المحرر "عبد الرحمن أبو لبدة" يستذكر عذابات الأسر ولحظات التحرير

الخميس 16 أبريل 2020

الإعلام الحربي _ غزة

"أمٌ تفتح يديها استعداداً لاحتضان طفلها بعد طول غياب، والدٌ احمرت عيناه من شدة الفرح، أحبة ٌ تسارعت نبضات قلوبهم ترحيبا به وشوقاً لاحتضانه، أصوات زعاريد وأناشيد وطنية تعلو في الأرجاء، وورود تنهال عليه، أما هو فمحمول على الاكتاف كالعريس ليلة زفافه .. "، هكذا كان من المقرر أن يكون مشهد اللقاء الأول لاستقبال الأسير المحرر عبد الرحمن أبو لبدة، بعد إشراقة شمس حريته التي أطفأتها ظلمة الزنازين الصهيونية لإثنى عشر عاماً وسبعة أشهر وثلاثة أيام.

لكن وما أن انزاح ستار الليل وحطت خيوط الشمس الذهبية أشعتها على قضبان السجون الحديدية، حتى ودّع "أبو لبدة" زملاءه في الأسر بضحكاتهم الحزينة، وصعد بالحافلة المخصصة لنقله إلى حاجز بيت حانون "إيرز" شمال قطاع غزة، لتكون المفاجأة "لا أحد بانتظاره"، فقد بدد الاحتلال أحلامه وحرمة فرحة اللقاء بالأحبة، بعدما تعمد تمديد اعتقاله ثلاثة أيام، ومن ثم الإفراج عنه دون إبلاغ العائلة.

واعتقلت قوات الاحتلال الصهيوني " أبو لبدة" وهو من سكان مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بتاريخ 25/07/2007م، بتهمة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا القدس، والتخطيط للقيام بأعمال مقاومة ضد الاحتلال، وحكم على إثرها بالسجن لمدة 12عاماً وسبعة أشهر، وتم الإفراج عنه بتاريخ 27/2/2020م.

ويصادف يوم غد الجمعة الموافق السابع عشر من نيسان، يوم الأسير الفلسطيني، حيث يحيي الفلسطينيون هذه المناسبة بسلسلة من الفعاليات التضامنية مع الأسرى في سجون الاحتلال والبالغ عددهم وفق آخر الإحصاءات نحو خمسة آلاف أسير.

"فنجان الحرية"

ورغم أن الاحتلال نجح في تنغيص فرحة الأسير، إلا أن أحداثا بسيطة على أرض الوطن الذي أحب (غزة) أعادت إليه فرحته ومنحته شعوراً بالراحة والطمأنينة، فقد آنس وحدته أحد العمال المتواجدين بالمنطقة ورافقه السير بضعة أمتار باتجاه الجانب الفلسطيني، ليلتقي هناك بأحد أصدقائه صدفة ويشاركه الحديث مطولاً بضيافة فنجان قهوة، ليكون بمثابة " فنجان الحرية".

ويقول المحرر أبو لبدة خلال حديثه:" سعادتي وفرحتي بالحرية لا يمكن وصفها، فبمجرد احتضاني لصديقي وشرب فنجان قهوة معه شعرت أنني بدأت أتنفس فعلا، وعندما احتضنت والدتي وعائلتي نسيت عذاب وألم ١٢عاما ونصف العام من العذاب في سجون الاحتلال".

ويتابع:" صحيح الاحتلال حاول طمس فرحتي وفرحة أهلي الذين كانوا ينتظرون الافراج عني بفارغ الصبر، من خلال التنكيل بحقي وإرسالي لمحكمة تتبع للأمن الداخلي الصهيوني وتمديد اعتقالي ثلاثة أيام، لكن الحمد الله ومن حسن حظي وجدت صديقي على حاجز بيت حنون وأعاد الفرحة لقلبي بفنجان قهوه وإخبار عائلتي لاستقبالي".

لم تستطع العائلة البقاء في منزلها بمدينة رفح جنوب القطاع، إلى حين وصول نجلهم "عبد الرحمن"، فقد انطلقوا بسرعة البرق نحو بوابة "إيرز" شمال القطاع، لاستقباله وزفّه عريساً لبيته بعد فراق دام سنوات طويلة.

وأوضح أن استقباله كان مهيبا، ومفرحاً للجميع رغم أنف الاحتلال وإجراءاته التنغيصية، مبيناً أن الفرحة لا تكتمل الا بحرية جميع الأسرى من سجون الاحتلال الغاصب.

وأضاف أبو لبدة:" أي سجين في العالم قبل الافراج عنه يتم تأهيله اجتماعيا ونفسيا، إلا الأسير الفلسطيني فهو المعتقل الوحيد في العالم الذي يتم التعامل معه على أنه قنبلة موقوته وخطر مستمر، لذا إدارة السجون الاسرائيلية تحاول جاهدة تدمير الجانب النفسي للأسير حتى يكون من الصعب أن يتم تأهيله بعد الافراج عنه".

