باستمرار يتحدّث الجميع عن قداسة القدس أرض المقدسات أولى القبلتين وثالث الحرمين البعض يوهمنا أو يكاد أنه لا ينام ولا يستيقظ, ولا يأكل ولا يشرب, لا يسكن أو يتحرك إلا بالقدس وللقدس.
وفيما يتماهى الجميع بالقدس في حالة عشق ووله على هذا النحو تتماهى القدس بحكم الوقائع الصهيونية المتوالية في "أورشليم" ونحن هنا لا نتحدّث عن موضوع "القدس" ذاته وما يُحيط به من مخاطر وإنما من موقع أن القدس في هذه الحالة كشّاف لا يُخطىء عن الواقع الفلسطيني الذي يُعاني من الإهتراء والتفكُّك والاختلاط في بعض أجزائه وقسماته.
فبعد قرار الحكومة الصهيونية المُتَعّلق بتوسيع حدود بلدية القدس انطلقت عدة نشاطات وفعاليات للتضامن مع القدس ولمواجهة عملية تهويد المدينة وتدمير الوجود العربي داخلها, لكن المُلفت للنظر أن بعض مسيرات التضامن لم يحتشد فيها سوى العشرات وأن هناك هناك إحجاماً على صعيد المُشاركة العامة في قضية بمثل هذه الخطورة والقداسة.
وفي الوقت الذي تشهد فيه العديد من المناسبات الحزبية والجماهيرية والرسمية حشوداً أعظم وأكبر بكثير من أولئك الذين تضامنوا مع "القدس" .. ولا يكتمل المشهد إلا إذا أضفنا له "قسمة" أُخرى تتجلى في بعض المهرجانات والاحتفالات الغنائية التي تشهد هي الأخرى حضوراً أضخم بكثير من ذلك الذي احتشد من أجل "القدس".!! هذا المشهد ربما كان مُحبطاً وداعياً لليأس للوهلة الأولى, لكن القراءة بهذه الحدود لا تعدو أن تكون وقوفاً عند السطح وهي قراءة ضد "الرؤية النهضوية", الأصح أن نحفر القاع لنكتشف "العوامل" ونضع أيدينا على "الجراح".
ونحن فيما يلي نفترض مجموعة من الاحتمالات كعوامل تفسر هذه الظاهرة وتجعلها مفهومة تماماً أو قريباً من ذلك فيما نظن أول احتمال يتداعى به المشهد إلى الأذهان يتجلّى من خلال المُفارقة الهائلة ما بين الاحتشاد الضخم الذي التف حول قضية بالتأكيد هي مهمة لكنها "قزمة"بجانب قضية بخطورة القدس وقداستها وما بين ذلك العدد الذي احتشد في العديد من المسيرات التضامنية مع القدس, هذا الخلل في الموازين, في المعايير .. في الأولويات وفي "جدول الأعمال الوطني والإسلامي" ربما كان هو الوجه الأول للمشهد المأساوي على الساحة الفلسطينية, وربما العربية والإسلامية بشكل عام لو أن عشرات الآلاف احتشدوا في سائر المدن من أجل القدس بالتأكيد أن احتشادهم كان سيُحدث أثراً أعمق بكثير وأعظم على المستوى الوطني والعربي والإسلامي لصالح النهضة والتحرر.
الاحتمال أعلاه يقودنا إلى احتمال آخر كعامل مُفسر للحالة الشخصية هو تغييُب "المشروع الوطني الجامع" والذي يمتلك القدرة على الإشعاع والجذب والتحريك.
حركة الواقع السياسي بتداعياتها فلسطينياً وعربياً ودولياً تكفلت بكشف "أوسلو" وعجزه عن أن يكون مشروعاً وطنياً بل ليس من قبيل المُبالغة الزعم بأن أوسلو ساهم في تفكيك العناصر التي كانت تحتشد في الواقع الفلسطيني أثناء الانتفاضة ليخرج من أحشائها مشروع نهضوي يمتلك الإشعاع والتحريك على المستوى الفلسطيني والعربي والإسلامي مُتجسّداً في حالة جهادية ونضالية عامّة ضد الوجود الصهيوني وباتجاه تطوير امكانات النهوض على الساحة الفلسطينية والعربية والإسلامية.
