«محمود طوالبة».. قائد معركة جنين وصانِعُ الأحزمة الناسفة (صور)

محمود طوالبة ‫(1)‬ ‫‬

الإعلام الحربي – خاص

هــو قائــد تعجــز النســوة عــن ولادة أمثالــه مــن العظــماء؛ فهــو أســد أشــم بــدد عتمــة الليــل بنــور جهــاده، وصنــع المجــد في جنــين فأصبــح مفخــرة لفلســطين. إنــه الشــهيد القائــد محمــود طوالبة أســطورة المقاومــة العظيمــة الــذي أبى الاستســلام، فأقبــل على الشــهادة يبتغــي الأجــر مــن اللــه ليجلــس في مقعــد صــدق عنــد مليــك مقتــدر.

رحل محمود طوالبة في مثل هذه الأيام المباركة بعد أن أودع في كل بيت فلسطيني وردة مغروسة وسط الدار لا ترويها المياه بل الدماء ولن تذبل أبداً.. ينظر إليها الناس فيذكرون محمود الذي أودعهم هذه الأمانة ويقسمون بمواصلة الطريق والنهج المقدس.

تصادف اليوم الأربعاء الثامن من أبريل الذكرى السنوية الثامنة عشر لاستشهاد القائد الكبير محمود أحمد طوالبة، أحد أبرز قادة سرايا القدس، وقائد معركة جنين الأسطورية والذي ارتقى للعلا شهيداً بتاريخ 8-4-2002م، خلال تصديه برفقة المجاهدين للاجتياح الصهيوني الذي تعرض له مخيم جنين.

ميلاد القائد

ولد الشهيد القائد الشيخ محمود أحمد محمد طوالبة (أبو عبد الله) في أحضان مخيم جنين بتاريخ 19/3/1979م، لأسرة فلسطينية مجاهدة مكونة من 9 أفراد بالإضافة لوالديه، وكان ترتيبه الرابع في أسرته التي لجأت إلى مخيم جنين بعد نكبة عام 1948م، بعد أن دمر الاحتلال منازلهم وشردهم من قريتهم نورس القريبة من مدينة حيفا.

ومنذ صغره بدت عليه علامات التأثر بما تعرض له شعبنا من مآسي ونكبات, فتأثر بواقع معاناة اللجوء والحياة القاسية في مخيم جنين، فكبرت معه روح الانتماء للوطن والاستعداد للمقاومة وكراهية المحتل الغاصب الذي حرمه من حقه في العيش بأرضه, وعندما كان يتحدّث والده عن مجازر الاحتلال وإرهابه كان يتمنى أن يكبر بسرعة لينتقم ويثأر من الصهاينة.

تلقى شهيدنا القائد طوالبة تعليمــه الأســاسي والإعــدادي في مدرســة وكالــة الغــوث قبــل أن يترك الدراسة يتفــرغ للعمــل في مهنة البناء (القصارة) في الأراضي المحتلة عام 1948م، ليكون معيلاً لأسرته، ومن ثم عمل في أحــد المحــلات التجاريــة بمدينــة جنــين، وتزوج برفيقة حياتــه ورزق منها ببنت أسماها دعاء، وولد أسماه عبد الله، وعــاش حيــاة عاديــة مثــل أبنــاء المخيــم حتــى انــدلاع انتفاضــة الأقصى عــام 2000م.

قائــداً شجاعاً

تميز الشــهيد محمــود طوالبة بالشجاعة وقوة الشخصية والإيثار، وتميز بدماثة خلقه وابتسامته الدائمة، كان شاباً لطيفاً وخجولاً للغاية ومحبوباً من قبل الجميع، وعــرف عــنه هــدوؤه وســكينته، لكنــه فــارس شــجاع يرفــض الظلــم والإجحــاف، ويعمــل دوماً عــلى رد المظــالم، لكــن معايشــته لواقــع الاحتــلال والممارســات البشــعة بحــق أبنــاء شــعبه جعلــت منــه قائــداً ميدانياً شجاعاً يعمــل على الثــأر مــن الاحتــلال وجيشــه الباغــي.

كان الشهيد القائد طوالبة يحب عمل الخير ويتواصل مع الفقراء والمحتاجين ويتبرع براتبه الشخصي البسيط لإعالة العائلات الفقيرة في المخيم ولم يكن يقصده أحد ويعود خائباً، فقد تبرع بسرير ابنه لأحد الأطفال الأيتام وتبنى عدد من الأيتام وحرص على دفع راتب شهري لهم، وغيرها الكثير، وكان يهتم بأسر الشهداء والمعتقلين ويقدمهم على أي شيء آخر مما جعل الجميع يحبه ويحترمه.

السجل الجهادي المشرف

كان حديث شهيدنا القائد محمود طوالبة الدائم عن فلسطين وحق العودة وحلمه الشهادة لذلك لم يتأخر في تحقيق حلمه، فانخرط في صفوف حركة الجهاد الإسلامي في ريعان شبابه, وبدأ يقضي أوقاته في المسجد ودور العبادة وساحات المقاومة ودعوة الشباب للعودة إلى الدين والإسلام وحمل لواء الجهاد، وأصبح داعية إسلامي يركز على الشباب الذين لا يصلون ويزورهم في بيوتهم ويهديهم الأشرطة الدينية ويرشدهم للصلاة في المساجد .

