الشهيد «يحيى المبيض»: صاحب الابتسامة الصادقة والإرادة القوية (صور)

IMG_0729

الإعلام الحربي _ خاص

رحمك الله يا يحيى المبيض يا من بشهادتك ضربت لنا مثلاً رائعاً في الجهاد والاستشهاد وكنت بحق أحد رجالات سرايا القدس المخلصين الذين رووا بدمائهم الزكية أرض الوطن.

"يحيى" رجل وفي أوطاننا قل الرجال، ترك الحياة ولهوها واختار طريق الجهاد والمقاومة، وهو الذي رسم الطريق لمن يصر على القتال، لم يحنِ – كالمستلمين- الرأس في ساح النزال، ومضى قريرَ العين مرضياً ومرفوع الجبين، ودم الشهادة فاح منه كما يفوح الياسمين، ومنازل الشهداء في جنات رب العالمين، مشتاقة لتضمه بين العباد الصالحين والخزي للمستسلمين وللطغاة المجرمين.

ميلاد مجاهد

لم يكن صباح يوم الاثنين الموافق السابع عشر من مارس لعام 1997م يوماً عادياً في عائلة المبيض, فقد وُلد الشهيد المجاهد يحيى فريد خليل المبيض ليكون أول الأبناء الخمسة (3 ذكور, 2 إناث), ولينشأ في طاعة الله وسط أسرة ملتزمة, محبة لله والوطن, وتقدم من أجلهم كل غالٍ ونفسي.

عاش الشهيد يحيى طفولة غير عادية, كبر وترعرع وهو يرى بعينه اعتداءات الاحتلال على أبناء شعبنا, فحمل في قلبه حباً للوطن, وإصراراً على مقاومة محتله, ظل حاملاً منذ نعومة أظافره لإرث عائلته الكبير المتمثل بعشق تراب فلسطين, والنضال لأجلها, كيف لا وهو يحمل اسم الشهيد القائد المهندس يحيى عياش, الذي سبقه على نفس الدرب والنهج النضالي, فقد أسماه والداه بيحيى تيمناً بالشهيد عياش.

مشواره التعليمي

درس شهيدنا المجاهد يحيى المبيض مرحلته الابتدائية في مدرسة الشجاعية, والإعدادية في مدرسة معاذ بن جبل, ثم الثانوية في مدرسة الأوقاف الشرعية, وكان متفوقاً جداً في دراسته, وبعدها انتقل للدراسة الجامعية في جامعة الإسراء بغزة ودرس تخصص القانون.

بدأ الشهيد المبيض رحمه الله حياته العملية مذ كان في سن الـ15 من عمره, تحمل فيها مسئولية كبيرة, فساعد أسرته في مصاريفها, وعمل في مجالات عدة لجلب الرزق, ومنها  العمل في ورش البناء, والدهانات وغيرها من الأعمال.

فاكهة العائلة

تميز الشهيد المجاهد يحيى المبيض بعلاقات طيبة ومميزة مع جميع من عرفه, فكان اجتماعياً من الدرجة الأولى وينسج العلاقات مع الآخرين بشكل سريع, كما تمييّز بشخصيته الهادئة والرزينة والجادة في كثير من الأحيان في المجالات العملية, لذا كان لقبه بين أصدقائه "الدينامو" لكثرة عمله وجِدِّه, أما في باقي أوقات حياته فكان يغلب عليه المرح والمزاح والابتسامة لا تفارق محياه أبداً.

كان حنوناً على أخواته كثيراً كما تصفه والدته خلال حديثها لموقع السرايا يحبهن بشغف, ويحبوه كثيراً, لا يبخل عليهم بشيء, وكان يعطي لأخواته مصروفهن يومياً, وكان أشد حنيةً على والدته لا يفارقها إلا وهي راضية, ويحزن جداً إذا أصابها أي مكروه أو حزن, وكان كثير الاتصال بعماته وأقاربه ليطمئن عليهم, لذلك كان يعتبر "فاكهة العائلة".

فاعل الخير

أما عن مكارم أخلاقه, وحُسن صفاته فهي كثيرة, إذ تطوّع شهيدنا – رحمه الله – في جمعية خيرية تقوم على توزيع المساعدات والوجبات الغذائية للأسر المتعففة, وكان يعمل فيها بإخلاص جداً وخاصة في الأوقات الصعبة كوقت الأزمات والتي كان منها كورونا في شهر مارس, إذ عمل في هذا المجال بشكل متواصل, وكذلك في شهر رمضان المبارك.

