الإعلام الحربي _ خاص
كان الفكر الصهيوني ولا يزال مؤسساً ومرتكزاً على قواعد ومعايير استيلائية وتوسعية، وسعت جاهدة العصابات الصهيونية في مطلع العام 1948م، إلى تنفيذ خطط هجومية على المدن والقرى الفلسطينية لتصفية القيادة الفلسطينية الميدانية وتهجير المواطنين الفلسطينيين الآمنين، فتم قصف الأحياء العربية، ووضعت المتفجرات في الأسواق وأماكن الازدحام، وتم بث الرعب والخوف والتوتر في قلوب ونفوس مواطني المدن العربية لدفعهم لمغادرتها، واستخدمت خططاً عسكرية لذلك وعرفت بالخطة (دالت)، حيث نفذت العصابات الصهيونية حملة عرفت بالحملة ديكل (العلم)، وهي حملة عسكرية نفذتها ألوية "شفيع" و "كرملي" و "غولاني" في منطقة الجليل الأعلى والأسفل، استمرت من التاسع من تموز وحتى الثامن عشر منه، فكانت وجهة التحرك هي شفا عمرو، ثم تم احتلال القرى المحيطة بها وصولاً، إلى الناصرة وتم تهجير عشرات القرى العربية الفلسطينية المحيطة بها، وفي مقدمتها قرية صفورية أكبر قرية في قضاء الناصرة.
الميلاد والنشأة
ولد الأسير القائد علي سليمان سعيد السعدي (الصفوري) في تاريخ 12/1/1963م على أرض مخيم جنين، وعاش ونشأ وسط عائلة مناضلة، ودرس في مدارس المخيم التابعة لوكالة الغوث للاجئين حتى الصف السابع الأساسي وبعدها ترك الدراسة ليلتحق بركب المقاومة الضاربة للاحتلال الصهيوني.
في مرحلة مبكرة من حياته وخلال تعلمه في مدارس المخيم، تمتع الأسير علي السعدي بروح نضالية ووطنية عالية، فكان ناشطاً وشجاعاً وشارك في المسيرات والفعاليات الوطنية، فاعتقل للمرة الأولى عام 1978 لمدة 3 سنوات ونصف السنة، وتجدد اعتقاله مرة ثانية حيث قضى فترة في سجون الاحتلال الذي قطع طريق تعليمه حينها ولم يكمل تعليمه، ولكي يؤمن لأسرته العيش الكريم عمل في مهنة الحدادة وأصبحت ورشته الصغيرة في مخيم جنين من أشهر الورشات على مستوى جنين.
تزوج الأسير القائد علي السعدي عام 1986، وبسبب ظروف الحياة الصعبة، سافر إلى السعودية، ليحسن من وضعه الاقتصادي، ورزق بولد واحد وأربعة من البنات، وعمل في عدة مهن على مدار عشر سنوات، لكنه الحنين والشوق للوطن يشده من غربته ليعود ثانية إلى مخيم جنين عام 1996م.
صفاته وأخلاقه
تميز الأسير علي السعدي بكل السمات والصفات الرائعة، الالتزام الديني، العطاء والوفاء والتضحية، حب الإصلاح وعمل الخير وخدمة الناس والوقوف لجانبهم، حيث امتلك روح الحكمة ورجاحة العقل والقدرة على مواجهة المحن والأزمات.
اعتقل القائد علي السعدي (الصفوري) مرات عديدة ولفترات متفاوتة لدى قوات الاحتلال الصهيوني بتهمة مقاومة الاحتلال، فكان أول اعتقال له بتاريخ 2-6-1976م، وأمضى في السجن 18 شهراً، ثم عاد ومارس نشاطه الجهادي واعتقل مرة أخرى بتاريخ 3-7-1978م، وأمضى في سجون الاحتلال مدة 42 شهراً.
أربع سنوات أخذت الأسير القائد علي السعدي من عمله الجهادي في المقاومة الفلسطينية في مخيم جنين ولكن المارد النائم داخله تحرك ونفض عن كاهله هموم الدنيا لينجذب ثانية كعادته المعهودة نحو الجهاد والمقاومة.
