الشهيد القائد «يوسف أبو الرب»: من الرعيل الأول لسرايا القدس

السبت 26 ديسمبر 2020

الإعلام الحربي _ خاص

كانت ليلة من ليالي الشتاء، البرد القارص يلف المكان، والمطر المنهمر لا يتوقف عن الهطول، والريح العاصفة تصدح من خلف النوافذ المحكمة الاغلاق، و فجأة تحولت المنطقة إلى ثكنة تملأها العربات العسكرية وتغطي سماءها القنابل الضوئية، ويقطع سكون ليلها العاصف أصوات السيارات العسكرية ومكبرات الصوت التي استخدمها الجنودالمرجفون من الحتف الذي ينتظرهم.

اقبال على وعد الله

إنها ليلة السادس والعشرون من ديسمبر لعام 2002م، ليلة من ليالي البطولة والفداء الشاهدة على عنفوان رجال الله، التواقين للشهادة والفوز بجنات ونُهر، وحكاية رجل من زمن البطولة التي نتشوق لسماعها.. إنها حكاية القائد يوسف أبو الرب "ابو محمد" الملقب بالشيخ "حمزة أبو الرب".

وعن تلك الليلة تحدثت زوجة الشهيد أبو الرب "أم محمد" قائلةً وكأنها الأمس القريب :" ما ان سمعنا صوت المكبرات حتى عرفنا فوراً ان هذه الليلة لن تمر دون دماء تراق .. فتحرك الشيخ حافي القدمين باتجاه المطبخ منتشياً وهو يردد سأستشهد أخيراً ..".

وتكمل الزوجة الصابرة حديثها:" في هذه الأثناء بدأ الشيخ يجهز بندقيته ويعبئها بالذخيرة وقد ملأ جيوبه بكميات منها".

وتضيف" في تلك اللحظة التي كنت اقف فيها واجمة، نظر الي قائلاً : سأستشهد  بإذن الله ولن اسلم نفسي لهم ليعدموني بدمٍ بارد، وستكونين ملكة متوجة على حوريات الجنة فكوني من الصابرات".

وأوضحت أن الحديث عن الشهادة والجنة وما وعد الله عباده من اجر عظيم، كان لسان حال شيخنا حمزة أبو الرب، مؤكدةً انه كان يتمناها ويسعى اليها ويكثر من الدعاء في كل صلاته لنيلها مقبلاً غير مدبر.

ولفتت أم محمد إلى أنها في تلك اللحظة العصيبة لم تستطع أن تحبس دموعها امام زوجها الذي كان يعد نفسه للقاء الله، مبينةً أنه التفت اليها محاولاً التخفيف من روعها، وأوصاها أن لا تبكي او تنوح او تصرخ عند استشهاده، وأن توزع الحلوى  احتفاءً بفوزه بهذا الاصطفاء الرباني.

لحظات واشتد الحصار بعد أن انتشر جنود الاحتلال المدججين بالسلاح في كل ارجاء المنطقة، وبدأت مكبرات الصوت تطلب من سكان المبنى الذي تواجد فيه الشهيد يوسف ابو الرب وأسرته الخروج منه، فما كان منه إلا ان طلب من زوجته وأبنائه الذين كانوا صغار في ذلك الوقت ( محمد، وعبدالله، ومصطفى، وأسماء، واسلام) بعد أن قبلهم واحتضنهم وغمرهم بحبه الخروج خشية عليهم. 

انتصار الدم

لم يمضِ وقتاً طويلاً وبدأت المعركة كما تحدثت زوجته، بدأ صراخ الجنود الصهاينة يعلو على صوت أزيز الرصاص، وسرعان ما حضرت سيارات الاسعاف الصهيوني لتنقل قتلاهم وجرحاهم، مؤكدة أنها وابنائها الذين مكثوا لساعات في العراء في منطقة قريبة من تواجد الجنود، شاهدو طواقم الاسعاف يحملون عدد من الجنود، فيما جيرانهم الذين وضعوا مكان اخر رأوا طائرات الاحتلال تنقل عدد من القتلى تم تغطية أجسادهم بأكياس سوداء.

وتكمل أم محمد:" حالة من السخط والغضب سيطرت على قائد الهجوم فتوجه إلي وأجبرني على التحدث مع الشيخ عبر مكبرات الصوت ومطالبته بالاستسلام "وفي خطوة ماكرة أخبرني انه سيعتقل الشيخ وسأتمكن من زيارته ان هو سلم نفسه ولكني كنت واثقة من خداعهم فحمزة يعرف أنه مطلوب للتصفية، وليس للاعتقال، وإدراكه لهذه النقطة يجعله يستميت في المقاومة ولا يسلم نفسه ليعدم أمام أعيننا ".

