في مؤتمره الصحافي حول القرار الظني المتوقع صدوره عن المحكمة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، بدا الأمين العام «لحزب الله» متهيباً جداً للموقف، مدركاً لحجم المخاطر القادمة على لبنان، متوجهاً إلى المسؤولين اللبنانيين وإلى جمهورهم داعياً إلى عدم تكرار تجربة السنوات الخمس الماضية بالانسياق وراء مشروع استهداف المقاومة. خلافاً لسياق المواقف، حصر الأمين العام الحديث في وظيفة القرار الظني السياسية في إطار الوضع الإقليمي الدقيق والحسّاس، وحاذر أي شكل من المواجهة أو من إلقاء المسؤولية على فرقاء الداخل اللبناني.
يستشرف «حزب الله» المتغيّر الإقليمي منذ توقيع قرار العقوبات على إيران ومحاصرتها دولياً، ومحاولة ترتيب الوضع العراقي في مواجهة نفوذها، وتحريك الملف الفلسطيني في غطاء عربي نحو مشروع تسوية جائرة يعجز الطرف الفلسطيني وحده عن مقاومتها.
وضع الأمين العام لـ «حزب الله» استهداف المقاومة بالقرار الظني في إطار تفكيك وإزالة العقبات من امام الخطة الإسرائيلية، معتبراً أن ذلك هو سعي لإشغالها في أزمة وطنية قد تتصاعد نحو عدم الاستقرار. فاضت المرارة والغصّة مراراً إلى حلق السيد فغطاهما بابتسامة حزينة مقتصداً في التعبير، يزن الكلمة بأقصى الدقة، مستدرجاً الآخرين لتحديد مواقفهم، غير مبادر إلى طرح الأفكار والحلول. إنها لحظة مقلقة وخطيرة لمشاغلة المقاومة على جبهة الداخل سياسياً وأمنياً. لكن الرسالة واضحة للآخرين ان يراجعوا مواقفهم وحساباتهم.
العبارة الوحيدة التي حملت موقفاً صريحاً هي هذه العبارة، لا ترتكبوا الخطأ كما في السابق ولا تأخذوا البلد مرة جديدة كي يكون ضحية هذا المشروع. حسناً قال إننا جميعاً ضحية للعبة الأمم. لكن السيد الذي كان متحفظاً جداً ربما بسبب نصائح صديقة او مساع موعودة، او لرهان على يقظة وطنية تتجلى في موقف من أصحاب الشأن، وعد بمؤتمر صحافي جديد وقريب انطلاقاً مما ينتظره او يستدعيه او يطلبه ولو أنه قال: لا اطلب شيئاً محدداً.
لا يملك احد اليوم ان يقترح على اللبنانيين إلاّ التعقل والحكمة وهي ليست تعابير جوفاء أبداً. بل إن الحوار والخروج من دائرة الاستثمار السياسي البشع والمكلف جداً ضرورة، والتواضع وعدم التشفي والانفتاح على أفكار الحلول والمعالجات هي الطريق لتدارك الأزمة. ربما يخيّل للبعض ان فرصة تلوح في الأفق مجدداً لاستخدام هذه الهجمة الدولية على «حزب الله» وأن تشويه صورته او سمعته تجعله سهلاً للتطويع. هذا هو الوهم القاتل الذي يدخل البلد في اختبار قوة بين طوائف وليس بين مشاريع سياسية، وتنجح إسرائيل وحدها في الاستثمار ويسقط اللبنانيون جميعهم في مهاوي الفتنة والفوضى والضعف، ويسهل عند ذاك وضع اليد على قرارهم ومصيرهم من الطرف الإقليمي الذي يكون الأقدر على ذلك.
لنترك مضمون القرار الظني جانباً وقد بدأ يؤدي وظيفته قبل ان يصدر، كما فعل القرار 1559، ولنفكر بالأصل وبالجذور والأبعاد وننتبه الى ان مسار السنوات الخمس من الهجمة الأميركية علينا قد صنعت كل الأحداث والمشكلات وما تزال. وليس من فريق إلاّ ودفع ضريبة هذه الهجمة، وأن الرهان على الدفع الخارجي لهذا او ذاك من المشاريع السياسية لن ينقذ لبنان من كونه دولة معلقة ومجتمعاً منقسماً. وليس اعظم اليوم من روح التسوية لدى جميع الأطراف لتأكيد وطنيتهم جميعاً.

