17 عاماً على استشهاد القائدين «ذياب الشويكي» و «عبد الرحيم التلاحمة»

الإعلام الحربي – خاص

مضيتم مرابطين فوق أرض الرباط حين عز الرباط، وخضتم القتال وأعنف القتال حين عز القتال، وحملتم السلاح في زمن عز فيه السلاح، قبضتم على جمرة الدين وجمرة الوطن، وصعدتم والدنيا من حولكم في هبوط وانحطاط، واشتعلتم بالفرح والأمل والدم حين انطفأ الآخرون، وأنتم ذاهبون إلى الشهادة فداء للأمة والوطن فيما قادة الأمة ماضون في غيهم، فكان موعدكم مع التاريخ، وكانت الأمة على موعد مع ثورتكم الباسلة، التي ولدت عملاقة، وشمخت بسواعدكم، فكانت الخليل على أبواب الوطن هي الملتقى، وهناك طاب اللقاء ذياب وعبد الرحيم، التقيتم محدقين ومحدقين في وجوه أبناء القردة والخنازير، ومطلقين رصاصكم ومحطمين بشجاعتكم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، ومفجرين بجماجمكم أسطورة شعب الله المختار.

يصادف اليوم الجمعة الموافق 25 - 9 الذكرى السنوية السابعة عشر لرحيل الشهيدين القائدين "ذياب عبد الرحيم الشويكي" و "عبد الرحيم عبد العزيز التلاحمة"، من قادة سرايا القدس في الخليل بالضفة الغربية المحتلة، واللذين ارتقيا للعلا في عملية اغتيال صهيونية بمدينة الخليل.

"ذياب الشويكي" في سطور

في الثالث من مارس لعام 1977م كان ميلاد الشهيد القائد ذياب عبد الرحيم الشويكي (أبو يوسف)، حيث ولد في مدينة الخليل لعائلة كريمة، وتربى الشهيد تربية حسنة في رحاب المساجد، حيث غمر الإيمان قلبه، وتغلغل القرآن في صدره، فكان الشهيد يحفظ 25 جزءاً من القرآن الكريم.

تلقى شهيدنا القائد ذياب تعليمه في المدرسة الشرعية للبنين، ثم أنهى فيها دراسته الثانوية والتحق بجامعة الخليل التي درس فيها لمدة عام ونصف في قسم الشريعة الإسلامية، لكنه لم يكمل تعليمه فيها بسبب مطاردته من قبل قوات الاحتلال الصهيوني.

توفي والد الشهيد القائد ذياب الشويكي وهو في الرابعة عشرة من عمره، وبذلك كانت الظروف المعيشية التي عاشها الشهيد قاسية حيث عاش طفولته مكافحاً من أجل تحصيل رزقه ورزق عائلته لكي يستطيع تغطية مصاريف دراسته بسبب عدم وجود أي معيل للعائلة غيره.

للشهيد القائد ذياب 13 شقيقاً، وقـد تـزوج مـن اثنتـين، رزق مـن إحداهـن طفلـه الوحيـد يوسـف تيمناً بصديقه ورفيق دربه الشـهيد القائد يوسـف بشارات أحد قادة سرايا القدس في بلـــدة طمـــون، كـما أن شـقيقه الشيخ المجاهد عزام مـن قيـادات الحركة في منطقة الخليل وأحد مبعدي مرج الزهور، وأشقاؤه أسامة وعمار تعرضوا لاعتقالات متكررة في سجون الاحتلال الصهيوني.

كان الشهيد هادئ الطباع وخجولاً، دائم الاطمئنان والإيمان بالله وواثق دوما بنصره، وكان الشهيد شديد الفطنة والذكاء، وأحب الخير لكل الناس ولم يتوانى عن فعل الخيرات في لحظة من لحظات حياته، كان رجل إصلاح ويهتم بهموم من حوله.

سجل الشرف الجهادي

استجاب الشهيد القائد ذياب لصرخات الشهداء ورؤاهم، واختار الجهاد والمقاومة، خياراً مقدساً وملاذاً للقضية والشعب والأمة، من مناخ البؤس والإحباط الذي حاول البعض تسويقه طيلة عقود مضت، والمنارة التي استهدى بها عندما داهمته الأخطار، وانتشر الضباب الذي يحجب الرؤى، فمضى الشهيد حالماً وواثقاً بنصر الله متمنيا إحدى الحسنيين، وفي الوقت الذي لم نرى فيه إلا السقوط المدوي، والتعري الواضح، وفي الوقت الذي أصبحت كل أشكال وأصناف الوطنية والإسلامية "تَطرُّف" و" إرهاب"، وفي الزمن الذي انقلبت فيه المفاهيم بحيث أصبح الظالم مظلوماً، والإرهابي الحقيقي داعية للسلام وحقوق الإنسان.

