمل فارس من فوارس الجهاد الإسلامي هموم الأمة وعذاباتها ليعبر عنه بأغلى ما يملك , ليظهر متزنراً بحزامه الناسف مذكرا الكيان الصهيوني أن قسم الثأر الذي أعلنه بيده على جدران المخيم بأن دم شهيد فلسطين والأمة الدكتور فتحي الشقاقي هو قسم باقي ضد بغيهم وعنجهيتهم على أرض فلسطين ومقدساتها.
فاندفع المجاهد الاستشهادي رامز عبد القادر عبيد بعد أن تمكن من التوغل إلى عمق تل أبيب وعلى وسطه أكثر من خمسة عشر كيلو غراما من المتفجرات وفجر صواعق جسده بين حشود المغتصبين فزلزل الانفجار أركان "تل أبيب" ليحصد الانفجار حياة ثلاثة عشر قتيلاً ومائة وعشرين جريحاً , لتكون العملية إهداء لروح قائد الفكر الجهادي الأشم فكر حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الشهيد الدكتور فتحي إبراهيم الشقاقي، ليمضى شهيدنا على درب الجهاد والمقاومة تماما كما أحب .. فرحم الله شهيدنا الفارس وأسكنه فسيح جناته .
الاستشهادي في سطور
في ذلك المخيم الذي لطالما أذاق العدو الصهيوني على مدار سني الصراع الويلات تلو الويلات , تقبع منازل عائلة عبيد , التي يعرفها كل إنسان حر في هذا الوطن الحر , لا سيما وأن هذه العائلة قدمت على طريق الحرية والاستقلال فارسا معطاء ً وعظيما أرق مضاجع العدو بعمله الجهادي العملاق الذي لازال الحديث عنه يحدث الرعب تلو الرعب بين صفوف الكيان .
فرامز لم يكن سوى بطلا استثنائيا في هذا الزمن الاستثنائي ، حيث عبَّر بجسده الطاهر عن أصالة وعراقة وزمن مرحلته في حقبة غاب فيها التاريخيون ولم يبق بها سوى الباعة المتجولون للمبادئ والأفكار والتاريخ، لذا قرر أن يضع حدا لمهزلة الموت على مذابح الأوصياء، باختيار الشهادة على طريق الأنبياء.
لقد قرر رامز عبيد أن يحفر اسمه وينقشه على الصخر ليكون مثالا يحتذى في الجهاد والمقاومة والتضحية في سبيل الأرض والعرض والحرية والكرامة , وفعلا كانت دماء فارسنا رامز وقودا أشعل في صدور أبناء فلسطين حب الجهاد وعشق الشهادة في سبيل الله .
تأتي رحاب الذكرى السنوية لاستشهاد رامز عبيد لتعزز في أواصر وخواطر وقلوب وعقول أبناء شعبنا مفاهيم عدة لعل أبرزها أن الشعب الفلسطيني لن يذعن لمحتليه الغزاة مهما عربدوا و أوغلوا في قمعنا.
في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة, وبالتحديد في الحادي والعشرين من شهر أغسطس لعام 1974م , خرج فارسنا الهمام رامز عبد القادر عبيد على وجه البسيطة , ليعيش كغيره من ساكني المخيم حياة ملؤها القسوة والمعاناة فالمخيم الذي يحتضنه وأسرته وباقي الأسر الفلسطينية ليس سوى ملجأ لجؤوا له بعد تهجيرهم على يد الاحتلال البربري الغاشم عام 48 ليذوقوا أفظع وأقسى أصناف ودروب العذاب والمصاعب.
نشأ الاستشهادي رامز عبيد بين سبعة أخوة وثلاث أخوات , وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي تمر بها عائلته إلا أن والده أصر على أن يعلم نجله ليخط له طريقا في المجتمع ينتفع به ويعود كذا بالنفع على كافة من حوله في المجتمع، ودرس في مدرسة مصطفى حافظ الابتدائية «أ» للاجئين ثم مدرسة ذكور خان يونس الإعدادية فكان من صغره منحازاً للإسلام محافظاً على الصلوات في المسجد متأدباً بأخلاقه.
عرف الاستشهادي المجاهد رامز عبيد بين جيرانه وأبناء حارته بخلقه وتواضعه وحب الجميع له، وبرزت مواهبه منذ صغره فكان فنانا يرسم الخطوط الجميلة والصور المرهفة الصادقة.
وما أن انتهى شهيدنا رامز من دراسة المرحلة الإعدادية , حتى تنفجر الانتفاضة المباركة , حيث كان لها وقعا كبيراً في نفس رامز فلقد جاءت الانتفاضة كمعبر حقيقي عن ما تشدو وتهفو له نفس رامز , فلقد كان يشارك إخوانه وأصدقاءه في فعالياتها وبجدارة حيث كان كل المخيم يشهد له بشعاراته الرائدة التي تزين جدرانه لتعزز مفاهيم الانتفاضة ومبادئها , وعلى الرغم من ذلك كله استمر في تعليمه لينهي دراسته الثانوية من مدرسة عكا الثانوية مسطراً بذلك أنموذجاً حياً للتلميذ المجاهد والحامل لهموم أمته وشعبه.
