صور.. المحرر فياض: عيد الأسرى الأكبر يوم يتنسمون عبق الحرية

الإثنين 19 يوليو 2021

الإعلام الحربي _ خاص

عَالَمٌ مُختلفٌ، لا يُشبِه عالَمَنا، مُدَّججٌ بأحدثِ تقنيات المُراقبة والتصنت والتجسس، لو نَطقَ لَرَوى واقعاً مَريراً مَليئاً بشتى صنوف المأساة والقهر والاضطهاد، مفروضٌ على مَنْ بداخله العَيش خَلف جُدُرٍ مُحصَّنةٍ بأصلب أنواع الفولاذ والأسلاك الكهربائية الشائكة، حياتُهم محصورةٌ في ساعاتٍ وأوقاتٍ محددةٍ، ومُحرومون من أبسط حقوقهم، لا يَرون النورَ إلا قليلاً، ويَتعرضون لأقسى أساليب التعذيب الجسدي والنفسي على يدِ عصاباتٍ فاشِيَّةٍ مُتطرفةٍ تتلذذُ بآهاتِهم وعذاباتِهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

هكذا يُمكننا وصفُ حياة الأسرى الفلسطينيين داخل سجون ومعتقلات الاحتلال الصهيوني، غَيْر أنَّهم رغم هذه الأساليب والسياسات "الوحشية" لا يَزدادون إلا عزةً وكرامةً وثباتاً وصموداً.

مراسل موقع السرايا زَار الأسير المحرر يوسف محمد فياض (35 عاماً) في منزله ببلدة القرارة شمالي شرقي مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، والذي أُفرِج عنه قبل أشهر بعد قضائه مدة 13 عاماً في سجون الاحتلال؛ للحديث حول معاناة الأسرى واستقبالهم للأعياد والمناسبات الدينية والوطنية.

برنامج فولاذي

يقول المحرر فيَّاض: "تَجربةَ السِّجن هي تجربة انتقالية عاشَها أكثر من مليون فلسطيني، ولا زَال يَعيشها ما يقارب 5000 أسير بينهم 500 يقضون حكماً مدى الحياة".

ويُؤكد فيَّاض أنه رغم الواقع السوداوي الذي يعيشه الأسرى داخل غياهب السجون، إلا أنهم استطاعوا خَلْقَ نظامٍ فولاذيٍ وإيجاد برنامج مُحكَمٍ لتنظيم حياتهم داخل الأَسرِ، سواء أكان ذلك على المستوى الإداري أو التعليمي أو النِّضالي.

ويُضيف: هذا النظام هو حصيلة خبرات الأسرى وسنين أعمارهم التي أفنوها في السجون، مُشيراً إلى أنهم يحرصون على الالتزام به بكل الوسائل والإمكانيات المُتاحة.

ويُتابع بالقول:" تتوزع المهام اليومية على الأسرى داخل السجون، ففريق يتولى مهمة إعداد الطعام، وثانٍ يقوم بالتنظيف والترتيب، وثالث مسؤول عن تعليم الأسرى وإلقاء المحاضرات..".

وعن علاقة الأسرى ببعضهم داخل السجون، قال المحرر فيَّاض:" الأسرى متماسكون مترابطون تجمعهم علاقات الأُخُوَّة والمحبة والصبر والثبات، ويُتشاركون أفراحهم وأتراحهم"، مُبيِّناً أنهم قدَّموا وما زالوا يُقدِّمون الغالي والنفيس من أجل كرامة الأمة وشعبنا، فهم أقوى من السجن والسجان، وثقتهم بالنصر كبيرة؛ لأنهم أصحاب حقِّ وإرادة.

ويتفاعل الأسرى في السجون الصهيونية مع القضايا والمناسبات الوطنية، فهم جزءٌ أصيلٌ من هذا الشعب الصامد المرابط، لا ينفصلون عن قضاياه وهمومه، ويقول فيَّاض: "يُتابع الأسرى عن كثب كل الأحداث والمستجدات على الساحة الفلسطينية، ويتأثرون بالوضع السياسي العام الذي ينعكس بشكل كبير داخل السجون، فقلوبهم تبقى دائماً مع أهلنا الصامدين الصابرين في كافة مدن وقرى وطننا الحبيب".

