رمضان شلح.. الرجل الذي كرس حياته لفلسطين

الأحد 06 يونيو 2021

بقلم/ أسلم فاروق علي.. دبلوماسي جنوب أفريقي

ارتحل الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الدكتور رمضان عبدالله شلّح، يوم السادس من حزيران عن62 عاماً. شلّح الذي مثّل أيقونة في النضال الفلسطيني ورأس الهرم في حركة الجهاد الاسلامي، (أحد أجنحة المقاومة الفلسطينية)، على مدى 23 عاماً.

تولى شلّح ـ أوأبو عبدالله كما كان معروفاً ـ قيادة حركة الجهاد الإسلامي عام 1995م، بعد اغتيال اسرائيل للدكتور فتحي الشقاقي، مؤسس الحركة.

أدار باقتدار دفة الحركة في مواجهة أنواء عاتية حتى عجزة عن المتابعة بعد مرض ألمّ به عام 2018م.

مثلما قال عنه إدوارد سعيد – ويوافقه الرأي الأكثرية من الفلسطينين ـ كان رجلا من خارج الزمان والمكان: ولد في غزة، تعلّم في مصر والمملكة المتحدة، درّس في الولايات المتحدة، منفياً إلى سورية، ومقيداً إلى سرير المرض في بيروت، ليُدفن أخيراً في مخيم للاجئين في دمشق.

التقيت شلح في سوريا عام 2008م، كديبلوماسي من العالم الثالث أعمل في دمشق، لقد حظيت بامتياز الوصول إلى معظم الفصائل الفلسطينية المعارضة لأتفاقية أوسلو، الموقّعة بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1993م، وكذلك استقريت في بلد متحالف مع محور المقاومة.

برز الدكنور شلح ليس فقط من خلال الجاذبية الشخصية (كاريزما)، ولكن من خلال ذكائه الحاد، ومع الوقت تعرّفت على روحه الحساسة الذواقة لمشارب الثقافة المختلفة.

بالمقارنة، فإن الجهاد الاسلامي تنظيم ليس كبير جداً، ولكن مع قيادة شلّح له فقد تمتّع بتأثير كبير.

كان صوتاً مقدّراً في اللجان المشتركة لفصائل المقاومة، وكان الوسيط  الذي يُلجأ له عندما نشب الصراع بين إخوة السلاح. لعب دورا رئيسياً في تسهيل الحوار بين فتح و حماس - وهما أكبر الفصائل الفلسطينية - لكنه تمكن من الحفاظ على مسافة نقدية من كليهما.

كثيرا ما كنت أسأله عن تحليله للمشهد السياسي الفلسطيني المُعقّد وكانت قراءاته دائما ثاقبة وعميقة.

على الرغم من أنه كان يتنقل باستمرار في حقل ألغام السياسة الحزبية، إلا أنه على المستوى الشخصي كان يمقت الاقتتال الداخلي، مشددًا على أن النضال الفلسطيني لا يزال في مرحلة التحرر، وبالتالي يتطلب وحدة الموقف لتحقيق الهدف المركزي.

وراء الصورة النمطية

بالنسبة لشلّح ، كان حصر القدرات كما هي مجسدة في السلطة الفلسطينية أكبر تهديد للتحرر الوطني. لقد اعتبر السلطة الفلسطينية مجرد أداة إسرائيلية تجبر الفلسطينيين على إدارة اضطهادهم.

إن التفاوت بين الصورة النمطية عن الجهاد الإسلامي كمنظمة إرهابية عنيفة، والفهم المتطور والمتقدم لقائدها يبرز دائمًا أمامي ، لذلك سألت شلّح مرة عما إذا كانت هناك أي دراسات نقدية جادة للحركة تقدم صورة عنها.

ورد بأن الدراسة الوحيدة حتى الآن كانت "الإسلام والخلاص في فلسطين" للعالم الإسرائيلي مئير حطينة في فلسطين: حركة الجهاد الإسلامي ، نُشر عام 2001.