كان أبناء مخيم جنين يواصلون دورهم في احتلال مرتبة الشرف الأولى كمدافعين عن جنين و في كل يوم يتوجه المئات منهم نحو حاجز الجلمة إلى شمال جنين ليرجموا الشيطان الصهيوني الغاشم بالحجارة تارة وبنيران أسلحتهم الخفيفة تارة أخرى ويرتقي على الحاجز من الشهداء العشرات ويصاب المئات وكل يوم تتجدد ملحمة بطولية وبموازاتها تنبت قصة مأساوية أخرى عن شهيد هنا وجريح أصيب هناك.
ويصبح مخيم جنين مثقلا بمئات الجرحى والأسرى و الشهداء فلا نكاد نجد بيت بدون قصة حزينة أخرى تضاف إلى يوميات هذا الشعب العملاق بعطائه المتميز بتضحياته، وكلما تردد الهتاف في حارات مخيم جنين تشييعا لشهيد أو نجدة لجريح يتدفق الغضب العارم في قلب الحاج علي الصفوري ويهب ويعصف فيه ليشحنه ويعيده إلى ديدنه المعهود مقاوماً شرساً للاحتلال.
مشواره الجهادي
بداية كان عمله الجهادي في صفوف حركة فتح ثم انتمى لصفوف حركة الجهاد الإسلامي، وأشيع خبر انضمامه للحركة بسرعة في أزقة المخيم وحاراته وتبوئه مركزاً مرموقاً فيها إلى جانب الشيخ الشهيد القائد محمود طوالبة الذي ظل ملازماً للقائد علي السعدي، وبدأ جنباً إلى جنب ويداً بيد مع المجاهد محمود طوالبة وثابت مرداوي بالإعداد والتخطيط لتوسيع حجم ونشاط سرايا القدس في جنين وقراها ومخيمها.
ومع بداية انتفاضة الأقصى المباركة نشط الأسير القائد علي السعدي وأصبحت لمساته وبصماته واضحة لدى الجميع، فذاع صيته وأصبح الكبير والصغير يتحدث عنه وعن دوره المباشر في إلحاق الأذى بالعدو، فكان العملاء بالمرصاد ينقلون صورته وما يتحدث عنه الناس للعدو، لتبدأ الملاحقة ويبدأ العدو يبحث عنه وكلما اعتقل أحد من المجاهدين وجهت عشرات الأسئلة عن القائد السعدي كما كانوا ينادونه، وتطلق وسائل الإعلام خبر اتفاق يقضى بقيام السلطة باعتقال المطلوبين لحكومة الكيان الصهيوني في سجونها ويتم اعتقال الشيخ القائد محمود طوالبة والحاج القائد علي السعدي بحجة حمايتهم من الاغتيال ويفصل بين المجاهدين محمود وعلي ليودع محمود طوالبة في سجن جنيد ويبقى الحاج علي السعدي في سجن نابلس المركزي ولكن بداية العمليات الاستشهادية التي ارتقى خلالها العشرات من نجس الكيان الصهيوني حوّل نمط الرد إلى موجة عارمة من الحقد جاء على هيئة قصف لكافة المؤسسات والسجون التابعة للسلطة وبفضل الله ينجو الحاج علي السعدي ورفاق دربه من موت محقق و يعود أدراجه مع باقي أخوته إلى مخيم جنين.
وفي أواخر عام 2001م يتم الترويج لحملة كبرى ضد مخيم جنين الذي حاز حصة الأسد من العمليات الاستشهادية سواء أكان على صعيد التخطيط أو التنفيذ أو التفخيخ، فمخيم جنين هو ملاذ آمن للقادة المطلوبين في مختلف الفصائل المقاومة، وقلعة حصينة للاستشهاديين ينطلقون منها، ومعقل لأبرز المطلوبين في الضفة وهما الشيخ الجنرال محمود طوالبة والحاج علي السعدي وبحسب تعبير إذاعة العدو: "هدف الحملة اصطياد السمكتين الكبيرتين محمود طوالبة وعلي السعدي".
