بعد انتهاء الحرب على غزة، واستمرار إطلاق الصواريخ والقذائف على المستوطنات المحاذية للقطاع، أعلن قطاع الصناعات العسكري الصهيوني مؤخرا عن انتهاء العمل من منظومة "القبة الحديدية" لصد صواريخ المقاومة الفلسطينية.
ورغم أن النجاح الكامل لم يتحقق بعد بنجاعة هذه المنظومة، إلا أن الصهاينة يمنحونها ثقة كبيرة لعلها تريحهم مما يسمونه "كابوس الصواريخ" الذي بات ينال مدى أوسع، ومدنا أكبر وأعم.
وبسبب فشل الحرب الصهيونية الأخيرة ضد قطاع غزة في وقف إطلاق المقاومة صواريخها في أي وقت تشاء، واستمرار تهديدها لأمن الصهيوني؛ لا يزال جيش الاحتلال يخشى من دخول المقاومة في معادلة صراع جديدة.
وينقل رئيس قسم الأبحاث في هيئة الاستخبارات العسكرية الصهيونية السابق "يوسي كوبرفاسر" أن بعض المنظمات الفلسطينية تواصل محاولاتها لارتكاب هجمات إستراتيجية داخل الكيان الصهيوني، علما بأن المقاومين الفلسطينيين ما زالوا يواصلون إنتاج الوسائل القتالية بما فيها القذائف الصاروخية.
وتتفق جميع الآراء الصهيونية السياسية والعسكرية على حد سواء، على اعتبار صواريخ المقاومة خطرا متصاعدا على قوات الاحتلال والمستوطنات في آن واحد؛ فهذه الصواريخ تمكنت من استهداف مستوطنات: "سيدروت" و"نتيفوت" وكيبوتس يئيري، وكفار سعد، وكفار عزة، ونحال عوز، وعليت، وكيسوفيم، ونتيف عتسرا، ومعبر كارني، وفيكيم، ونير عام، وكيرم شالوم، ومدن عسقلان وبئر السبع المحاذية لقطاع غزة داخل حدود فلسطين المحتلة عام 48.
وتكمن نقاط قوتها وتفوقها في ضعفها وبدائيتها، إذ يصعب رصدها بالأجهزة التقنية العالية التي يمتلكها جيش الاحتلال، مما أجبر الصهاينة على الاعتراف بالعجز عن منع إطلاقها.
في هذا السياق قال "آفي ديختر" رئيس جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" ووزير الأمن الداخلي الصهيوني في حكومة "أولمرت" المنصرمة، في سياق تقرير أمني قدمه إلى الحكومة بأن نظام إطلاق صواريخ المقاومة نظام مرتب على نحو يثير الإعجاب، فثمة تدرج منظم، يبدأ بالبحث والتطوير، يتلوه إنتاج الأجزاء، فالتركيب، ثم توزيع الأدوار ميدانيا والمسئولية عن عملية الإطلاق، معتبرا أن تواجد الجيش الصهيوني في الأراضي الفلسطينية لا يساعد بالضرورة على منع إطلاقها.
ويبدي الصهاينة تشاؤما كبيرا حيال مستقبل التعامل مع هذه الصواريخ المصنعة يدويا، خاصة بعد أن نجحت في إسقاط نظرية الحماية من خلال الجدار، وأن الكيان سيحصد من وراء خطته الوهمية لفك الارتباط عن غزة حربا مستمرة مع الفلسطينيين، الأمر الذي دعا عضو الكنيست السابق "عومري شارون" ، لأن يؤكد أن الجيش الصهيوني لا يملك حلا لصواريخ المقاومة وقذائف الهاون، مما سيضطر القيادة السياسية إلى إرسال الدبابات طيلة الوقت".
الحرب على غزة.. أخفقت
علما بأن صواريخ المقاومة وضعت صانع القرار الصهيوني في مأزق كبير بعدما هدد سكان المستوطنات المجاورة للقطاع بهجر مدنهم ما لم يتوقف انهمار الصواريخ على رءوسهم، كما خشي الجيش من نجاح المقاومة بغزة في جر قدميه للدخول في حرب عصابات لن تكون أبدا في مصلحته وسط هذا التكدس الهائل من السكان والشوارع الضيقة، ويرجع فشل كل هذه الوسائل إلى سهولة نشر الصواريخ وإطلاقها في ثوان معدودة، قبل وصول المعلومات للجيش لاستهداف مواقع إطلاقها.
كما زخرت وسائل الإعلام الصهيونية بالتقارير التي كشفت عن بدء المستوطنين بالجلاء والهجرة خارج مستوطناتهم التي باتت تشكل "هدفا مفضلا" لصواريخ المقاومة، في أعقاب القصف المتواصل بالصواريخ.