تذهب دراسة حطينة إلى حد ما لتكشف السياق الاجتماعي السياسي الذي أدى إلى ظهور الجهاد الإسلامي ويبحث أيديولوجية الحركة.

على سبيل المثال ، يشير حطينة بذكاء إلى أن الشعار الأيديولوجي للحركة تحت قيادة شلّح كان "النضال المباشر ضد الاحتلال".

ومع ذلك ، فإن دراسة مائير حطينة معيبة في نهاية المطاف لأنها تستند حصريًا إلى مصادر ثانوية للمعرفة ولم يكن لديه وصول مباشر إلى اراء القادة المركزيين للحركة.

كذلك ، مقدمة الكتاب - التي كتبها مارتن كرامر ، مدير مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في ذلك الوقت – تضع الجهاد الإسلامي بشكل غير مفيد باللونين الأبيض والأسود ، وبشكل ثنائي الأبعاد دون عمق.

وعليه، فقد رحّب شلّح بفرصة إجراء فحص نقدي محايد لمنظمته ، لكنه اعتبرها مهمة تحتاج لباحث محترف.

من وجهة نظري ، كان شلّح مؤهلاً تماماً لمثل هذا المشروع، فالبعد الأكاديمي وُجِد دائمًا داخله ، وتملّك التعبيرفي خطابه وكان مُلِمّاً بمفردات الأدبيات الحديثة (متمكناً بناصية اللغة).

حتى أننا ناقشنا المؤرخين الإسرائيليين التعديليين الجدد: مثال إيلان بابيه في كتابه "التطهير العرقي لفلسطين" وهي دراسة حازت على الثناء من الدكتور رمضان شلّح.

ومع ذلك، فإن انشغاله الأوحد الذي كان شاغله هو النضال من أجل التحرير، وبالتالي فإن الحاجة إلى فحص شامل للأسس السياسية والأيديولوجية للجهاد الإسلامي لا تزال قائمة.

إن مثل هذا المشروع أصبح أكثر إلحاحًا منذ هجمات 11 سبتمبر وما أعقبها من ضبابية في الخط الفاصل بين الكفاح المسلح من أجل التحرر الوطني والإرهاب المُنقاد عبر أيديولوجية غير منطقية.

على المحك

المواقف المبدئية حَدَّدت بوضوح سياسات الجهاد الإسلامي تحت قيادة شلّح: تحرير كل فلسطين ، وحق العودة للاجئين غير مشروط، والقدس عاصمة فلسطين.

لكن مبادئ شلّح لم تقتصر فقط على النضال الفلسطيني. كان لديه تعاطف كبير مع قضية المظلومين في كل مكان وكان مطّلع جيدًا على النضال ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا أيضًا.

مع بزوغ الربيع العربي، تم وضع مبادئ شلّح وتعاطفه تحت الاختبار.

بحلول آذار / مارس 2011 ، انتشرت العدوى الثورية ووصلت سوريا ، وهذا ما وضع الفصائل الفلسطينية في دمشق تحت ضغط شديد لدعم حكومة الرئيس بشار الأسد، ومع دعم معظم هذه الفصائل للنظام وإصدار البيانات المؤيدة له.

كانت حماس والجهاد الإسلامي من الاستثناءات البارزة. لم ينجرّ شلّح إلى إعلان دعم غير مشروط للحكومة السورية على الرغم من الضغط الهائل الذي مارسته على منظمته إيران ، داعمها الرئيسي.

ومع ذلك ، كان على استعداد للتوسط بين الحكومة وحركة الاحتجاج السورية، وأنا على دراية شخصية، بموقف واحد على الأقل، حيث تدخل شلّح شخصياً لضمان إطلاق سراح زعيم إسلامي سوري كان يجري استجوابه من قبل جهاز المخابرات السورية سيئ السمعة.

وكان الشخص المعني قد سُجن للمرة الثالثة بحلول ذلك الوقت. كان هناك العديد من فروع المخابرات العاملة في دمشق ، كل واحد منها غير مدرك تمامًا للعمليات التي يجريها الآخرون.