ودأب شهيدنا على مساعدة أهله في الأعمال المنزلية, فلم يمنعه عمله الجهادي أو دراسته الجامعية أو انشغالاته الأخرى من مساعدة أمه في إعداد الطعام أو الخبز أو غيره, أو مساعدة أخواته الصغيرات في أعمالهن اليومية, كان مطيعاً لوالديه, ذكي جداً.

وعن أخلاقه مع أصدقائه فكان لهم بمثابة الأخ والصديق الوفي, يحبهم جدا, ويعمل على خدمتهم, يسارع إلى مساعدتهم والوقوف إلى جانبهم في مختلف المحطات من أحزان أو أفراح.

يحيى العصامي

اعتاد الشهيد يحيى المبيض منذ صغره على الكد والعمل ومساعدة والده في أعباء الحياة, فكان لورشات البناء والأعمال الأخرى التي عملها من الصغر الدور الأبرز في جعله معتمداً على نفسه, رافضاً الاتكال على أحد سوى الله, حتى في دراسته الجامعية كان يصر على دفع تكاليفها بنفسه وألا يرهق والده بهذه المصروفات.

كان يشغله العمل أحياناً عن حضور المحاضرات الجامعية, وأحياناً يكون ضيق الحال هو سبب تغيّب الشهيد يحيى عنها, لكنه في جميع الأحوال يدرك أهمية هذه المحاضرات الأمر الذي يجعله يجتهد أكثر في الدراسة المنزلية وتحصيل أفضل الدرجات الممكنة.

أنهى شهيدنا المجاهد يحيى دراسة القانون من جامعة الإسراء بغزة, وكان يستعد لاستخراج شهادته الجامعية قبيل استشهاده لينهي التدريب العملي وليصبح محامياً كما أراده والداه.

طريق الجهاد والمقاومة

كان شهيدنا المجاهد يحيى المبيض ملتزماً في مسجد الشهيد معمر المبيض، والذي كان السبب في انضمامه لصفوف حركة الجهاد الإسلامي, حيث برز في صفوف الحركة وداخل أروقة المسجد، ومن ثم التحق بوحدة التعبئة ومن ثم انضم لصفوف سرايا القدس وكان يسخر جل وقته للعمل العسكري الأمر الذي أهله بجانب سريته ليكون أحد فرسان الوحدة الصاروخية.

شارك شهيدنا يحيى برفقة إخوانه المجاهدين في دك مغتصبات العدو الصهيوني بالصواريخ والقذائف خلال المعارك التي خاضتها سرايا القدس ومنها معركة صيحة الفجر ومعركة بأس الصادقين.. وغيرها من المعارك.

موعد مع الشهادة

مع غروب شمس يوم الاثنين الموافق 24/8/2020م عاد يحيى – رحمه الله- إلى المنزل بعد يوم طويل قضاه في العملي بمجال تمديد شبكات الكهرباء المنزلية, لم يمض يحيى وقتا طويلاً في المنزل, وقال لأهله أنه سيخرج لقضاء أمراً معيناً ثم سيعود, خرج يحيى مع رفاق دربه لتفقد أحد مرابض الصواريخ, وما هي إلا دقائق معدودة فدوى صوت انفجار قوي في المنطقة.

فزعت والدته من صوت الانفجار القوي, وكأن قلبها يخبرها أن هذا الصوت سيفقدها فلذة كبدها, هرعت العائلة لتفقد الأمر فوجدوا يحيى شهيداً تناثرت أشلاؤه, وقد تعرفوا عليه بعد وقتٍ في المستشفى.

ليلتحق المجاهد يحيى المبيض إلى جوار ربه شهيداً بإذن الله تعالى في ميدان الشرف والعزة والكبرياء أثناء الإعداد والتجهيز، وارتقى برفقته الشهداء إياد الجدي ومعتز المبيض ويعقوب زيدية بعد مشوار جهادي مشرف، وبعد عمل دؤوب وجهاد وتضحية، نحسبهم شهداء ولا نزكي على الله أحداً.

رحل يحيى سريعاً, دون وداع, وكأنه كان يسرع الخطى نحو الجنة, يتسابق مع رفاق دربه في مضمار الشهادة وصولاً للفوز بإحدى الحُسنيين, ففاز بالشهادة في سبيل الله كما كان يتمنى, ترجّل يحيى عن صهوة جواده على درب ذات الشوكة آملاً أن يصنع من دمه وقوداً للتحرير وزيتاً يُسرج في قناديل المسجد الأقصى, إلى رحمة الله ورضوانه يا يحيى.

disqus comments here