القائد الميداني إياد الجدي.. نموذجٌ للعطاء والجهاد (صور)

إياد الجدي (1)

الإعلام الحربي _ خاص

ظل الشهيد إياد الجدي متمسك بإرث أحبته الشهداء حتى الرمق الأخير, سار على دربهم واهتدى بطريقهم وحمل بندقيتهم حتى لحق بهم شامخاً ممتشقاً مؤمناً بحقه في الدفاع عن أرض فلسطين.

تعجز تلك الكلمات أن تصف هذا الرجل الصنديد، الذي لم يتوان للحظة عن الجهاد في سبيل الله ومقارعة الاحتلال للدفاع عن أبناء شعبه، إنه الشهيد القائد الميداني إياد الجدي "أبو هادي".

ميلاد قائد

ففي صباح يوم الثامن عشر من يونيو عام 1978م, أشرقت شمس ميلاد قمرنا الشهيد القائد الميداني إياد جمال الجدي, وُلد إياد وولدت معه السعادة والفرحة, وكذا وُلد فصلٌ جديدٌ من فصول الحكاية المشرفة, حكاية المقاومة والتحرير.

وُلد شهيدنا المجاهد إياد لأسرة بسيطة متدينة ومقاومة, كان الرابع بين اخوانه الثلاثة عشر (8 ذكور, 5 إناث), ونشأ على حب الله والوطن, فرباه والداه تربية حسنة, ترعرع في باحات المساجد ومجالس الذكر والعبادة, حتى شبّ في طاعة الله, مجاهداً متعلقاً قلبه بالدين والوطن, كيف لا يكون كذلك وهو ابن حي الشجاعية, حي المقاومة والشجاعة والشهداء.

ومع بداية حياته, درس شهيدنا المجاهد إياد الجدي مرحلة الابتدائية في مدرسة الهاشمية بالحي, والمرحلة الاعدادية في مدرسة الشجاعية, ونتيجة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها عائلته ترك شهيدنا الدراسة متجهاً لسوق العمل, وليعمل في مهنة القصارة والبناء.

تزوج الشهيد القائد الميداني إياد عام 1999م بزوجة صالحة صابرة, ورزقه الله منها بستة أبناء (4 أولاد وبنتين) أكبرهم "هادي 20 عام" وأصغرهم "بلال, عام وشهرين" وقد زوّج إحدى بناته قبل فترة من استشهاده.

شخصية معطاءة

تميّز الشهيد المجاهد إياد الجدي رحمه الله بطيب علاقاته الاجتماعية مع القريبين والبعيدين, فجمعته علاقة حميمة مع الأهل والأصدقاء, أحب إخوانه وأخواته بشكل كبير, وزادت هذه العلاقة والمحبة بعدما ودّع شهيدنا إياد شقيقه نضال شهيداً عام 2010م.

أما عن تعامله مع أصدقائه فكان الأمر شبيها بتعامله مع إخوانه, فكان نعم الأخ والصديق لهم يقضي معهم معظم أوقات فراغه, يتابع معهم مباريات كرة القدم التي كان يحب مشاهدتها, يساعدهم في أعمالهم ومستلزماتهم, جمعته بهم علاقة فريدة, نابعة من حبه وإخلاصه لهم في كل الظروف والأوقات.

وأكثر مما عرف عن الشهيد إياد الجدي أنه رقيق القلب, طيب النَّفس, متواضع, كان يحب الأطفال جداً, رحيم بهم, يلاعبهم ويداعبهم ويكثر من المزاح معهم, لا يفرق بين طفل يعرفه أو طفل لا يعرفه, فيعامل الأطفال جميعاً بنفس التعامل والمزاح والمرح.

رقة قلبه وحنيته جعلته أيضاً قريبٌ من كبار السن يحنو عليهم ويمازحهم, فكانت علاقته بهم كأنه أبنهم, لا يحدثهم إلا باللين ولا يتكلم معهم إلا بطيب الكلام, الأمر الذي أثّر بهم كثيراً عن استشهاده فبكوه كثيراً وكأنهم فقدوا عزيزاً قريباً وودعوه بحزن كبير.

