طفولة مقدسية مقاومة..بقلم: علاء الريماوي

الثلاثاء 13 يوليو 2010

 

في فلسطين يعيش الشعب بكافة مكوناته العمرية جرم الاحتلال وحجم مخططاته ومسارات مستقبله الغامض ، فترى وفق ذلك أشكال المقاومة المختلفة التي تتناسب مع كل فئة بحسب طاقتها وقدرتها وما يناسبها.


في سجن تلموند الصهيوني جمعت الصورة وتشكلت كأنها فلم وثائقي احتضن في روايته التاريخ والمشهد المصور، الذي عبر عن الحالة الوطنية الكفاحية دون تدخل ولا تكلف مونتاج ولا تحريف صور .


عشنا في ذلك السجن نتوسط قسم للنساء و آخر للأطفال نشترك جميعا أمام المحاكم الصهيونية بتهمة مقاومة الاحتلال .

 

فترى من بين النساء مقاتلة حملت السلاح أو خبأت في بيتها مقاتل أو علمت الجيل ثقافة العيش بكرامة تحت سطوة الاغتصاب للحلم ، ليشتركن بذلك مع فعل الرجال بل يزدن عليه من خلال حرب الديموغرافيا والتكاثر والوجود ، الذي يفشل حلم الكيان الغاصب بجعلنا أقلية منهكة متعبة.


في ركن المجتمع الثالث والذي كان يقتسم معنا الحالة ذاتها من النضال ، كان يبدع رغم طفولته نسج مقلاعه وتكوين حجارته التي ينحتها لتتناسب مع صغر كفيه ليعزف بطريقته شكل المقاومة التي يستطيع .


في حياة المعتقل يدهشك حجم الثقافة التي تكتنز في عقلية الطفل عن القضية الفلسطينية ويهزك أكثر القناعة الملائكية الصغيرة المطلقة حول القدرة على الفعل والمواجهة .


أذكر من بين من التقينا شبل لم يتجاوز 15 عاماً ، في أجواء محاكمته يطلب قاضي المحكمة منه الاعتذار للجندي الصهيوني الذي أصابه حجر كي يتم الإفراج عنه .


المحامي وأهل الطفل رجوه فعل ذلك كي ينجو من شهور الاعتقال المتوقعة ، موقف الطفل كان عكس الطفولة المألوفة التي تختبئ ساعة الخوف وتسارع دوما إلى الاعتذار ، ليرد على القاضي هل يعتذر الجندي عن قتله أبناء شعبي ؟


إن فعل ذلك فعلت ، ساعتها شوهد القاضي يبتسم غضبا ويتلون وجهه من شدة ما سمع .


في متابعتي يوم أمس للأوراق الصهيوني التي بث إعلامها بعض اللقطات لمهرجان طفل الأقصى الذي تقيمه الحركة الإسلامية ركزت الصور على طفل لم يتجاوز العام تحمله أمه وعلى عاتقها وشاح أخضر ويلتف على جبينه الأشقر وشاح القدس ويصطف خلفه أكثر من 20 ألف طفل يهتفون ( بروح بالدم نفديك يا أقصى .


الأطفال هؤلاء لم يأتوا من غزة ولا من جبل النار ولا من جنين كما قال مراسل القناة العاشرة الصهيوني بل جاؤوا من أبو غوش الناصرة حيفا يافا عكا من أم الفحم ... أي من المناطق التي حاولت الكيان الصهويني صهر ثقافة ساكنيها وتحوليهم إلى يهود ثقافة وانتماء.


في كلمة الشيخ كمال الخطيب والتي حوت فيها رسالة للشيخ رائد صلاح الممنوع من دخول المسجد الأقصى و الذي ما إن ذكر اسمه حتى وقف الأطفال يكبرون ويهتفون باسم الشيخ الذي بات حاضرا في ثقافة الصغار والكبار من خلال شعاره القدس في خطر ، ليصبح اليوم ثقافة الجيل الذي أريد له الموت مع ثقافة التاريخ والحقوق .


ما شاهدته عبر الشاشة من الجيل القادم أبعد من المظاهرة والتضامن وهذا الذي جعل مذيع القناة يتدخل في مشهد الصور ويقول هذا الحدث هو تعبئة على الكراهية وتحريض على العنف .


المعضلة الصهيونية في عدم الفهم أن المشكلة التي تعتري وجدها ليس في نشاط الحركة الإسلامية أو في جهد الشيخ رائد وإخوانه أو في قوى المقاومة ، بل هي في السلوك الصهيوني الذي لا يرى سوى قدرته على الفتك والقتل والاحتلال والمس بالمقدسات.


هذا السلوك هو الذي يحمل الطفولة الهادئة البريئة على غضب مقاتل يحمي زينة المرح الصغير والأمل بالحياة.


في مهرجان شبل القدس يحرص الطفل على اقتناء حصالة يجمع فيها نصف مصروفه على طول العام ليهديها في هذا اليوم للمسجد الأقصى لترميمه وإعماره وحراسته.


هذه الحصالة في أثرها تفوق كم الصناديق الرسمية المدعاة التي تشرف عليها الدول العربية ولا يجد المقدسي لها أثراً في القدس ولا في حماية المسجد الأقصى.


في مفارقة المشهد يحزنك كم الملايين المبعثرة في الوطن العربي على الشهوات والترف الهابط ويسرك في الأمة شبل مقدسي يسرق من طفولته لذة (الزواكي ) ليضعها في حكاية التحرر وثقافة المقاومة لأكبر مشروع احتلالي عرفه الكون .