الشهيد ذياب من قادة سرايا القدس في مدينة الخليل، ربطته علاقة طيبة بقادة السرايا في الضفة منهم: الشهيد القائد محمد سدر، والشهيد القائد عبد الرحيم التلاحمة.

شارك شهيدنا القائد ذياب مع رفاقه الشهداء محمد سدر وعبد الرحيم التلاحمة في تحمل مسئولية سرايا القدس في الخليل، وأشرفوا سوياً في التخطيط للعديد من العمليات النوعية التي هزت أمن الكيان الصهيوني منهــا: عملية التلة الفرنسية التي نفذها الاستشهادي حاتم الشويكي بتاريخ 4-11-2001م، والتي أدت إلى مقتل صهيونيين وإصابة العشرات من الصهاينة.

يسجل لشهيدنا القائد الشويكي مشاركته في التخطيط لعملية مغتصبة عتنائيل المقامة على أراضي فلسطين المحتلة جنوب الخليل التي نفذها الاستشهاديان أحمد الفقيه ومحمد شاهين من سرايا القدس بتاريخ 27-12-2002م، وأدت العملية لمقتل 5 مستوطنين وجرح عدد آخر، كما خطط شهيدنا لعملية «بيت شيميش» بتاريخ 20-3-2002م، التي نفذها الاستشهاديان: علي أبو بسمة، ونبيل النتشة.

حمل الشهيد القائد ذياب الشويكي لواء العزة والكرامة لواء حركة الجهاد الإسلامي، وعمل في صفوفها، وخطط للعديد من العمليات الفدائية التي ضربت العدو الصهيوني في عمقه، حتى أصبح على رأس قائمة المطلوبين للاحتلال.

تعرض الشهيد الشويكي للاعتقال عدة مرات، حيث تم اعتقاله مرتين من قبل القوات الصهيونية، وقضى 14 شهراً في السجن في المرة الأولى، فيما قضى في المرة الثانية 8 أشهر، كما اعتقل لدى السلطة الفلسطينية، وأمضى في المرة الأولى عاماً ونصف وفي المرة الثانية ستة شهور في حملة الاعتقالات السياسية التي اعتمدتها السلطة الفلسطينية ضد المجاهدين من أبناء الشعب الفلسطيني.

كان الشهيد ذياب الشويكي يخرج في كل مرة من سجنه وكله إصرار على مواصلة الطريق حتى دحر الاحتلال، كما تعرض لعدة محاولات اغتيال نجا بفضل الله.

مدة طويلة قضاها الشهيد في صفوف المقومة مطاردا في الجبال، ولم يسلم فيها أهل بيته من الإجراءات القمعية التعسفية الصهيونية، فقد تم هدم منزل والده بالكامل، وحتى أهل زوجته لم يسلموا من القمع وهدم وحرق منزلهم عدة مرات بحجة اختباء الشهيد القائد ذياب فيه.

"عبد الرحيم التلاحمة" في سطور

في قرية دورا إلى الجنوب الغربي لمدينة خليل الرحمن، وفي خربة البرج أحد عدد من الخرب في دورا كان مولد الشهيد القائد عبد الرحيم التلاحمة (أبو القسام) في الواحد والعشرون من يونيو للعام 1973م، حيث نشأ الشهيد في عائلة عرفت بالشهامة والبطولة النادرة، ولا يصدها عن استرداد حقها إلا الموت.

درس الشهيد القائد عبد الرحيم التلاحمة حتى الصف السادس الابتدائي، ثم آثر ترك الدراسة ليتوجه للعمل منذ صغره، من اجل تحصيل لقمة عيش عائلته في ظروف صعبة فرضها الاحتلال على قرى المدينة.

تميز الشهيد بشجاعته وحبه للتنقل في الجبال وبين التلال منذ صغره حيث الهواء الطلق والطبيعة الريفية الخلابة، كما اعتاد منذ أن كان طفلا على صيد الأفاعي ( الكوبرى ) و اصطياد الغزلان وحيوانات الغرير كما احتفظ الشهيد ببعض أفاعي" الكوبرى" في منزله بعد أن قام بتحنيطها. متزوج وله من الأبناء اثنين القسام والبتول.

تميز الشهيد بالرجولة النادرة، والشجاعة والجرأة منذ صغره، وكان لا يسكت عن الحق مهما كلفه ذلك من ثمن، وكان مرتبطا بشكل كبير بالمساجد منذ نعومة أظافره، وعرف بولعه الشديد بمشاركة أبناء شعبه في فعاليات الانتفاضة بكل أشكالها منذ صغره، كما آمن بوحدة الصف وطبقها عمليا، ولم يفرق طيلة أيام حياته بين ابن حماس و ابن الجهاد الإسلامي و لا ابن فتح ما دام عدوهم واحد.