وتهكم أحد المراسلين على حكومة العدو قائلا: "بعد أن قتل صاروخ فلسطيني اثنين من سكان سيد روت، قرر العمل ضد مطلقي الصواريخ، بعد ذلك سقط صاروخ على فراش في غرفة نوم مأهولة، ولم ينفجر، وانفجر صاروخ آخر في بيت هرب سكانه، وانفجر صاروخ ثالث بين السيارات المتحركة، إن سكان سيد روت يرفضون وبحق الاعتماد على المعجزات، ولمزيد من الأمن يفضل كثير منهم حزم أمتعتهم والابتعاد من هنالك حتى ينقضي الرعب".
وفي سابقة هي الأولى من نوعها، شهدتها الحرب على غزة سقطت بعض صواريخ المقاومة وغراد على مدن عسقلان وأسدود وبئر السبع داخل الأراضي المحتلة عام 48، وإن لم ينجم عن سقوطها إصابات قاتلة، إلا أنها شكلت إنذارا ساخنا للدوائر الأمنية التي تصف هذه المناطق بالمدن الإستراتيجية؛ لاحتوائها على محطات توليد طاقة تابعة لشركة الكهرباء، ومحطة "كتسا" التي يخزن بها الوقود والغاز، وتعتبر بنظر الكثيرين العاصمة الاقتصادية للكيان الصهيوني.
واعتبر استهداف هذه المدن دليلا جديدا على تمكن مهندسي المقاومة الفلسطينية من تطوير الصواريخ التي بدأ إنتاجها وتطويرها مع بداية الانتفاضة، في محاولة لإيجاد وسائل قتالية تتغلب على ندرة الأسلحة نتيجة الحصار المشدد على الأراضي الفلسطينية، ولإيجاد نوع من توازن الرعب مع الاحتلال الصهيوني.
وقد أثارت الصواريخ المتساقطة أزمة واسعة في الدولة العبرية، تمثلت في عدد من الشواهد، أهمها:
1- الدخول الدوري للملاجئ تحت الأرض.
2- تعطيل الدراسة في جميع المدارس والمؤسسات التعليمية.
3- خلو الشوارع من المارة، وكأن المستوطنات تخضع لنظام حظر التجول.
4- ارتفاع معدل الفرار من المستوطنات؛ حيث أعرب عدد من المستوطنين عن نيتهم مغادرتها بسياراتهم الخاصة، وستقوم كل عائلة بتعليق لافتة على السيارة كتب عليها "نحن السكان لسنا في المدينة، ولن ننام هنا بأي ثمن".
وكانت الحكومة الصهيونية أرسلت المزيد من الأطباء النفسيين للمستوطنات "المستهدفة" لمعالجة سكانها من حالات الهلع والصدمة التي يعانونها جراء سقوط صواريخ، وحذر أحد الأطباء من أن استمرار مثل هذه الضغوط من شأنه أن يسفر عن إصابة عدد من المستوطنين بحالة من الجنون؛ حيث يعيش المستوطنون حالة من الانهيار العصبي والخوف الشديد على حياتهم، في ظل استمرار قصفهم، ووقوع قتلى وجرحى في صفوفهم، بصواريخ المقاومة.
هذه الشواهد اضطرت حكومة العدو وربما يأتي الدور اليوم على "نتنياهو" للقيام بأكبر وأوسع الحملات العسكرية ضد قطاع غزة استهدفت منع إطلاق صواريخ المقاومة؛ حيث فشلت جميعها في منع إطلاقها، وبالتالي استمرت بالتساقط بشكل محسوب بين فترة وأخرى.
وتؤكد التحليلات العسكرية أن عدة وسائل استخدمها الجيش لمنع إطلاق الصواريخ، هي:
1- الحملات العسكرية المتكررة على شمال القطاع وشرقه.
2- قصف الورش الصناعية والمخارط.
3- منظومات الإنذار الأمنية داخل المستوطنات المحاذية للقطاع.
ولكن يبدو أن الذراع العسكرية الصهيونية الطويلة، أصبحت عاجزة وعديمة الجدوى في مواجهة ابتكارات المقاومة المتتالية في تصنيع الصواريخ المحلية، بل إن الخارجية الصهيونية أخذت يدها المقطوعة وبدأت عملية استجداء لمساعدة دولية، من خلال حملة دبلوماسية قامت بها لوقف إطلاق صواريخ المقاومة.
وأثبتت الأحداث فشل الحملات العسكرية في وقف إطلاق الصواريخ، مما دفع عضو الكنيست "ران كوهين" لأن يعلن أن لا نجاعة عسكرية حقيقية لإطلاق الصواريخ، وأن هذه الوسيلة لا يمكن الاعتماد عليها في الردع؛ لأن نسبة المخاطرة فيها كبيرة، ولا يحتمل استخدام القوة دون أن يكون هناك بديل سياسي.
شهادات تشكك في "القبة"
لقد شكل تصعيد المقاومة لقصفها الصاروخي على المستوطنات المحاذية لقطاع غزة، أزمات سياسية وعسكرية صهيونية، لاسيما في ظل الضغوط التي يمارسها المستوطنون لوقف عمليات القصف التي أصبحت توقع قتلى وجرحى، وتدميرا كبيرا أكثر من ذي قبل؛ حيث خرجوا في مظاهرات كبيرة في بعض المدن مطالبين بوقفها.
