مرة أخرى جاءنا تموز .. حاملاً نفحات الوعد الصادق .. مؤكداً أن عصر الهزائم قد ولى وإلى غير رجعه مكرساً أن المقاومة فكراً وفعلاً، ثقافة ونهجاً هي أمل الأمة في الصمود فالمقاومة ثم النصر المبين، كي تتهاوى غطرسة الأعداء، ويتكشف زيف العملاء، ويتعزز خط الأمة في العطاء والفداء على طريق تحقيق أهداف الشعب والأمة.
تموز هذا الشهر المضيء في تاريخ الأمة العربية والإسلامية، جعلت منه المقاومة اللبنانية شهراً للمقاومة، شهراً للصمود، شهراً للانتصار، وليتوج عيداً للكرامة العربية .. عيداً للعنفوان والإباء القومي .. عيداً لكل مواطن شريف على امتداد الوطن العربي، عيداً لكل حر يؤمن بحرية وتحرر الشعوب على امتداد العالم، هذا الشهر الذي جعلت منه المقاومة شهراً يؤرخ لتاريخ من نور .. كتب بدماء الشهداء .. لينثر شذاه عطراً يغطي بيارات الجنوب على مدار ثلاثة وثلاثين يوماً لنشتم رائحة الانتصار .. فنحلق في الأعالي نركب السحاب .. تعلو قاماتنا، فنرى الكيان الصهيوني وحلفائه يتخبطون ويبحثون عن جحر يختبئون به.
لست محللة سياسية أو عسكرية ولكن كأي مواطن عربي عاش الحرب وعايشها، تألم لمناظر الدمار والدماء، بكى على الأطفال، شارك في المعركة بأضعف الإيمان .. بالدعاء للمقاومة والمقاومين.
من منا لم يكن سعيداً عندما كانت تقصف مواقع العدو في فلسطين المحتلة؟، ومن منا لم ينتشي طرباً عندما ضربت وأحرقت البارجه الصهيونية (ساعر) قبالة بيروت؟. من منا لم يكن فرحاً مبتهجاً عندما كان يشاهد آليات ودبابات العدو تنفجر وتدمر بقذائف المقاومين اللبنانيين بقيادة حزب الله الذي فاجأ الأصدقاء باستعداده وقوته وتنظيمه قبل ان يفاجئ الأعداء؟.
من منا عنده شك بأنه لولا حزب الله ومقاومته ومقاوميه لاحتل الكيان الغاصب لبنان كله؟ .. لبنان الذي كان يقال عنه "قوة لبنان في ضعفه" .. لبنان الذي نعرف أن فيه بعض الاحزب التي تعمل في خدمة العدو وتتعاون معه إضافة إلى الأبواق الإعلامية وشبكات التجسس وطوابير العملاء، يضاف إلى ذلك كله ما يملكه العدو من تكنولوجيا حديثة تخدم آلة الحرب والدمار ليضاعف من عملياته الإجرامية التي تمثلت في عشرات المجازر وفي استخدامه المواد الكيماوية والجرثومية الفتاكة ضد المدنيين الآمنين على امتداد الأرض اللبنانية، العدو الذي يتفاخر بان جيشه من أقوى الجيوش في العالم، والحليف الاستراتيجي للإمبريالية الأمريكية. كل ماتقدم جعل منه كياناً عنصرياً متمرداً لا تعنيه قرارات الأمم المتحدة التي تؤكد على الحقوق الشرعية، ولا غيرها من قرارات المؤتمرات العالمية أو القرارات الخجولة للمؤتمرات العربية .. فهو فوق القانون، وهو الذي اعتاد ان تكون حروبه نزهة ساعات وأيام قليلة ويعود منتصراً، كاسراً شوكة الأنظمة العربية مجتمعة ، لكن حزب الله كما المقاومة الفلسطينية أصبح شوكة في حلقه تؤرقه وتقض مضاجعه، فحاول اقتلاعها والقضاء عليها فيما ظن أنه نزهة بسيطة في جنوب لبنان، لكن هذه النزهة تحولت إلى كابوس وإلى كارثة حقيقية عليه بأكثر من معنى ذاق فيها طعم الهزيمة وطعم الانكسار، يلملم أشلاء جنوده وبقايا دباباته التي تناثرت على ثرى الجنوب الطاهر.