ولفتت أم محمد إلى أن جيش الاحتلال بعد ان يأس من صلابة وثبات "حمزة" حقق مع أفراد أسرته وبدا برسم خريطة للشقة التي كان الشهيد يتحصن بداخلها، ثم طلب من أحد أبنائه الذهاب لوالده لإقناعه بالاستسلام، موضحةً أن الشهيد طلب منه القول لجيش الاحتلال ان والده سيواصل المعركة حتى الرمق الأخير قائلاً لهم :" من يريدني ليقابلني رجل مقابل رجل".    

وبينت إلى ان وابنها أخبرها أن والده في حالة طمأنينة وهدوء  رغم اصابته بشكل طفيف، موصياً اياه بأن يحبوا بعض ولا يفترقوا وأن يظلوا حول امهم يطيعوها ولا يعصوا لها أمراً.

رجل صنع مجداً

ومع ساعات بزوغ فجر يومٍ السابع والعشرين من ديسمبر لعام 2002 كان جيش الاحتلال يستدعي المزيد من الجنود والعتاد، ثم بدأ بقصف المنزل بقذائف "الانيرجا" مما أدى الى اشتعال النيران في جزء منه . وبدأت الجرافة تهدم البيت ولآخر لحظة كانت القوة الصهيونية واثقة أن حمزة برفقة ثلاثة أو أربعة مقاومين، لكنهم صدموا حين وجدوا جثمان الشهيد تحت الأنقاض لوحده.

وعندما تأكد جيش الاحتلال من ارتقاء الشهيد "حمزة" قدم أحدهم ليعبر عن حالة الغيظ التي سببها لهم الشهيد "ابو الرب"، ليقول :" لقد قتلنا أباكم"، فأنقض نجله "محمد" على الجندي الصهيوني وضربه بيده وهو يقول "سأنتقم منكم يا قتلة"، قبل ان يتكالب عليه الجنود وينهالوا عليه بالضرب المبرح حتى انهار وارتمى على الأرض وسط صراخ والدته وإخوته.

قائد رباني

ويعتبر الشهيد الشيخ حمزة أبو الرب كما كان يحب أن يطلق عليه، من الرعيل الأول لحركة الجهاد الاسلامي، حيث كان رفيق درب الشهيد القائد عصام براهمة، وأحد أبرز قادة سرايا القدس في الضفة الغربية المحتلة.

والشهيد يوسف محمد خليل أبو الرب  (حمزة أبو الرب) هو من سكان بلدة قباطية قضاء جنين، جاء فجر ميلاده  في 31/12/1962 م، وهو متزوج من زوجة صابرة محتسبة، ولديه أربعة من الأبناء واثنتين من البنات، وقد تعرض منزله للهدم على يد جيش الاحتلال قبل عام من استشهاده.

وعرف الشهيد بتدينه والتزامه وقراءته للقرآن وتجويده بصوت جميل، وحرصه على حفظه وتعليمه لأبناء منطقته في المسجد القديم في البلدة حلقات يعقدها هو بنفسه لأطفال الحي ، بالإضافة لمواظبته على حضور حلقات الوعظ  حتى بات يعرف بالشيخ حمزة.

لم يطول الرد

ولم يكن استشهاد الشيخ حمزة أبو الرب كما ظن العدو واهناً انه سيشل الحركة وسيقيد يد جناحها العسكري سرايا القدس، بل شكل ارتقائه مرحلة جديدة للعمل المقاوم لسرايا القدس، فجاء الرد حين اقتحم في اليوم التالي الاستشهاديين أحمد الفقيه ومحمد شاهين مغتصبة عتنائيل – جنوب مدينة الخليل – وتمكنوا من قتل 4 صهاينة وأصابوا 7 آخرين.

ثم جاءت عملية  الاستشهاديان ربيع زكارنة، وهاني زكارنة التي قتل فيها صهيوني وجرح آخرين وذلك في مستوطنة قاديش قرب جنين بتاريخ 12/1/2003م، رداً على اغتياله ورسالة للعدو الصهيوني أن سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الاسلامي لا ترضى الضيم ولا تسكت عل حقها مهما طال الزمن.