وأردف:" الاحتلال لا يدرك أن حضن العائلة واستقبال الأهل والأصدقاء للأسير، ومساعدته لتسهيل أمور حياته وتعويضه عن كل السنين التي قضاها بالسجن، إنها بحد ذاتها كفيلة بإعادة تأهيله منذ اللحظة الأولى للإفراج عنه".

تعذيب وإضراب

منذ اللحظة الأولي للأسر، تعرض "أبو لبدة" لمختلف أشكال التعذيب الجسدي والنفسي داخل زنازين التحقيق لدي الشاباك الصهيوني، لمدة تزيد عن 30 يوماً.

ويقول: " السجن كله صعب وقاس، لكن الأكثر صعوبة مرحلة التحقيق، حيث يتعرض الأسير لكافة أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، وتتخذ إدارة السجون بحقه الكثير من الإجراءات التعسفية، كالعزل الانفرادي والشبح والحرمان من النوم لساعات طويلة، كذلك اعتقال ذويها لضغط عليها خلال فترة التحقيق".

وتنقل "أبو لبده" في معظم سجون الاحتلال من شمال فلسطين إلى جنوبها حتى تحرر من سجن النقب (جنوبا)، كما خاض معركة الأمعاء الخاوية 4 مرات، في كل مره تتجاوز مدة إضرابه 20يوما، إلا أن أشدها إضراب الكرامة عام 2017، حيث بلغت مدة الاضراب 42 يوماً مما انعكس سلبا على صحته الجسدية كباقي الاسرى الذين خاضوا الإضراب.

وأوضح أن الاضراب عن الطعام ليس فقط "ماء وملح"، إنما هو مزيد من الآلام والضغوطات النفسية والجسدية، ومزيد من محاولات القمع والضرب لإجبار الاسير على فك إضرابه، إضافة إلى تداعيات ما بعد الإضراب من حرمان من زيارة الأهل وفرض عقوبات مالية، كذلك إهمال طبي وعدم معالجة تداعيات الاضراب الصحية على الاسير.

إدارة قمع السجون

وأصر "ابو لبدة" على أن يطلق تسمية "إدارة قمع السجون" بدلا من "إدارة مصلحة السجون"، مستذكرا قمع الاحتلال بوحشية للأسرى في سجونه إبان احتجاجهم على تركيب أجهزة تشويش مسرطنة ومنعهم من التواصل مع ذويهم فيما عرف بمعركة الكرامة في أبريل/نيسان الماضي.

استثمار الوقت في الأسر

برنامج يومي وضعه "أبو لبدة" لنفسه في السجن، من قراءة للقرآن وحفظه، ولعب للرياضة، وخدمة الأسرى في مرافق السجن، وإكمال دراسته الأكاديمية رغم تضييقات الاحتلال وعرقلته، حيث استطاع الحصول على شهادة الثانوية العامة، وشهادة دبلوم الخدمة الاجتماعية، وشهادة بكالوريوس تاريخ ، كما حصل على درجة الماجستير في "الدراسات الصهيونية" من جامعة القدس أبوديس، كما يعتزم الآن إكمال مسيرته الأكاديمية.

وأكد أن الحركة الأسيرة استطاعت تحويل أسوار السجون الى مقاعد دراسية، تعزز الوعي الثقافي والعلمي لدي الاسرى خاصة الذين حرموا من الدارسة لأسباب مادية وغيرها قبل الأسر، مشيراً إلى أن الأسير لا يمتلك سلاحا لمواجهة الاحتلال سوى علمه ووعيه.

وحول أوضاع الأسري في سجون الاحتلال، أوضح أنها صعبة للغابة، لافتا إلى أنهم حمّلوه رسالة الوحدة والحرية، والوقوف معهم؛ مشيرًا إلى أن مصلحة السجون الصهيونية تستفردُ بالأسرى، وتنفذ مزيدا من الاعتداءات بحقهم.

وأكمل: "يجب أن يكون تحرير الأسرى، في أعلى سلم أولويات الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية".

وتابع أبو لبدة: "الرسالة الأهم من الأسرى لشعبنا وللقيادة هي استعادة الوحدة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، إلى جانب العمل بكافة السبل من أجل تحريرهم وإنهاء معاناتهم".

وأوضح أن الأسرى ينتظرون بشكل جدي إبرام المقاومة الفلسطينية صفقات مع الاحتلال من أجل حريتهم، قائلا: "على مدار الصراع ومنذ سبعة عقود تبين للجميع أن الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة".

المصدر/ الاستقلال