«يعقوب زيدية»: مجاهدٌ عشق طريق الجهاد حتى نال الشهادة (صور)

يعقوب زيدية ومعتز المبيض

الإعلام الحربي _ خاص

نقف اليوم على سيرة شهيدٍ مضى نحو العلا، وشمعة من شموع السرايا، من الذين يمرون في حياتنا كمرور النسمة، يرحلون عنا بأجسادهم ولكن أرواحهم وسيرتهم العطرة تبقى عالقة في الأذهان والقلوب ويصعب علينا نسيانهم.

ميلاد مجاهد

مع إشراقة شمس يوم العاشر من مارس عام 1995م, كانت فلسطين على موعد مع ولادة قمر من أقمارها, وعاشق من عشاقها, فقد ولد الشهيد المجاهد يعقوب منذر يعقوب زيدية, في حي التفاح شرق مدينة غزة, لأسرة مجاهدة ومقاومة, كان الأول بين أخوته السبعة (4 ذكور, و3 إناث).

وكغيره من أبناء مدينة غزة, كبر وتربى على حب الوطن, والأخلاق الفضيلة, حيث درس شهيدنا المجاهد يعقوب الابتدائية في مدرسة الهاشمية للاجئين بحي التفاح, والإعدادية في مدرسة الشجاعية الاعدادية للاجئين, أما المرحلة الثانوية فقد درسها في مدرسة شهداء الشجاعية لينتقل بعدها لدراسة بكالوريوس المهن الطبية تخصص أشعة في جامعة الأزهر بغزة, ويعمل بتخصصه في أحد المراكز التخصصية للأشعة.

خادم القرآن الكريم

نشأ الشهيد يعقوب زيدية على طاعة الله وعبادته, فأرسى والده في قلبه دعائم الإيمان, وأرضعته أمه مع الحليب التقوى وحب الله ورسوله, فدوام على ارتياد مسجد الدار قطني شرق المدينة, ثم إلى مسجد السيد علي, ثم انتقلت العائلة للسكن قرب مسجد الشهيد معمر المبيض, الذي أتم فيه حفظ القرآن الكريم  ثم أصبح خادماً ومحفّظاً للقرآن الكريم.

صاحب سيرة عطرة

تميز الشهيد المجاهد يعقوب زيدية رحمه الله بعلاقة وطيدة مع أهله وأصدقائه, فكان نعم الأخ ونعم الصديق, يحب خدمة الناس والأصدقاء, على محياه ابتسامة لا تفارقه, وسيرته العطرة تسبقه في حله وترحاله.

لم يكن قمرنا يعقوب يعرف الأنانية, دائما ما يسبق نفسه لخدمة الآخرين, ويحب فعل ذلك ويقدمه على خدمة نفسه, كان قليل التذمر عند نخوته بشيء ما, يحاول اسعاد غيره بكل ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

تميز شهيدنا بسرعة الاستجابة لحاجة اخوانه وأصدقائه, فكان لديه اندفاعية كبيرة نحو خدمتهم وهذا ما أكد عليه الكثير من أصدقائه وجيرانه الذين تعاملوا معه عن قرب, كان شغوفاً بهم محترماً لرغابتهم محاولاً خدمتهم بأي طريقة كانت.

كما تميز بشخصيته العنيدة والجادة في أوقات العمل الجدي, وشخصيته المرحة الضحوكة عند الحاجة, مبادراً للعمل, سباقاً لتفقد إخوانه, يشاركهم أفراحهم وأحزانهم لا يبخل عليهم في وقته أو ماله أبداً.