نعم القائد الميداني

انخرط الشهيد المجاهد إياد الجدي في صفوف حركة الجهاد الإسلامي منذ نعومة أظفاره، ومن ثم انخرط في العمل العسكري منذ أواخر التسعينات، وتدرج في العمل العسكري حتى وصل لرتبة قائد ميداني في سرايا القدس.

يعد الشهيد إياد الجدي "أبو هادي" أحد القادة الميدانين لسرايا القدس الذين كان لهم بصمة واضحة في العمل العسكري، وشارك في العديد من المهمات الجهادية التي أوكلت له من قيادة السرايا.

عمل الشهيد الجدي في الوحدة الصاروخية  لسرايا القدس وأصبح أحد قادتها الميدانيين في لواء غزة، وكان له صولات وجولات كثيرة في التصدي للاجتياحات والحروب المتكررة لحي الشجاعية وإطلاق الصواريخ والقذائف على المغتصبات الصهيونية، ومن أبرز المعارك التي شارك فيها: معركة السماء الزرقاء وبشائر الانتصار وكسر الصمت والبنيان المرصوص وجحيم عسقلان وحمم البدر وصيحة الفجر وغيرها من المعارك.

كان الشهيد إياد الجدي قائداً ميدانياً، معطاء كالشمعة التي تنير لإخوانه الطريق، لا يتوانى عن العمل في أي مهمة توكلها القيادة له، كان همه الارتقاء في الوحدة الصاروخية لسرايا القدس حتى آخر أيام حياته.

موعد مع الشهادة

كتم الشهيد أبو هادي سر المقاومة عن جميع الناس سوى اللذين يعملون معه, وكان يحرص على عدم إظهار أي شكل من أشكال العمل مع المقاومة, حتى في أحلك الظروف ظل شهيدنا حريصاً على سرية وكتمان عمله الجهادي ضمن صفوف سرايا القدس.

عاد الشهيد إياد لبيته قبل استشهاده بساعات, في تاريخ الرابع والعشرين من أغسطس لعام 2020م, نظر في وجوه أولاده وبناته, وعند المساء أخبرهم أنه سيغيب "ساعتين زمن" لينهي بعض الأعمال الخاصة، وغادر منزله متجهاً مع رفاقه لتفقد أحد مرابض الصواريخ, وما هي إلا دقائق معدودة فدوى صوت انفجار قوي في المنطقة, وبعد دقائق شاع بين الناس أن أحد الشهداء الذين ارتقوا جراء الانفجار هو إياد الجدي, فهرول شقيقه مسرعاً نحو مكان الانفجار ليتأكد أن أبو هادي ترجل عن جواده شهيداً مقدماً في سبيل الله كما كان يتمنى.

ليلتحق القائد الميداني إياد الجدي إلى جوار ربه شهيداً بإذن الله تعالى في ميدان الشرف والعزة والكبرياء أثناء الإعداد والتجهيز، وارتقى برفقته الشهداء يعقوب زيدية ومعتز المبيض ويحيى المبيض بعد مشوار جهادي مشرف، وبعد عمل دؤوب وجهاد وتضحية، نحسبهم شهداء ولا نزكي على الله أحداً.

غادر إياد الجدي منزله, لكنه لم يعد كما كان يظن, فقد عاد بموكبٍ ملائكي كبير, وجموع غفيرة تشيعه وتحمله على أكتافهم, يبكيه الصغير والكبير ورجال المسجد ورواده, لقد غادر الدنيا وبقيت سيرته العطرة خالدة في أرجاء المدينة الذي أحبها وأحبته, وروى عطش ترابها من دمه القاني. فإلى رحمة الله ورضوانه أيها القائد الهمام.

disqus comments here