وفور اندلاع انتفاضة الأقصى لم يكتفِ القائد طوالبة بالمشاركة في المواجهات والمسيرات بل شرع في تشكيل المجموعات السرية لحركة الجهاد الإسلامي والتي عملت على تطوير عمل المقاومة، والارتقاء بوتائر العمل الجهادي المقاوم عبر رفد انتفاضة الحجر بالسلاح وعمليات المقاومة التي سرعان ما طورها إلى عمليات استشهادية.

ومع انطلاقة انتفاضة الأقصى في سبتمبر عام 2000م، كان للشهيد طوالبة دور مميز وكبير، فالتحق بصفوف سرايا القدس بعد أن تعرف على الشهيد القائد محمد بشارات أحد أبرز قادة السرايا وعمل معه وقاتل إلى جانبه، وشاركه في كثير من عمليات إطلاق النار على الطرق الالتفافية التي كانت تمر منها قوافل قطعان المغتصبين وجنود الاحتلال الصهيوني.

وبعد أن اشتد عوده وتمكن من استعمال السلاح وتصنيع المواد المتفجرة، عُين قائداً عسكرياً لسرايا القدس في مخيم جنين، وعمل من خلال موقعه على الإشراف والتنفيذ المباشر لسلسلة من العمليات الاستشهادية التي نفذتها سرايا القدس، كما احترف القائد محمود طوالبة مهنــة تصنيــع المتفجــرات والعبــوات الناســفة والأحزمــة الناســفة والقنابــل اليدوية.

أخطر المطلوبين

أصبح القائد محمود طوالبة بعد عدد من العمليات الاستشهادية التي أدت لمقتل وإصابة عشرات الصهاينة أحد أخطر المطلوبين للعدو الصهيوني بالضفة الغربية المحتلة، وبنداً من بنود المحادثات الأمنية بين السلطة الفلسطينية والحكومة الصهيونية التي مارست ضغوطاً حتى قامت السلطة باعتقاله في أواخر العام 2001م، مما أثار تظاهرات شعبية استمرت ثلاثة أيام أمام أحد المراكز الأمنية قرب جنين حيث كان معتقلاً، ونقل لاحقاً إلى سجن في نابلس حيث نجح في الفرار بعد أن استهدفت الطائرات الحربية الصهيونية السجن بهدف القضاء على المجاهدين بداخله.

تعرض الشهيد طوالبة لأربع محاولات اغتيال صهيونية باءت جميعها بالفشل، أما الأولى يوم اغتيال الشهيد معتصم الصباغ فنجا من الموت بأعجوبة، وأما الثانية فقد ارتقى فيها الشهيدان مجدي الطيب وعكرمة ستيتي من كتائب شهداء الأقصى، حيث استطاع أن ينزل من السيارة قبل إصابتها بصاروخ طائرة الأباتشي بلحظات، وأما الثالثة استطاع أن ينجو من تفجير المحل التجاري الذي كان يعمل فيه مع شقيقه بعد اكتشاف العبوة الناسفة في الوقت المناسب، أما الرابعة بعد قصف طائرات الاحتلال سجن نابلس الذي تواجد بداخله وتمكن من النجاة وعاد لمخيم جنين الذي استقبله بمسيرات حاشدة عبرت عن تقدير الجماهير الفلسطينية له واعتزازها الشديد به، وقد حظي باستقبال شعبي حاشد.

أرسل شقيقه لتنفيذ عملية

يصعب حصر عدد الاستشهاديين الذين قام بتجنيدهم وإرسالهم لتنفيذ عمليات استشهادية وأسندت مسؤوليتها إلى الشيخ القائد محمود طوالبة، إذ كان يفخخ من عشاق الشهادة من هم من جنين وغير جنين، حتى أصر شقيقه مراد أن يحظى بهذا الشرف، وبالفعل وفي  يوم خطبة شقيقته جهز القائد محمود لشقيقه مراد حزاماً ناسفاً لتنفيذ عملية استشهادية داخل  فلسطين المحتلة وأراد تفجير نفسه ورأى عدداً كبيراً من الأطفال الصغار في المكان، فأمسك عن تنفيذ العملية حرصاً منه على عدم قتل الأطفال فهذه هي أخلاق المجاهدين، وتمكنت قوات الاحتلال من اعتقاله وأفرج عنه في وقت لاحق، إلا أن عزيمة وإرادة القائد محمود لم تضعف وكان يمضي حياته وأوقاته في تدريب المجاهدين وتصنيع العبوات والأحزمة الناسفة.