أصبح الإنسان الفلسطيني العادي يشعر بالعبثية واللاجدوى وربما كانت الأعداد القليلة من مسيرات التضامن تُعَبّر بشكل أو بآخر عن الحساسية العامة تجاه كل شيء يصدر عن جهات رسمية أو يبدو كذلك.
إذن, تغييُب المشروع الوطني الجامع بدد إمكانية ترتيب جد ولأعمال وطني جامع يحتشد من حوله الكل.
إذ أن نزع المُبادرة من يد الجماهير, مُحاصرة إمكانات المُشاركة الحرة لصالح بيع "الإلزام الفوقي" بشكل أو بآخر إضافة إلى إجواء القمع والتسلُّط تلعب دوراً حاسماً في إشاعة السلبية والفردية.
إن ثمة تناقضاً ما بين "الخيار الشعبي" بتوجهاته وأدواته وخيار أوسلو لا يمكن للخيار الشعبي أن تكون قاعدته "أوسلو" كذلك استدعت بعض أدوات أو إمكانات الخيار الأول لبثّ الحياة في جُثة الخَيار الثاني "أوسلو" يبدو أمراً يفتقد للمنطقين, بالإضافة إلى أنه أصبح محروقاً جماهيرياً, لا ستطيع الناس أن يضحوا ويُقدموا ثمناً باهظاً في سياق يختزل هذا العطاء إلى حدود الصفر بل ربما يحوله للسلب.
هناك أيضاً منظومة القيم الأخلاقية والوطنية وهذه المنظومة تعرضت للتفسُخ والتفكيك والإهتراء من خلال العطاء العملي والتطبيقي لاتفاقية "أوسلو".
فالقمع الفلسطيني الفلسطيني من خلال الاعتقالات في سجون السُلطة وغيرها من المظاهر, بالإضافة للفساد الإداري والمالي الذي استشرى إلى حد خيالي ثم هناك جملة التعريفات الجديدة التي أفرزها أوسلو للعديد من الظواهر الفلسطينية والنضالية والجهادية والتي هي في الأساس تعريفات صهيونية (خّذ مثلاً -ونحن نتحدّث عن القدس- وثيقة بيلين - أبو مازن, والتي أبو ديس مع مسرب إلى المسجد الأقصى بأنها القدس الفلسطينية ..!!
كل ذلك كان حتماً سيعمل على تدمير منظومة القيم الأخلاقية والوطنية ليحل مكانها جوّاً من الفوضى والعبث المأساوي ..!!
وفي هذا الصدد, ما معنى نجاح المهرجانات الغنائية في التحشيد أكثر من قضية القدس؟!
العمل التنظيمي والحزبي في الكثير من الاحيان أصبح بحاجة للتغذية بروحية "المشروع النهضوي العام" وليس الاستثمار السياسي والاجتماعي المحدود بآفاق حزبية.
أليس من المشروع أيضاً التساؤل حول سر تعاظم الاحتشاد في المناسبات الحزبية الخاصة عنه في القضايا العامة خاصة إذا كانت بمثل أهمية وخطورة قضية القدس ...!!
حالة العجز التي تعيشها منظمات العمل الأهلي (المدني) سواء القديم منا أو الحديث ومؤسساته هي أيضاً بحاجة إلى وقفة مُراجعة, ما سر محدودية دور المسجد, النقابات, الجامعة, الجمعيات الوطنية المُختلفة ... ألخ؟!
ربما كان بإمكان بعض العوامل المُشار إليها سابقاً أ تتُساعد على التفسير, مثلاً: غياب المشروع الوطني الجامع والمُشع, حالة القمع والتسلُّط تناقض برنامج أوسلو مع "الخيار الشعبي" قد نُضيف أن جدول أعمال بعض هذه المؤسسات والمُنظمات يخضع لتأثيرات أجنبية كذلك بعض هذه المؤسسات يخضع لعملية تهميش ومُحاصرة تحت ذرائع مختلف مثلا المسجد), يبقى القول أن هذه مُحاولة للتشخيص ووضع اليد على الجرح الذي ينز.