عاشت قطعان المستوطنين أسابيع في الملاجئ، إضافة إلى حالات الانهيار العصبي والصدمات النفسية، ودب الذعر والرعب والإرباك في صفوفه الأمر الذي لم يجربه جيشه أو مستوطنيه إلا في حالات قليلة كمعركة الكرامة وحرب الاستنزاف وحرب تشرين والخالصة ومعارك تموز عام 1981م .. وكعادته استخدم العدو سياسة الأرض المحروقة، دمر كل شيء ولم يبق حجراً على حجر في الضاحية الجنوبية وفي الكثير من قرى الجنوب، قتل الأطفال والشيوخ والنساء ليشكل ضغطاً شعبياً وجماهيرياً على المقاومة والمقاومين .. لكنه فوجئ بحجم التعاطف والتأييد والالتصاق بالمقاومة من معظم الشعب اللبناني والعربي رغم الدعاية المغرضة التي كان يبثها بعض الأعراب من زعامات آخر زمن.
إن تحول لبنان إلى الساحة العربية الوحيدة للقتال ضد الكيان الصهيوني قد أحرج العديد من الأنظمة العربية الصديقة لأمريكا،وتحول السيد حسن نصر الله إلى أيقونة وتوجته هذه الجماهير ملكاً عليها و قائداً للمقاومة وعنواناً للكرامة العربية. كما أظهرت المقاومة قدرتها على استيعاب التكنولوجيا الحديثة على مستوى كل الاختصاصات، التي كان لها دور مهم في رفع معنويات الأمة والمقاومين وتحطيم معنويات العدو وجيشه الذي ذاق طعم الهزيمة والانكسار على أيدي المقاومة والمقاومين. كيف لاينتصر هذا المقاوم وهو الذي نشأ وتربى في حزب منظم مقاوم يمتاز بوحدته الفكرية والعقائدية.. يؤمن بها كل منتسب إليه ويمارسها على الصعد كافة، لذلك صعب اختراقه واهتم بمؤسساته على جميع المستويات والشرائح، لتتكامل المصلحة والهدف. أنجز الدورات الاختصاصية، وجعل كل منتسب إليه مقاتلاً يحب الشهادة أكثر من حبه للحياة. كان الحزب ومؤسساته على قدر المسؤولية فأنشأ مؤسسات خاصة تهتم بهم وبأسرهم، قدم لهم كل الرعاية ووفر الإمكانيات المادية والمعنوية لتربيتهم على ثقافة المقاومة، كيف لا وهم رجال وقادة المستقبل، بل تعدى ذلك للاهتمام والالتزام الأخلاقي (المادي والمعنوي) بعائلات وأسر الشهداء الفلسطينيين ..الذين استشهدوا في معركة الشرف وامتزجت دماؤهم بدماء الشهداء اللبنانيين.
في شهر تموز وفي ذكرى انتصار المقاومة نوجه تحية إكبار واعتزاز لأبطال ذلك الانتصار العظيم ، ونصفق بحرارة لهذا الحزب قيادة وكوادر ومقاتلين، حزب حطم شوكة العدو وأثبت أن ليس كل من يملك القوة والجبروت قادر على دحر المقاومة وهزيمتها.
لا شك ان هذا الانتصار الكبير لحزب الله شكل إضافة مهمة إلى قوة ومنعة المقاومة والمقاومين في فلسطين والعراق والجولان وانه انتصار لفلسطين ولسورية قلعة الصمود والمقاومة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية العمق الاستراتيجي لشعبنا ولثورتنا.
لقد فتحت سورية قلبها وأرضها للشعب اللبناني الشقيق خلال عدوان تموز وقدمت كل ما تملك للتخفيف من معاناته، كما قدمت كل ما تستطيع لتعزيز صمود لبنان الشقيق وبهذا اثبت القائد الرئيس بشار الأسد للقاصي والداني ولكل العالم أنه قائد استثنائي، وقائد صلب، وقلعة شامخة في وجه التهديدات الصهيونية، وفي وجه الضغوط العالمية.
إنه القائد الذي تربى في عرين حافظ الأسد .. فأصبح فارس الأمة الذي جعل ثقافة المقاومة وجعل القومية العربية في أبجديات ومناهج التربية والتعليم .. لتتكرس سورية قلباً نابضاً للعروبة.
كم اغبط الشعب اللبناني الشقيق لان له حدود مشتركة مع سورية وكم أتألم لأنه لا حدود لسورية مع قطاع العزة ، قطاع غزة.