معركة مخيم جنين

قبل بدء معركة مخيم جنين بدأ القائد محمود طوالبة وإخوانه المجاهدين يستعد لمواجهة المحتل وقام بتفخيخ بيته وجميع البيوت المجاورة، وكان يقضي الليل والنهار في تجهيز العبوات فقد كان مهندس العبوات الأول في مخيم جنين وعندما اندلعت المعركة كان في مقدمة المجاهدين الذين تنادوا لتوحيد فصائل المقاومة التي عملت معاً لمواجهة المحتل، فمحمود لم يكن قائداً يصدر التعليمات بل كان يقود المعارك ويصنع العبوات ويزرعها في كمائن للمحتلين, وعندما أصيب خلال المعركة رفض الاستسلام أو التراجع أو مغادرة ساحة المعركة، وكان يحمل حزامه الناسف الذي لم يكن يفارقه وسلاحه الذي لم يهدأ طوال المعركة.

في اليوم الثالث من معركة جنين تقدم الجنود باتجاه حي الشلبي في مخيم جنين فأبلغه الأهالي بتحرك المشاه بشكل واسع وسريع فنصب لهم كميناً قرب منزل الشلبي وباغتهم بهجوم سريع مما أدى إلى مقتل عدد من جنود الاحتلال وإصابة آخرين.

وخاض الشهيد محمود طوالبة ومجموعته المجاهدة عدة اشتباكات عنيفة وقام بنصب العديد من الكمائن بكل بسالة وشجاعة، حيث خاض اشتباكاً مع جنود الاحتلال في حارة الدمج استمر عدة ساعات، ثم انسحب إلى حارة الحواشين واشتبك برفقة مجموعته المجاهدة مع جنود الاحتلال وتمكنوا من قتل جنديين صهيونيين وتم سحب جثث الجنود القتلى بأحد الأسلاك الطويلة ومصادرة أسلحتهم.

طوالبة هدف الاجتياح

كان القضاء على القائد محمود طوالبة أحد أهداف الجيش الصهيوني في معركة جنين، لما كان يشغله من منصب مهم في حركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا القدس، ولقيامه بتجنيد العديد من الاستشهاديين وإرسالهم لتفجير أنفسهم في داخل الأراضي المحتلة عام 1948م.

ويقول الأسير المحرر علاء الصمادي من مخيم جنين:" أول ما تلفظ به الكابتن جمال الصهيوني أثناء اعتقالي خلال معركة مخيم جنين وكان يلح في سؤال الشبان المعتقلين من جنين وأنا منهم عن محمود طوالبة قائلاً":هل منكم رأى جثة محمود ؟ هل منكم من يستطيع إرشادي إلى مكانها؟ "، ويؤكد لهم غير مرة أن القوات الصهيونية المحاصرة للمخيم ستنسحب فور تأكيدهم استشهاد محمود أو التوصل إلى مكان جثته!!.

رحيل القائد

بعد مقاومة عنيفة وضارية من المجاهدين استمرت لعدة أيام خلال معركة جنين البطولية، وفي يوم الاثنين الموافق 8-4-2002م، استطاع العدو الصهيوني تشخيص المكان الذي يتواجد فيه القائد محمود طوالبة وبرفقته مجموعة من المجاهدين (عبد الرحيم فرج وشادي اغبارية (نوباني) وأشرف أبو الهيجا)، عقب الكمين البطولي الذي نفذه هؤلاء المجاهدون الأبطال ضد جنود الاحتلال، وقُتل فيه عدد من جنود الاحتلال وأصيب آخرون، بعد هذه العملية البطولية النوعية والجريئة صب العدو جحيم ناره بصواريخ "الأباتشي" ومدافع الدبابات على المكان الذي تواجد فيه القائد محمود طوالبة مع عدد من المجاهدين، مما أسفر عن استشهاد القائد طوالبة مع العديد من إخوانه الأبطال ومنهم الشهداء (عبد الرحيم فرج وشادي اغبارية (نوباني) وأشرف أبو الهيجا)، وبعدهــا ورد الخبر لبقيــة المجموعــات بــأن المجموعــة المتواجــدة في بيــت أبــو جــواد القاســم استشــهدت.

السرايا تزف

سرايــا القــدس زفت الشــهيد القائــد محمــود طوالبة ومــما جــاء في بيــانها للشــهيد القائــد:" تزف سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وتؤكد لجماهير شعبنا وأمتنا نبأ استشهاد: القائد الكبير والمجاهد الرمز الشهيد محمود أحمد محمد طوالبة (النورسي) القائد في سرايا القدس الذي زرع الرعب في قلوب الصهاينة بالعمليات الاستشهادية، وقاد وإخوانه المقاتلون الأبطال ملحمة الفداء والبطولة الأسطورية في معركة الدفاع عن مخيم جنين في وجه العدوان الصهيوني الهمجي.

وقالت:" إننــا في سرايــا القــدس نعاهــد الشــهيد القائــد محمــود طوالبة على أن نواصــل دربــه، وأن نحمــل دمــه ودم كل الشــهداء أمانــة في رقابنــا، وأن يظــل ســيفه مشرعاً نضرب به رقــاب المحتلــين في كل بقعــة مــن فلســطين حتــى رحيــل آخــر صهيــوني عــن أرضنــا لترتفــع رايــات النصر والكرامــة خفاقــة فــوق المســجد الأقصى بــإذن اللــه".

disqus comments here