نحو الدنيا والآخرة

لم يُبدِ والده تخوفاً من استشهاده, لكونه يعلم مسبقاً أن نجله يعقوب قد شق طريقه نحو الجنة شهيداً بإذن الله, وكان طمئناً عليه, إذ أنه يسير في خطين متوازيين نحو الدنيا والآخرة بحدٍ سواء, فقبل استشهاده بأيام تقدم لخطبة فتاة, وكان ينتظر ردهم الأخير إلا أن قدر الله كان أسرع, ففي يوم شهادته استيقظ يعقوب مبكراً, هذب شعره وجهز أموره لاستقبال الخبر السار بالموافقة على زواجه, وهيأ شقته ونظفها وبدأ يرسم ملامح منزل الزوجية, وهو لا يدري أن منزله في الجنة يتجهز لاستقباله أيما استقبال.

ارهاصات الشهادة.

كان شهيدنا يعطي حيزاً كبيراً من وقته للعمل, حيث يعمل في أحد الأماكن التابعة للعمل المقاوم صباحاً, ويعمل في مركز تشخيص للأشعة في الفترة المسائية, ثم يعود للعمل المقاوم ليلاً مرابطاً في سبيل الله أو متفقداً لمرابض الصواريخ والعتاد العسكري أثناء الليل, لكنه في الأسابيع الأخيرة من حياته كان دوامه العملي قد اختلف قليلاً, ليمكث في بيته فترة أطول, وكأنه يودعهم ويستعد لفراقهم الأبدي.

توقع والداه أن ابنهما قد يستشهد في أي وقت, وأسرعا لتزويجه من أجل أن يفرحا به قبل الفراق, لكن والده قال لموقع السرايا أنه كان كأي أب يريد أن يزف نجله لعروسه ويريد أن يفرح بابنه وخاصة أنه الابن البكر له, لكن احساساً غريباً كان يتسلل لقلب الوالد أن شقة نجله يعقوب ستبقى غير مسكونة – أي أنه يتوقع استشهاده قبل إتمام الزواج- وهذا ما حصل فعلاً.

بعد استشهاده حصلت العائلة على مجموعة من الصور ومقاطع الفيديو التي كان يقرأ فيها الشهيد يعقوب آيات من القرآن الكريم تتحدث عن الجهاد في سبيل الله وعن عظيم أجر الشهداء ومكانتهم عند الله تعالى, وكأنه يريد أن يبرّد قلبهم ويطمئنهم على نفسه أنه في مكان أفضل ومنزلة أفضل بإذن الله.

ويروي شقيقه أن رأى يعقوب قبل استشهاده بساعات قليلة يجلس أمام بيته وهو شارد الذهن, كأنه كان يرى تلك المكانة العُليا التي ينتظرها, ويودع منزله الذي تربى به واخوانه وأخواته الذين أحبهم وأحبوه.

طفولة جهادية وحياة مقاوِمة

لم تكن طفولة يعقوب عادية, بل إنها كانت مفعمة بالإخلاص لفلسطين, والإعداد النفسي الجيد لأن يكون يعقوب قمراً يزين سماء فلسطين ذات ليلة, فقد أحب الشهيد يعقوب زيدية العمل العسكري المقاوم منذ طفولته, فيروي والده أنه كان يصعد إلى سطح منزلهم خلسة, ويراقب عناصر المقاومة وهم يتدربون في موقع قريب من منزلهم على بعض الحركات العسكرية والتدريبات القتالية وغيره, وبالتالي يعمل على تقليدها ومجاراتها في المنزل, متخيلاً نفسه مجاهداً في سبيل الله ويحمل السلاح دفاعاً عن فلسطين وقضيتها.

ظل شهيدنا يعقوب يحلم بذلك حتى أنه أخبره والده عدة مرات, أنه كان يرى في منامه رؤى تبشره بذلك, فتلك مرة رأى فيها يعقوب نفسه في رؤية, أنه يقتحم موقعاً عسكرياً صهيونياً ويقتل جندياً ويستولي على سلاحه ثم يخوض اشتباكاً أخراً ليقتل سبعة جنود آخرين, كان يعقوب يستيقظ فرحاً يحدث عائلته بما رأى في منامه وبما صنع في أعدائه.