التقيت شلّح بعد فترة من فرار الشخص المعني إلى المنفى وسألته إذا كان قد سمع الأخبار عن فرار الشخص المعني، فضحك وأخبرني أنه تدخل لتأمين الإفراج عنه وفرّ!

أبعد من السياسة

عندما تعرفت على شلّح اكتشفت أن السياسة لم تحده. فقد تجاوزت اهتماماته إلى الأدب والشعر والثقافة الشعبية والتراث الإسلامي التقليدي.

لقد كان من محبي الكتب الذين احتفظوا بمكتبة مثيرة للإعجاب في حالة نقية.

نادرا ما كنت خلال زياراتي له، لا أجد فيها كومة من الكتب الجديدة مكدّسة على مكتبه. كل ما لم يتمكن من الحصول عليه في دمشق بسبب الرقابة ، كان يحصل عليه من بيروت.

لقد وجدته ذات مرة وهو يتصفح في رواية علاء الأسواني " شيكاغو" ، التي تتناول العنصرية والصراع بين الثقافة العربية والغربية بعد 11 سبتمبر.

سألته عن رأيه في الرواية، فاستحضرمشهدًا من الكتاب حيث يقوم أحد المسؤولين العرب باستدعاء فتاة لشهوته ، وشعر بخيبة أمل عندما وجد امرأة سوداء تطرق على بابه. لم يصدم فقط بالاستجابة العنصرية للشخصية ، ولكن من الواضح أن مشاعره الإسلامية استفزت بسبب هذا المحتوى.

في مناسبة أخرى ، سألته عن فيلمه المفضل ودون تردد أجاب أنه فيلم المخرج إدوارد زويك "The Last Samurai" ، بطولة توم كروز.

ثم تحدث عن كيفية معرفته بالفيلم: حيث كان شلّح مع القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية يجريان نقاش معمّق في مكتبه، الذي سأله فجأة عما إذا كان قد شاهد الفيلم. رد أنه لم يفعل ذلك ، لذا وعد مغنية بإحضار نسخة منه وفي المرة التالية التي زاره فيها شاهدا الفيلم معًا.

فيما يتعلق بالشعر ، كان شلّح وطنيا بدون أدنى شك، كان يتلو من سطور الذاكرة للشاعر الوطني الفلسطيني محمود درويش الكثير مما يحفظ .

هذا ليس مفاجئًا ، لأنه لم يكن هناك شاعر آخر قادرًا على التقاط آلام المنفى مثل درويش، معبراً عنه بأفضل أسلوب في قصيدته :"الأرض تغلق علينا"

في هذه الصورة المتحركة للمنفى يسأل الشاعر:

ـ أين يجب أن نذهب بعد الحدود الأخيرة؟

ـ أين يجب أن تطير الطيور بعد السماء الأخيرة؟

ومع ذلك ، فإن اللجوء ليس سوى مظهر جسدي للنفي. على الرغم من أن شلاح اضطر إلى النضال من أجل قضية شعبه من خارج الوطن ، إلا أنه لم ير هذا على أنه رادع أو عائق.

فهم شلّح مثله مثل الإصلاحي الإسلامي في القرن الرابع عشر إبن تيمية ، المدفون أيضًا في دمشق ، أنه عندما يرتفع المنفى إلى حالة روحية ، فإنه يعززعزم المرء للوصول إلى العدالة.

كان شلّح يعرف جيداً ما يعنيه ابن تيمية عند التفكير في حالته الوجودية بهذه الكلمات المؤثرة حين قال: "ماذا سيفعل أعدائي معي؟ حديقتي وجنتي في قلبي، سجني هو عزلة وتعبد، إقصائي ونفيي سياحة، قتلي استشهاد ".

لقد فقد الشعب الفلسطيني قائداً عظيماً ، ولكن ليس لدي أدنى شك في أن رفاقه وأصدقائه سيجدون العزاء وهم يعلمون أن شلّح الآن برفقة مولاه الخلاق – في الرفيق الأعلى . ارقد بسلام أبو عبد الله ؛ سيستمر نضالك!