ولم يكن هذا الشعور بالثقة والمشبع بالاعتزاز والشموخ عبثا فأهالي المخيم يرون بأعينهم قادة الحركات والمطلوبين محمود وعلي السعدي والشيخ بسام السعدي وابنيه التوأمين وثابت مرداوي يزرعون أزقة المخيم ويدفنون في مداخله قنابلهم الضخمة ويوزعون المهام بينهم وبين بقية حاملي الأسلحة حتى من الأشبال دون سن الثامنة عشرة، جو مفعم بالتمرد والتحدي والقوة يستنشقه سكان مخيم جنين صباح مساء.
سارع القائد علي السعدي بمساعدة الشهيد القائد محمود طوالبة بإعادة ترتيب صفوف سرايا القدس، وبدأ يعد ويخطط لإرسال استشهادي إلى قلب العدو الصهيوني فوقع الاختيار على المجاهد محمد محمود نصر، وبدأ الحاج علي والقائد محمود بالتخطيط المحكم والإعداد والاستعداد لإنجاح العملية، وقام بتفجير جسده الطاهر في أحد المطاعم المكتظة في حيفا مما أدى إلى إصابة عشرات الصهاينة بجراح خطيرة.
قام الأسير القائد علي السعدي بمساعدة كافة المجاهدين من كل الفصائل للحصول على السلاح والذخيرة من أجل العمل حيث كان على علاقة وطيدة مع قادة كتائب شهداء الأقصى في مخيم بلاطة بنابلس، وكان يتم تبادل الخبرات والإمكانيات العسكرية المتوفرة، وعادة كان قادة كتائب الأقصى يرسلون الاستشهاديين من نابلس إلى الأسير القائد علي من أجل إرسالهم لتنفيذ عمليات استشهادية في قلب الكيان الصهيوني.
قرر الأسير القائد علي السعدي التخطيط لعملية مشتركة مع كتائب شهداء الأقصى وتم تجنيد الاستشهاديين عبد الكريم ابو ناعسة ومصطفى أبو سرية، وبفضل الله وتوفيقه بتاريخ 27-11-2001م، وصل الاستشهاديان عبد الكريم أبو ناعسة ومصطفى أبو سرية إلى مدينة العفولة المحتلة، وفتحا نيران سلاحهما الرشاش تجاه الصهاينة، وأدت العملية لمقتل العديد من الصهاينة وإصابة العشرات بجراح خطيرة.
صناعته للهاون
بدأت سرايا القدس في الاتساع شيئاً فشيئاً، وبدأ الحاج علي يفكر إلى جانب الشهيد محمود طوالبة في صناعة الهاون، واستعانوا بمن لديه الخبرة في ذلك ممن يعملون في مجال المتفجرات في السلطة الفلسطينية، ولطبيعة عمل الحاج علي السعدي في الحدادة تمكن من صناعة القاذف والقذائف بصعوبة بالغة، وقام بتجريبه، وحقق نجاحاً مميزاً.
وبدأ الشاباك الصهيوني يروج في الإعلام أنه في مخيم جنين يقومون بصناعة الهاون، وأن هذا خط أحمر للشاباك، ولم يكن لجيش الاحتلال معلومات بصحة هذه الأخبار رغم أن إحدى الدوريات قد تعرضت لقذيفة هاون من صناعة الحاج علي السعدي (الصفوري).
أرسل الأسير القائد علي السعدي إحدى المجموعات المجاهدة المزودة بالهاون لقصف إحدى المستوطنات ونجحت المجموعة في ذلك وسقطت القذائف في قلب المستوطنة، مما أحدث انفجاراً قوياً، وكان رداً صاعقاً للعدو الصهيوني الذي استقبل الرسالة التي مفادها بأن سرايا القدس تمتلك الخبرة في تصنيع الهاون وتمتلك القدرة على ضرب الهاون متى شاءت، وانتشر في الإعلام الصهيوني أن الحاج علي السعدي هو الذي يقوم بصناعة الهاون في جنين، وأطلق عليه المقاومون لقب (الحاج هاون).