وأقرت العديد من التحليلات بعدم القدرة على التغلب على صواريخ المقاومة، بما في ذلك منظومة القبة الحديدية التي سيبدأ العمل بها في 2010، ومنها ما ذكره المعلق السياسي "بن كاسيت"، الذي قال: يجب الوقوف بشجاعة أمام الحقيقة.. لا يوجد للجيش في هذه اللحظة حل حيال الصواريخ والراجمات، يمكن احتلال قطاع غزة، والنتيجة.. عشرات القتلى الصهاينة، وفقدان الزخم السياسي، ونسيان فك الارتباط، والعودة إلى الركود، وفقدان الأمل، وبعد ذلك الزحف مجددا إلى الخارج حيال ضغط دولي وتنقيط خسائر.
بينما قال البروفيسور "ميشيل فروند": "آلاف الصهاينة يقبعون في بيوتهم في انتظار صاروخ أن ينزل فوق رءوسهم، ويخترق أسطح منازلهم التي لا تستطيع حتى أن تقيهم المطر، يقولون بأن الصاروخ غير دقيق.. حسنا.. ولكنه قد يصل إلى رأسك".
وأقر سابقا الخبير الأمني والإستراتيجي الراحل "زئيف شيف" بإخفاق أجهزة الأمن بإيجاد رد على صواريخ المقاومة ، معتبرا أن ذلك يشكل خطرا إستراتيجيا على الكيان، وعلى الرغم من أن الحديث يدور عن صاروخ بدائي، وأن عدد الإصابات التي يوقعها غير عال نسبيا، لكن تأثيره النفسي على القرى اليهودية كبير، فقد أغلقت البلدات المهددة مخيماتها الصيفية وملاعبها الرياضية، بينما نقل الآباء والأمهات أطفالهم بعيدا عنها.
واعترف "د.غابي أفيتال" الأكاديمي المتخصص في هندسة الصواريخ والمحاضر في أكاديمية الطيران التابعة لسلاح الجو، بأن خبر سقوط صواريخ المقاومة على مدينة كفار سابا في أقصى شمال فلسطين مجرد مسألة وقت، لأنني سبق وأن حذرت أن من يعلن "الهروب" من مستوطنات غوش قطيف وسط غزة، دون مقابل وبلا خجل، سيحصل على صواريخ المقاومة شمال فلسطين، سواء مع جدار الفصل أو بدونه، ومع الكثير من العار!.
بينما أعلنت رئيسة اللجنة البرلمانية المعنية بمراقبة شئون الدولة، وعضوة الكنيست "مالي بوليشوك" أن انعدام وسائل الوقاية من الصواريخ يعرض حياة السكان اليهود للخطر، ويشكل تقصيرا خطيرا، خاصة أن الجيش والدوائر الأمنية ذات الشأن لم تتخذ التدابير اللازمة لضمان توفر وسائل دفاعية في التجمعات الاستيطانية القريبة من قطاع غزة لحماية المستوطنين من الهجمات الصاروخية.
وأكد القائد السابق للجبهة الداخلية اللواء "إسحاق غرشون" أن الجيش بحاجة ماسة وعاجلة لأكثر من 20 مليون دولار من أجل إكمال جهاز الإنذار المبكر، وجهاز الصوت، وتحصين مباني المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، وهذا المال مطلوب للتحصين الفوري للمؤسسات التعليمية المحيطة بالقطاع التي أصبحت في مرمى صواريخ المقاومة بعد الانسحاب منه، وإكمال مركبات صفارات الإنذار والبث عبر جهاز الإنذار المبكر المعروف باسم "فجر أحمر".
وقد سبق للجيش الصهيوني أن قام بتطوير سوار دفاعي للأبنية في المستوطنات المحاذية لقطاع غزة، أطلق عليه اسم "الصواريخ"، بحيث سيتم البدء بحملة تحصين واسعة النطاق في القواعد العسكرية القريبة من الجدار الحدودي مع غزة و12 مستوطنة في النقب الغربي، وهي عبارة عن تحصين للأبنية التي تنتجها الشركة الموردة للمباني المتنقلة في الجيش الصهيوني المعروفة باسم "الكرفانات"، لاسيما أن معظم هذه المباني في القواعد العسكرية والمستوطنات أبنية خفيفة وأسقفها مصنوعة من الصفيح، مما يشكل خطرا حقيقيا على من يسكنونها، وهذه "الصواريخ" تشمل سقفا من الباطون المسلح من النوعية الأفضل في العالم.
وتتويجا لكل هذه الجهود "العبثية" جاء اختراع "القبة الحديدية" التي وصفها خبير عسكري صهيوني بارز بالقول: من "الجيد" للكيان الصهيوني في هذه المرحلة الحرجة أن ينتج جيشها هذه المنظومة بتكلفة تصل إلى مائة مليون دولار لإحباط صواريخ المقاومة لا يكلف المقاومة أكثر من 50 دولارا.