منذ اشتعال فتيل انتفاضة الأقصى المباركة كان للشهيد التلاحمة شرف المشاركة في العديد من فعالياتها التي لطالما أذهلت العدو وحرمته الأمن والأمان، كما تأثر الشهيد تأثرا شديدا بالدكتور القائد المرشد رمضان شلح والشهيد الشيخ أحمد ياسين، وذلك ما كان يدفعه إلى الاستمرار والاندفاع نحو الجهاد والمقاومة.

وعندما اشتدت ضربات سرايا القدس الجناح العسكري لحركة لجهاد الإسلامي في الخليل، وبعد مقتل 13 جندياً ومستوطناً صهيونياً من بينهم قائد المنطقة الجنوبية ( درور فايبنرغ ) واقتحام مستوطنة عتنائيل جنوب الخليل ومقتل خمسة صهاينة فيها، كثفت قوات الاحتلال من نشاطاتها بل وسخرت إمكانياتها من اجل اعتقاله أو اغتياله، ولكنه كان ينجو بفضل من الله من المحاولات العديدة التي حاولت من خلالها التمكن والنيل منه، وقد أطلقت عليه مخابرات العدو لقب (رامبو الخليل) وكثفت من نشاطاتها لاعتقاله.

ومن المحاولات التي قامت بها استخبارات العدو لاغتياله كانت أحدها في عمارة القواسمة التي استشهد فيها الشهيدين القساميين أحمد بدر وعز الدين مسك، حيث غادر العمارة قبل مجيء جنود الاحتلال إليها، وأخرى كانت عملية انفجار سيارة مفخخة في حي واد الهرية حيث فخخت السيارة ليستقلها عبد الرحيم، إلا أنها انفجرت قبل أن يصلها، ونجا بفضل الله. كما أن هناك محاولة أخرى تمت عندما كان الشهيد برفقة محمد سدر وتعرض فيها الاثنان لمحاولة اغتيال إلا أن الله انجاهما، كما تعرض الشهيد لمحاولة اغتيال أخرى عندما كان برفقة الشهيد ماجد أبو دوش عندما حاصرتهم قوة صهيونية تمكن خلالها التلاحمة من الانسحاب، بينما ارتقى رفيق دربه أبو دوش شهيدا.

وأمضى الشهيد فترة طويلة مطارداً بين الجبال، وتقول زوجته أنه روى لها رؤية كان قد رآها وهو قائماً في ليلة القدر في شهر رمضان، وكان مضمون هذه الرؤية أنه شاهد نورا ينبثق من السماء ويغطي المنطقة التي كان يتعبد فيها واعتقد حينها أنها ليلة القدر وقد وجه وجهه للسماء ودعا الله بقلب سليم أن يرزقه الشهادة وتضيف أنه أخبرها بهذا الحدث وقال لها أنه سوف يستشهد في أي لحظة، وما عليها إلا أن تصبر وتحتسبه شهيدا، وذلك ما جعلها تستقبل نبأ استشهاده صابرة وشاكرة لربها أن نال زوجها أمنيته بالشهادة في سبيله.

موعد مع الشهادة

في يوم الخامس والعشرين من سبتمبر للعام 2003م وأثناء تحصن الشهيدان في أحد الجبال حاصرتهم قوة عسكرية كبيرة من جنود الاحتلال مدعومة بالدبابات والتعزيزات العسكرية، وبغطاء مروحي من الطائرات، متخذة من شقيق الشهيد ذياب درعاً بشرياً لكي يصل إلى ذياب ويوصل رسالة الأعداء له التي طالبوه عبرها للاستسلام، فرفض وقاوم حتى آخر نبضة في قلبه، ولم ترعبه الطائرات ولا مكبرات الصوت التي نادته بالاستسلام، وجرى اشتباك مسلح بين الشهيدين وجنود الاحتلال.

وبعد ساعات من إطلاق النار المتبادل، قامت الطائرات بقصف المكان بالصواريخ فاستشهد على الفور القائد ذياب ورفيقه عبد الرحيم التلاحمة وأصيب عمار الشويكي إصابة خطيرة نقل على أثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج، ليرتقي ذياب ورفيقه شهداء يوزعوا دمهم الطاهر على جداول فلسطين، وليستلم الراية منهم فرسان الغد الجديد الواعد بالنصر المحتوم القادم من عيونهم ومن أفواه بنادقهم، فهنيئا لكم أيها الأبطال، وسلام عليكم في الخالدين، وسلام على رفاقكم المجاهدين، في الخليل وحرمها، وفي جنين ومخيمها، وفي غزة وبحرها، ونابلس وقلعتها، وبيت لحم وكنيستها.

العدو يسلم جثمانهما الطاهر

وكانت قوات الاحتلال قد سلمت جثماني الشهيدين القائدين ذياب الشويكي وعبد الرحيم التلاحمة بتاريخ 31-5-2012م، بعد أن احتجزت جثمانهما الطاهر لمدة 9 أعوام بعد أن استشهدا في عملية اغتيال صهيونية بتاريخ 25-9-2003م في الخليل.

disqus comments here