في عالم الدعاة يلخص الإمام ابن تيمية رحلة العمر حين يوزعها بين القتل والإبعاد والسجن ، لكنه ينظمها بحروف لا يألفها غير مجاهد تمردت روحه على الظلم فيفهم أن تركة المواجهة شهادة ، وبلاء الإبعاد سياحة .
أما الأسر فحكاية تعزل فيها مفاتن الحياة وتتجلى لذة الخشوع الكاشفة لغيب الروح الهائمة في جلال الله ، حين تعيش الترتيل وحياً كأنه ساعة التنزيل .
في سجون (العدو) لا يختلف الواقع بل يعززه شعور الرباط وأنت في زنزانة على شواطئ عسقلان ، أو في ساحة معتقل لا يبعد عن المسجد الأقصى سوى مئات الأمتار ، الذي تسمع أذانه وأنت تعيش التعذيب فيسندك كأنه ترس المقاتل .
بين حكاية السجن وأجواء البلاء الذي تعيشه القدس يطلب رأس الشيخ رائد صلاح الذي حفظه الله من الاغتيال في البحر ، وأفشل من قبل مخطط الموساد الذي أراده ممزقاً بقنبلة متطرف يهودي ، ومع ذلك وبعده كثير لم تكشفه أيام الحقد على الشيخ ليتوج المكر الصهيوني بقرار المحكمة الصهيونية المفضوح القاضي بإعتقال الشيخ في زنزانة خمسة أشهر بعيداً عن القدس والمسجد الأقصى ، في مرحلة هي الأشد والأخطر على مستقبل المدينة المقدسة التي تعيش حالة الاستهداف في بنيتها الاجتماعية والجغرافية والوجودية .
هذا التهديد الذي قاد مقاومته الشيخ رائد وتحول من خلاله إلى ثقافة عزيزة في الأمة وجد صداه في قلوب الناس الذين ينظرون لاعتقال الشيخ على أنه معركة كبيرة على ذواتهم وأحلامهم ومقدساتهم التي كان الشيخ صورتها الأجمل والأنقى والأطهر.
أذكر في عام 97 استضفنا الشيخ رائد في محاضرة بعنوان "الأقصى في خطر" في مدينة رام الله ساعتها كنت أدير النقاش وإذا بعجوز وصبية تقفان بباب المسجد وتطلبان الشيخ رائد للحديث ، عند انتهاء المحاضرة توجهنا إلى مكانهما وإذا بالعجوز تقدم مصاغها الذي تخبئه للزمان وتردف قائلة: والله سمعتك عبر مكبرات الصوت ولم أجد نصرة للقدس غير ما أحمل من ذهب فخذها قد تفيدكم في نصرة القدس .
المرأة لم نعرفها ولا ندري من أي الديار هي، ولكنها أوقفت الشيخ حينها أمام أمانة وضعتها الأمة في عنقه وهي حراسة المسجد الأقصى .
في الأوراق الصهيونية التي كتبت عن الشيخ وقرار المحكمة طالب بعضها بتشديد العقوبة ، أو طرده إلى الخارج ، وحظر الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها ، وفي تعليل ذلك يقول محلل سياسي في القناة الصهيونية الأولى:" لقد صنع صلاح في بيتنا عدواً يطاردنا في كل حركة ونشاط ، إنه يفشل طموح العدو في بناء الهيكل ، ليذهب إلى الجحيم ".
أمنية الجحيم الصهيوني لن تحرق غير صاحبها ، أما الشيخ الذي سيدخل يوم الأحد عرين الأفذاذ تتبعه قلوب الأمة في بيعة وحب وانتظار على أن يكون الموعد في ساحات المسجد الأقصى ، الذي يشتاق لجبهة شيخه الذي نحمّله سلاماً لصديق دربه الشيخ محمد أبوطير الذي يعيش المحنة ذاتها مع إخوانه سجناء الأمم المتحدة أبوعرفة وطوطح ، وعطون ، الذين نشاهدهم وحدهم في معركة القدس لتخذلهم دول العرب ، ومسارات السياسة الفلسطينية العقيمة لتظل الأولوية فيها لغير القدس وحراسها كما قال السيد حاتم عبد القادر في الأسبوع الماضي .