حرص الحاج علي السعدي (الصفوري) على تقديم كل ما يلزم للقائد محمود طوالبة ومساعديه من أجل إنتاج كميات كبيرة من المتفجرات وتجهيز الأحزمة الناسفة والعبوات الجانبية، ونجحت سرايا القدس بتنفيذ سلسلة من العمليات البطولية، مما جعل قادة العدو الصهيوني يوجهون أصابع الاتهام إلى قادة سرايا القدس في جنين ثابت مرداوي والحاج علي السعدي ومحمود طوالبة، وأصدروا قرارات اغتيال بحقهم، وقرر شارون على أثر ذلك اجتياح مخيم جنين لتصفية قادة سرايا القدس ومهاجمة عش الدبابير أي مخيم جنين.
جهاده في معركة جنين
قاد الأسير القائد علي السعدي معركة جنين مع إخوانه الشهداء القادة، والأسرى الأحياء قادوا المعركة بشرف وبتخطيط وببطولة وفداء نادرة، قاتلوا حتى الرمق الأخير، وأثخنوا في العدو الجراح، أوقعوا العدو في مقتل، وخرجت بعض الصور واللقطات لجثث الجنود وتفجير البيوت في عشرات الجنود، في خطة محكمة وثبات أسطوري لرجال تقاتل بأقل الإمكانات، وفي مخيم لا تتجاوز مساحاته 1 كيلومتر مربع، وبعد معركة استمرت قرابة الأسبوعين، استمر الأسير علي بقيادة المخيم وخصوصاً بعد استشهاد القائد محمود طوالبة قائد سرايا القدس.
اعتقاله والحكم عليه
بعد انتهاء ذخيرة المقاومين ولم يتبقى معهم أي طلق أو عبوة، واشتداد القصف من الجو والبر، وبدأت الجرافات بهدم البيوت وصولاً للبيت الذي يتحصن به المجاهدين، وبدأت الجرافات بهدم أجزاء البيت الذي يتحصن به بعض المجاهدين ومن بينهم الأسرى القادة علي السعدي وثابت مردواي وتم اعتقالهم بتاريخ 11-4-2002م.
تعرض الأسير علي السعدي لتحقيق قاسي، ولتعذيب متواصل نظراً لحجم الألم الذي ألحقه بهم الحاج علي السعدي، وحرم من أبسط الأمور التي تعطي لأي أسير في العالم، وأقدمت قوات الاحتلال الصهيوني على هدم منزله ومنزل عائلته بعد اعتقاله.
ووجهت له قوات الاحتلال تهمة الانتماء والعضوية في حركة الجهاد الإسلامي وقيادة سرايا القدس في محافظة جنين والمشاركة في عدة بطولات ضد قوات الاحتلال الصهيوني أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات في صفوفها، وأصدرت المحاكم الصهيونية بحق الأسير القائد علي السعدي (الصفوري) السجن (5) مؤبدات بالإضافة إلى (50) عاماً؛ ويقبع الأسير حالياً في سجن رامون الصحراوي .
وجد المجاهد الحاج علي نفسه من جديد داخل سجون الاحتلال ليكمل الدرب والطريق إلى جانب كافة الأسرى والمعتقلين ليستغل وقته في كل ما هو مفيد، فحصل على شهادة البكالوريوس في علم التاريخ، وصار أباً لكل المعتقلين، ولا يزال ينتظر هو وإخوانه الأسرى المجاهدون وعداً من سنين بتحريره وتحرير فلسطين.
توفيت والدة الأسير القائد علي السعدي يوم السبت الموافق 4-6-2016م، في مخيم جنين، عن عمر يناهز (75 عاماً)، بعد رحلة حافلة بالخير والعطاء وتنشئة الأبناء على حب الوطن والجهاد في سبيل الله، دون أن يتمكن من إلقاء نظرة الوداع عليها.