الروح الجهادية التي تعززت في نفس رامز جعلت منه إنساناً مختلفاً فعلى الرغم من صغر سنه يعتقل المجاهد رامز في سجن النقب لمدة ثلاثة شهور بتهمة إلقاء الحجارة وهناك في "مدرسة يوسف" ليعيش بين صفوف حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين , والتي لطالما نشر شعاراتها على جدران مخيمه وهو يعمل في اللجان الشعبية التابعة لها في خان يونس، وخرج الفارس في أواسط 1992م، أكثر مضاءً وعزماً على مواصلة عمله في صفوف حركته المجاهدة (حركة الجهاد الإسلامي) ليشارك من جديد في العمل المنظم الذي تقوم عليه الحركة في منطقة سكناه ,
أصبح مسئولاً عن العمل الإعلامي والثقافي الذي تشرف عليه الحركة , ليعود الفارس نظراً لجهده المميز في الحركة إلى السجن من جديد , حيث جرى اعتقاله داخل مسجد الإمام الشافعي الذي تعود على الصلاة فيه ليواصل من جديد داخل خيمته في السجن (سجن النقب) نشاطه غير المنقطع، حيث أشرف على إصدار المجلة الدورية التي تصدر عن حركة الجهاد الإسلامي داخل المعتقل والتي عبَّر خلالها عن كافة مواهبه الفنية، ويخرج رامز مرة أخرى من المعتقل أكثر اشتعالاً وأكثر تشبثاً بروحه الجهادية الراسخة , كما واعتقل رامز عدة مرات على يد الأجهزة الأمنية الفلسطينية في محاولة منها لثنيه عن نشاطه الدؤوب والمتواصل ضمن صفوف حركة الجهاد الإسلامي إلا أن السجن لم يكن سوى دافعاً قوياً يعزز تمسك الفارس بخياراته ومبادئه.
قرر الاستشهادي رامز عبيد بعد ذلك مواصله تعليمه , ليلتحق بالجامعة الإسلامية لمدة عام بقسم الجغرافيا وعندما فُتح قسم الفنون الجميلة في كلية التربية (جامعة الأقصى) انتقل للدراسة فيها ليصقل موهبته الفطرية وينميها على أسس صحيحة.
لقطات من حياته
في يوم استشهاد ابن مخيمه أيمن راضي كان فارسنا رامز يزين جدران المخيم بالشعارات فيرسم باصاً صهيونيا وقد تطايرت أجزاؤه وتناثرت الجثث من داخله، وحينها تدخل أحد الصحفيين الأجانب الذين كانوا بالمكان وسأله إذا ما كان يرسم لمجرد الرسم أم هو الإحساس والتمني بهذا الشيء فيرد رامز الفارس عليه أنه يتمنى الشهادة ليل نهار ويدعو الله أن يرزقه بها.
هكذا كان أبو عبد الله يبرهن لأصحاب القلوب المريضة أن الشهادة هي طريق الصالحين ويردد مقولته الشهيرة (وعجلت إليك ربي لترضى) ولن نستغرب قصة الرجل العجوز الذي أمسك بيده يوما بين أزقة المخيم ليقول له ستكون شهيداً يا ولدي وعدني بأن أكون أحد الذين ستتشفع لهم ويأخذ العجوز الوعد من شهيدنا رامز والذي ازداد صمته وعم هدؤوه في تلك الفترة فكان يكابد الحياة بإيمان واستعلاء ويواصل خطواته نحو عرس الشهادة في الرابع من شهر مارس آذار لعام 1996 في شارع " ديزنغوف " بــ"تل أبيب " رغم كل العوائق والحواجز.
العدو يسلم جثمانه الطاهر
وكانت قوات الاحتلال قد سلمت جثمان الاستشهادي رامز عبيد بتاريخ 31-5-2012م، بعد أن احتجزت جثمانه الطاهر لمدة 16 عاماً بعد قيامه بعملية نوعية في شارع ديزنغوف بـ"تل أبيب" المحتلة، أدت لمقتل 13 صهيونياً وإصابة 120 آخرين.
وشيعت جماهير غفيرة جثمان الاستشهادي رامز عبيد في موكب جنائزي مهيب، وانطلق الموكب من معبر "ايرز" بعد تسلم الجثمان باتجاه منزل عائلة الشهيد في معسكر خان يونس ، حيث ألقيت نظرة الوداع على الجثمان الذي نقل محمولاً على الأكتاف إلى المسجد الكبير ، وسط المدينة، وأدى المشيعون صلاة الجنازة عليه قبل أن ينطلقوا باتجاه مقبرة الحي النمساوي حيث ووري الثرى بالقرب من جثمان والده.
وردد المشاركون في مسيرة التشييع شعارات طالبوا فيها المقاومة الفلسطينية بتحرير كافة الأسرى و"شهداء الأرقام" من المقابر الصهيونية. واستهجنوا استمرار الصمت الدولي حيال ما يرتكبه العدو الصهيوني من جرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني.

