الإعلام الحربي _ خاص
وتستمر قوافل الشهداء، قوافل العظماء الذين عرفوا سبيل العشق الحقيقي فجعلوا تلك الديار الباقية عنواناً لهم ورسموا إليها دربهم بدمائهم الزكية، فلبوا نداء الجهاد والحق، وَهَبُّوا نصرةً لدين الله ولمسرى نبيه الكريم.
رحلت أجسادهم عن عالمنا دون عناء، وبقيت أرواحهم حيّة فينا.. بقيت ذكرياتهم.. تضحياتهم.. ضحكاتهم.. بسماتهم.. أخلاقهم، صدقوا الله فصدقهم، ورزقهم الشهادة مُقبِلين غير مُدبرين، فهنيئاً لهم الفردوس الأعلى، حديثنا اليوم عن الشهيد المجاهد محمد القرعة.
بزوغ الفجر
في الفاتح من شهر أغسطس من العام 1994م، أطلَّ نور وجه شهيدنا المجاهد محمد معين محمد القرعة وتنسم أولى نسمات هواء فلسطين العليل، في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
وتربى في ظل أسرة فلسطينية متواضعة ملتزمة بتعاليم الإسلام العظيم، وتعود أصولها لبلدة حمامة التي هجرَّ الاحتلال الصهيوني أهلها ظُلماً وعدواناً في العام 1948م.
درس شهيدنا محمد حتى الصف السادس الابتدائي، ثم ترك دراسته نظراً للوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه أهالي قطاع غزة، وتفرَّغ للعمل وإعالة أسرته وتوفير لقمة العيش والحياة الكريمة لها.
مثالاً يحتذى به
عُرِف الشهيد المجاهد محمد القرعة بصدقه وتواضعه وحبه للخير، وكان ناصحاً أميناً لإخوانه، طيباً كريماً ليِّناً في تعامله مع الآخرين.
وكان مثالاً يُحتذى به في بر الوالدين وصلة الرحم، حيث كان يُقدِّم الرعاية الصحية اللازمة لجدته المريضة، ولا يتردد في خدمتها.
وتميَّز شهيدنا محمد بجرأتِه وشجاعته، حيث كان جديراً بالثقة يعمل في كل الظروف والمناسبات، يقف بجانب أصدقائه ويُدافع عنهم.
المشوار الجهادي
اتسم شهيدنا المجاهد محمد القرعة بالسِّرية والكتمان، وكان مُحبَّاً للجهاد والمقاومة، عاشقاً لثرى فلسطين الطاهر، تهفو عيونه إلى زيارة المسجد الأقصى المُبارك والصلاة في رحابه.
فكان مسجد الإحسان بمدينة النصيرات نقطة الانطلاق لشهيدنا في دروب الجهاد والمقاومة، فكان منذ صغره ملتزماً بأنشطة حركة الجهاد الإسلامي وفعالياتها كافة، وفي العام 2012م التحق بصفوف سرايا القدس، حيث تلقى العديد من الدورات العسكرية والميدانية التي أهلَّته ليكون مجاهداً صنديداً من مجاهدي سلاح المدفعية الميامين بلواء الوسطى.
وكان الشهيد محمد شديد الالتزام بأوامر قيادته، كثير الرباط من شدة حبه له ولثوابه العظيم، يتسابق في ميادين الإعداد، متفانياً في عمله، فارساً مغواراً لا يخشى في الله لومة لائم، ويسجل له مشاركته في دكِّ مواقع ومغتصبات العدو الصهيوني بحمم قذائف الهاون خلال مشواره الجهادي.
رحلة الخلود
كان شهيدنا محمد القرعة على موعد مع الاصطفاء الرباني، في الخاتم من شهر رمضان المبارك 1442هـ، الموافق 12-5-2021م، وبينما كان يدكُّ المواقع العسكرية والمغتصبات الصهيونية بالصواريخ والقذائف المباركة خلال معركة سيف القدس مع رفاق دربه الشهيد محمد شاهين والشهيد أحمد الطلاع والشهيد حمزة الهور، استهدفتهم طائرات الحقد الصهيوني بصواريخها الغادرة، ليرتقوا إلى علياء المجد والخلود مُقبِلين غير مُدبرين قبل آذان المغرب بساعةٍ واحدةٍ، لتتعانق أرواحهم وتمزج دماؤهم الطاهرة ويلقوا ربهم وهم صائمون، ويُتمثَّل فيهم حديث النبي –صلَّ الله عليه وسلم-: "وللصائم فرحتان يفرحها: فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربه"، ويكون عيدهم في الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.