إهمال متعمد

أما عن ظروف المعتقل خلال جائحة كورونا، فيشير فيَّاض أنه أُصيب بالوباء بعد أقل من أسبوع من تلقي الجرعة الأولى من لقاح "فايزر"، وعلى إثر ذلك تم نقله إلى قسم "8" في سجن رامون، وتم حجره لمدة 21 يوماً داخل القسم بدون أي اهتمام وغياب الكادر الطبي والرعاية الصحية وعدم إجراء فحوصات، حتى أنه منع إدخال مواد التنظيف والمُعقمات في أشدِّ لحظات الحاجة إليها.

ويتابع بثقةٍ وعزم: "رغم كل هذه السياسات الوحشية والانتهاكات التي تُخالف القوانين والمواثيق والأعراف الإنسانية إلا أن الأسرى يزدادون ثباتاً وصموداً وأنفاً ويُواصلون نضالهم ضد هذا الكيان البغيض".

معركة الكرامة

ورداً على سياسات الاحتلال القمعية؛ ومع انطلاق معركة الأمعاء الخاوية، خاضَ المحرر فيَّاض إضرابين مفتوحين عن الطعام، الإضراب الأول كان عام 2012م واستمر ما يربوا عن 28 يوماً، أما الإضراب الثاني فقد كان عام 2017م واستمر 40 يوماً.

وأضاف فيَّاض: سطَّر الأسرى في معركة الكرامة أسمى معاني النصر والعزة والثبات والصمود، فكان شعارهم كرامتنا أغلى من الطعام والشراب.

وتابع بالقول:" نَجحتِ الحركة الأسيرة في فرض معادلة ردع جديدة وكسر عنجهية وأنفة هذا الكيان البغيض وتحطيم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر وإجباره على تحقيق مطالب الأسرى صاغراً رغماً عن أنفه".

الأعياد تُجدِّد الذكريات

وعن كيفية قضاء المناسبات الوطنية والشعائر الدينية والأعياد، يُجيب فيَّاض:" لكل مناسبة طقوس خاصة ونكهة مختلفة عن المناسبات الأخرى، -فعلى سبيل المثال- يستقبل الأسرى شهر رمضان المبارك بالعبادات الروحانية، وزيادة الطاعات والقربات، وصلة الرحم والتواصل مع أهلهم وذويهم عن طريق أجهزة الاتصالات المهربة".

ويُتابع: "يتعاون الأسرى خلال الشهر الفضيل ويُطلقون مبادرات جميلة؛ لاستغلال هذا الشهر الكريم في القربات وزيادة المحبة والتآلف، فتضع كل مجموعة أو غرفة برنامجاً مُعيَّناً لختم القرآن الكريم، والجلسات الإيمانية، وقيام التراويح، كما يضعون جدولاً للإفطار وأعمال الترتيب والتنظيف".

أما عن أعياد الأسرى فهي حكايةٌ أخرى فصولها تتجاوز كافة أشكال الألم، ويشرح المحرر فيَّاض لمراسل مواقع السرايا والحزن يبدو واضحاً على قسمات وجهه:" أعياد الأسرى ممزوجة بنكهة الألم، إذ تُجدِّد الذكريات وتَفتح الجراحات، فلوعة الفراق والبُعد عن الأهل والأحباب تقتل بهجَته وأجواءه، وفَرحة الأسرى تبقى منقوصة وحزينة حين يتذكرون الأعياد التي قضوها مع عائلاهم، ويَتمنون لو كانوا معهم ويشاركوهم الفرح والسرور في هذا اليوم، فالعيد الأكبر للأسرى هو يومَ يُعانقون الحرية ويتنسمون عبيرها العليل.