 وتلبية لرغبته وحبه في الجهاد والمقاومة, ألحقه والده في "جيش القدس" التابع لحركة الجهاد الإسلامي, وكان حينها في سن الـ12 من عمره, كان شهيدنا يسرع الخطى معهم لتلبية النداء, ولشدة حبه في العمل المقاوم طلب يعقوب – رحمه الله- من والده أن يخرج بشكل يومي مع "جيش القدس" حيث كانوا يساعدون المرابطين ويقدمون لهم ما يحتاجون, وفي الوقت الذي لم تتوفر له فرصة للخروج مع "جيش القدس" كان يطلب من والدته إعداد بعض الساندويتشات الخفيفة والبسكويت ويذهب لإعطائها للمرابطين والمقاومين على الثغور أو في نقاط الرباط.

ورغم توجهه الفكري للمقاومة والجهاد والعمل العسكري, إلا أنه لم يستهن بدراسته المدرسية وظل مواظباً عليها, متفوقاً فيها ومهتماً في تحصيله المدرسي, حتى أنهى دراسته الثانوية والجامعية وعمل بتخصصه الجامعي.

انتمي شهيدنا المجاهد يعقوب زيدية لصفوف سرايا القدس خلال انتفاضة الأقصى وتلقى العديد من الدورات العسكرية كان من أبرزها دورة مقاتل 1ومقاتل 2 بالإضافة إلى دورة توجيه الصواريخ وتربضيها والعديد من الدورات التثقيفية والأمنية والتي جعلت منه مجاهداً كتوماً.

شارك شهيدنا في تنفيذ العديد من المهام الجهادية برفقة إخوانه في الوحدة الصاروخية, حيث شارك في قصف مدينة تل أبيب المحتلة خلال معركة البنيان المرصوص ومعركة صيحة الفجر, وكان له دور بارز في معركة بأس الصادقين من خلال استهداف مغتصبات غلاف غزة بالصواريخ والقذائف.

موعد مع الشهادة

في مساء يوم الاثنين الموافق 24/8/2020م قال المجاهد يعقوب زيدية لأهله "بدي أغيب ساعة زمن وراجع" وانطلق شهيدنا مع رفاقه لتفقد أحد مرابض الصواريخ, وما هي إلا دقائق معدودة فدوى صوت انفجار قوي في المنطقة, على الفور صرخت والدته "ابني يعقوب" فرد عليها والده "اه ابنك يعقوب" وكأنهما كان يشعران أن هذه الانفجار استهدف ابنها, وعلى الفور انطلق الوالد نحو مكان الانفجار القريب من منزلهم ليجد أحد الشهداء مدرج بدمه, وليجد بعض أشلاء ابنه بعد أن أفرغ الله على قلبه صبراً وأيماناً بالقدر, وفي صبيحة اليوم التالي جمعوا ما تبقى من اشلائه المتناثرة في أرجاء الحي الذي تربى فيه وأحبه وشهد فيه معظم أيامه وأوقاته.

ليلتحق المجاهد يعقوب زيدية إلى جوار ربه شهيداً بإذن الله تعالى في ميدان الشرف والعزة والكبرياء أثناء الإعداد والتجهيز، وارتقى برفقته الشهداء إياد الجدي ومعتز المبيض ويحيى المبيض بعد مشوار جهادي مشرف، وبعد عمل دؤوب وجهاد وتضحية، نحسبهم شهداء ولا نزكي على الله أحداً.

غاب يعقوب, لكنه لم يغب ساعة فقط كما قال, غاب ولم يرجع كما أراد, إنما غاب بشكل أبدي, متزيناً بدمائه, ذهب يعقوب بعيداً ليرزقه الله بزوجات من الجنة وبمنزل من الجنة بدلاً عن ما أراد في الدنيا, ولتبقى فلسطين شاهدة على قصته المشرفة من الميلاد إلى الشهادة.

disqus comments here