القائد «إياد حردان».. تتلمذ على يديه القادة والاستشهاديين

الإعلام الحربي _ خاص

في كل يومٍ لنا يحين المطّاب أن نلتقي بشهيد جديد.. فهم الشهداء من رفعوا راية المقاومة والجهاد.. هم من تخطوا كل حدود فلسطين.. هم من سطروا كل آيات الإنتصار.. هم من لعنت دمائهم المتخاذلين.

لأنهم الشهداء عنوان الإنتصارات والبطولات.. كان لا بد أن نكتب عنهم تلك السطور القليلة لنوفي الجزء البسيط من حقهم.. فهم من ودعناهم بالأمس أحياء.. وها نحن نرثيهم وهم شهداء.. شهداء على رسالة رسولهم الحبيب المصطفى.

إنها الذكريات تتجدد.. وذكرانا اليوم مع قائد عشق الجهاد وتقدم للشهادة.. إنه القائد إياد الحردان.. هذا الفارس صاحب البسمة الخفيفة.. صاحب النظرات العميقة.. فارس الشهادة وعاشقها.

في مثل هذا اليوم وقبل 19 عاماً ودعت جماهير الشعب الفلسطيني الشهيد القائد إياد محمد حردان، بعد أن أذاق العدو الويلات وجرعهم كأس المنون عبر تخطيطه لسلسلة من العمليات التي أدت لمقتل وإصابة عشرات الصهاينة.

ميلاد قائد

ولد الشهيد القائد إياد محمد نايف حردان بتاريخ 1-4-1974م، في بلدة عرابة قضاء محافظة جنين شمال الضفة الغربية المحتلة وسط أسرة مؤمنة مجاهدة، ليكون الابن السادس في أسرته المكونة من تسعة أفراد.

تعلم القائد إياد حردان في مدارس بلدة عرابة وأنهى تعليمه الثانوي فيها، وحاول إياد إتمام دراسته عندما توجه الى جامعة الخليل في برنامج الزراعة ولكن الاعتقالات المتوالية والمطاردة واستهدافه من قبل الاحتلال الصهيوني جعلت فكرة اتمام الدراسة في الخليل ضرباً من المستحيل فعاد إلى جنين للدراسة في جامعة القدس المفتوحة في برنامج الخدمة الاجتماعية.

أدرك الشهيد القائد إياد حردان الطريق لله والمسجد والجهاد في سن مبكرة، فكبر وكبرت في أعماقه ملامح الإيمان فكان من السباقين للصلاة في المساجد والمهتمين بمتابعه كافة الدروس الدينية وكان صواماً، قواماً، قارئاً للقرآن، يحب الجميع والجميع ينظر إليه بنظرات الخير والمحبة، كما اهتم بقراءة الكتب ودراسة تاريخ قضيته رغم صغر سنه فأصبح من أكثر الناس حماساً لقضيته وكراهية لعدو شعبه.

سجل الشرف الجهادي

مع اندلاع الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة) عام 1987م، كان الشهيد القائد إياد حردان من أوائل الذين تصدوا للاحتلال الصهيوني في بلدة عرابة وشارك في جميع المواجهات التي كانت تدور بين المواطنين وقوات الاحتلال في عرابة، وكان دوماً يقوم برشق جنود الاحتلال بيده اليمني وهو يقول الله أكبر، وكان دائماً يواجههم من مسافات قريبة جداً حتى يتحقق من إصابة الهدف بحجارته المقدسة التي كانت تطاردهم أينما ولوا وجوههم.

بدأ الشهيد القائد إياد حردان مسيرته في حركة الجهاد الإسلامي في السادسة عشرة من عمره، وهو من المؤسسين لمجموعات عشاق الشهادة الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي بالضفة آنذاك مع الشهيد القائد عصام براهمة والشهيد القائد أنور حمران وكان الشهيد إياد أول من أحضر السلاح ولكن ليس بالمال بل انتهج نهج الشهيد عز الدين القسام عندما كان يقول لأصحابه من يريد أن ينتمي إلى صفوف حركتنا فليحضر سلاحه معه، حيث كانت أول عملية للشهيد إياد عندما ذهب ورفاقه في أواخر عام 1991م، إلى مستوطنة مابودوتان الواقعة قرب عرابة وقاموا باغتنام سيارة كان بداخلها أسلحة من نوع عوزي ومسدس أخذوه وذهبوا به إلى الشهيد عصام براهمة ليدربهم عليه، كون الشهيد عصام تدرب على السلاح في سوريا وعلى جميع أنواع الأسلحة.

دخل الشهيد إياد حردان التاريخ من أوسع أبوابه وسرعان ما أصبح مجاهداً متميزاً حتى أن اسمه بدأ يقلق العدو الصهيوني فاعتقل عدة مرات وتعرض للتعذيب وذلك بتهم مختلفة منها الانتماء إلى حركة الجهاد الإسلامي، وكان في السجن ينبوع عطاء متدفق وشعله إيمان وعمل يمضي وقته في القراءة ودراسة القرآن وتاريخ الجهاد وتأسيس الأشبال وتربيتهم على عقيدة وفكر ومنهج الجهاد الإسلامي وعندما كان يفرج عنه كان يواصل عمله الجهادي، فكان السجن بالنسبة له محطة للشحن والتعبأة ولمزيد من الاستعداد للتضحية والجهاد.