وتابع قوله:" لكن رغم لوعة الفراق والاشتياق يَتعالى الأسرى على جراحهم، ويُحاولون خلقَ جوٍّ من الفرحة والبهجة، وتلطيف الأجواء ليعيشوا ما يستطيعون من فرحة العيد والتكيُّف مع الواقع المفروض".

ويُكمل:" يَختلف برنامج الأسرى يوم العيد عن سائر الأيام، فيتجهز الأسرى مُبكِّراً للعدد الصباحي، وتصدح حناجرهم بالتكبير والتهليل، ومن ثم يؤدون صلاة العيد، ويستمعون لخطبة العيد التي تحث على الصبر والصمود والثبات".

وأوضح فيَّاض أن الأسرى يتجهزون لاستقبال العيد قبل أيام من حلوله، حيث تتوزع المهام على الأسرى، فيُحضِّر بعضهم "الفسيخ"، حيث يقومون بشراء علب السردين من "الكنتينا"، والعمل على تصفيتها ودفنها بالملح قبل أسبوع من العيد، وفي يوم العيد يتم تجهيزها وتقديمها ضمن وجبة الإفطار.

وتابع المحرر فيَّاض بالقول:" يُحاول بعض الأسرى صنع حلوى العيد كالكعك والمعمول والقطايف، من الإمكانيات والمواد المتوافرة لديهم، حيث إنَّ الاحتلال يمنع إدخال بعض الأطعمة والمواد الخاصة بصنع الحلوى، غيرَ أنَّ هذه الحلويات لا تمُتُّ بصلةٍ إلى الحلوى التي تصنعها الأم والأخت".

رسالة الأسرى

وعن رسائل الأسرى، يقول فيَّاض:" إن الأسرى الفلسطينيون صابرون صامدون ويقفون على قلب رجل واحدٍ، فجهادُهم مُقدَّس ومسيرة نضالهم مستمرة حتى دحر الاحتلال الصهيوني وقطعان مستوطنيه عن كل شبرٍ من ثرى أرضنا الطاهرة".

ويُضيف: رسالة الأسرى الأولى مُوجَّهَةٌ للمقاومة الفلسطينية أنِ اعملوا جاهداً في سبيل تحريرهم، ويُؤكدون أن المفاوضات لا تَجدي نفعاً مع هذا العدو الغاشم، وأنَّ القُوَّة والتمسك بالجهاد والمقاومة وأسر الجنود هي اللغة الوحيدة الوحيدة التي يفهما العدو.

ويُكمل:" أما الرسالة الثالثة فهي رسالة إدانة واستنكار للمُطبعين والمتصهينين، إذ يُجدِّون التأكيد على أن فلسطين هي القضية المركزية والبوصلة الحقيقية، وأن محاولات التطبيع لن تُجدي نفعاً، والمُطبعون سيلعنهم التاريخ وسيكتبهم بأحرف سوداء. 

عزيمة واجتهاد

من رحم المعاناة تُولد العزيمة والمُثابرة، فقد أكمل فيَّاض دراسته الجامعية وحصل على درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى، بعد أن كان يَدرس عِلم النفس في جامعة الأزهر قبل اعتقاله.

كما استثمر فيَّاض فترةَ سجنه وشاركَ في الدورات التعليمية والورشات التدريبية التي يُنظمها الأسرى داخل السجون، وحصل على شهاداتٍ في الإسعاف الأولي والإعلام والتنمية البشرية واللغة العبرية وفي الفقه والسنة والسيرة والتاريخ.

وتنسَّم الأسير يوسف محمد فيَّاض عبير الحرية في الفاتح من شهر إبريل من العام الجاري، بعد أن أنهى مدة محكوميته البالغة 13 عاماً داخل سجون الاحتلال الصهيوني.

وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت فيَّاض بتاريخ 03-04-2008م، حيث وجهت له المحكمة العسكرية الصهيونية تهمةَ الانتماء إلى صفوف حركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا القدس، والمشاركة بعملياتٍ للمقاومة ضدَّ قوات الاحتلال.