بعد خروجه من سجون الاحتلال لم يتراجع أو يتردد لحظة واحدة في مواصله مسيرته الجهادية فكان ينظم الخلايا العسكرية ويشتري السلاح وعندما بدأت انتفاضة الأقصى تم اعتقاله في سجون السلطة الفلسطينية وتمكن من الهرب من السجن برفقة عدد من المجاهدين، وأعادت أجهزة السلطة اعتقاله مرة أخرى في جنين ومن هناك بدأ تشغيل الخلايا العسكرية وتأدية واجبه الجهادي.

شارك الشهيد القائد إياد حردان برفقة إخوانه المجاهدين في تأسيس سرايا القدس بالضفة المحتلة ويعد منشئ البذرة الأولى لسرايا القدس في جنين وله الفضل في تجنيد الخلية الأولى للسرايا بقيادة الشهيد أسامة نغنغية، وتتلمذ على يديه العشرات من القادة والمجاهدين والاستشهاديين، وكان له دور بارز في سلسلة من العمليات النوعية مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م، وشارك في العشرات من الاشتباكات المسلحة وزرع العبوات الناسفة وصد الاجتياحات التي تعرض لها مخيم جنين.

كما شارك الشهيد القائد إياد حردان في إعداد وتجهيز عبوة ناسفة ووضعها على الشارع المؤدي لـ (مغتصبة مابودوتان) قرب عرابة ما أدّى إلى إحراق سيارة أحد الضباط الصهاينة وإصابته بجروح خطرة، اعتقل على إثرها وتعرّض لتحقيقٍ قاسٍ وحوكم بالسجن مدة ثلاث سنوات، كما استطاع الشهيدان القائدان إياد حردان وأنور حمران قتل صهيونيين وإصابة 11 آخرين عبر إدخال سيارة مفخخة إلى مدينة القدس المحتلة وتفجيرها في تاريخ 2-11-2000م.

وخطط الشهيد إياد حردان لعملية سوق محني يهودا في القدس، واستطاع رفيق دربه الشهيد أنور حمران تجنيد الاستشهاديين (سليمان طحاينة، ويوسف الزغير)، في السادس من نوفمبر لعام 1998م، واعترف العدو بإصابة 20 صهيونياً، وعلى إثر العملية اعتقلت أجهزة أمن السلطة القائد إياد حردان وأمضى أحد عشر شهراً في الاعتقال إلى أن تمكن من الهرب مع اثنين من المجاهدين قبل أن تعيد السلطة اعتقاله بعد ثلاثة أسابيع لتنقله بعد ذلك إلى سجن أريحا ليمكث فيه خمسة أشهر, وبعدها نقل إلى سجن الظاهرية في الخليل حيث تعرض لأبشع أنواع التعذيب الجسدي، ومن ثم نُقل إلى سجن جنيد في نابلس مع بدايات عام 2000م، وأفرج عنه مع بداية انتفاضة الأقصى، ليعاد اعتقاله لاحقاً مع 14 مطارداً، واقتيد إلى سجن جنين المركزي، وبقي فيه إلى أن استشهد.

وعن الخطر الذي شكله الشهيد القائد حردان يقول «إيهود يعاري» المحلل العسكري للقناة الأولى في تلفزيون العدو «إن حردان بدأ بنسج علاقات مع بقية التنظيمات العسكرية الفلسطينية وخاصة التابعة لحركتي حماس وفتح، والهدف من هذه العلاقة القيام بعمليات عسكرية واسعة».

وأضاف يعاري: «ومما سهّل هذا التنسيق كون إياد شخصية تتمتع بالاحترام والقبول لدى جميع الاتجاهات الوطنية».

موعد مع الشهادة

هذا النشاط والإصرار جعله هدف رئيسي لأجهزة الأمن الصهيونية التي طاردته بقوة وحاولت اغتياله بكل السبل وقد نجحت بذلك في يوم الخميس بتاريخ 5-4-2001م، حيث كان سجيناً في معتقل جنين المركزي للسلطة الفلسطينية في الوقت الذي سمحت له أجهزة السلطة بالخروج ساعتين للجامعة والعودة للسجن، وأثناء خروجه قام باتصال هاتفي من جهاز عمومي قرب مقاطعة جنين فما أن هم بإدخال الكرت وبعد نصف دقيقة تقريباً حتى دوى انفجار شديد وبعد لحظات تلاشى الدخان وبانت جثة ملقاة أرضاً وبعدها تبين أن الجثة للشهيد القائد إياد حردان الذي نالت منه يد الغدر الصهيوني بمساعدة العملاء بوضع عبوة ناسفة في كبينة الهاتف العمومي وتناثرت أشلاؤه في واحدة من أبشع عمليات الاغتيال هي الأولى من نوعها في الضفة الغربية المحتلة.

رحل اياد حردان شهيداً بعد تفجير الهاتف الذي كان يستخدمه خلال فترة اعتقاله في سجن مقاطعة جنين أثناء حديثه مع ذويه وبقيت مسيرة الجهاد والمقاومة مستمرة تغذيها دماء الشهداء مع اخوان اياد وأحبائه ومن جميع أبناء الشعب الفلسطيني.

disqus comments here