القائدين «الخطيب والضعيفي».. دماءٌ أنبتت جيلاً لا يعرف الهزيمة

الإثنين 26 يوليو 2021

الإعلام الحربي _ خاص

ها نحن نعيش اليوم مع سيرة قائدين من صناديد الإسلام والجهاد وفلسطين.. شهيدين عرفتهم حواري المخيمات.. وكروم الزيتون والحمضيات والأحراش التي طالما خبأتهم عن عيون الأعداء وعملائهم.. وهم يعدون العدة ويضعون الخطة تلو الخطة لتكبيد جيش الاحتلال الصهيوني الخسائر الفادحة في جنودهم وعتادهم، ليصنعوا بتضحياتهم فجر حريتنا وكرامتنا.. وليكتبوا بدمائهم التي سالت فوق رمال غزة المراق أسطورة عشق لأرض باركها الله وجعلها مهبط لديانات وأرض الرسالات السماوية، إنهم الشهيدين القائدين عمر الخطيب "أبو عرفات" وخليل الضعيفي "أبو زيد".

تطل علينا اليوم 26-7 ذكرى رحيل قائدين من أبرز قادة سرايا القدس في مدينة غزة، (عمر الخطيب وخليل الضعيفي) هؤلاء الأبطال الذين أبدعوا في مقارعة أعداء الله، وسطروا أروع ملاحم العز والتضحية والفداء بدمائهم وأشلائهم، وتركوا خلفهم جيلاً مجاهداً لا يعرف الهزيمة ومازال حافظاً للعهد والوصية، مواصلاً طريق ذات الشوكة المعبدة بالدم والتضحيات الجسام.

الشهيد القائد/ عمر عرفات الخطيب

ولد شهيدنا القائد "عمر عرفات محمد شفيق الخطيب" "أبا عرفات" في مخيم الشاطئ بمدينة غزة الباسلة بتاريخ 27/7/1975م. تربى الشهيد الفارس "أبا عرفات" في أسرة كريمة، ولم يتمكن من العيش في مسقط رأس العائلة ألا وهي بلدة "القبيبة" قضاء مدينة الرملة المحتلة إذ هاجر منها أهلها إثر نكبة عام 1948نشأ شهيدنا القائد "عمر الخطيب" وسط أسرته المكونة من والديه وأربعة من الأخوة واثنتين من الأخوات. تتكون أسرة شهيدنا المجاهد "أبا عرفات" من زوجته وأبنائه الأربعة، (ثلاثة من الذكور وبنت واحدة). 

أحب الشهيد القائد "أبا عرفات" حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين فالتحق في صفوف الحركة مع البدايات الأولى لانتفاضة الأقصى المباركة، ليتربى على نهج الدكتور المعلم الشهيد "فتحي الشقاقي" وليسير على درب الإيمان والوعي والثورة، ونظراً لحب شهيدنا للمقاومة والجهاد التحق في صفوف الجهاز العسكري "سرايا القدس"، في العام 2001م، فكان يعمل بلا كلل أو ملل، ونظراً لنشاطه المميز في العمل العسكري، أصبح من القادة الميدانيين البارزين في "سرايا القدس" في قطاع غزة.

تمتع الشهيد القائد عمر الخطيب بصفات أمنية وعسكرية بحته, كان لا يعطي المعلومات إلا لمن يستحقها وبقدر، ولا أحد كان يعرف بماذا كان يفكر الشهيد "أبو عرفات، ففي عملية الصيف الساخن، والتي كاد فيها الاستشهادي محمد الجعبري أن يأسر جندي صهيوني، لم يكن أحد من المجموعات التي خرجت لتشارك في المهمة الجهادية وخاصة الاسناد الناري، أنها عملية اقتحام لموقع (كيسوفيم العسكري) إلا الاستشهاديين فقط، فقد طلب الشهيد "أبو عرفات" من كل الوحدات المشاركة التواجد في مسرح العملية لتنفيذ مهمة بعينها دون علمها بوجود الوحدات الأخرى المشاركة في نفس الهدف.

إن أكثر ما كان يميز شخصية القائد عمر الخطيب هي الجدية في العمل والتفاني به، فقد كان رحمه الله لا يترك صغيرة ولا كبيرة في العمل العسكري إلا يضع لها حساباتها الدقيقة، فدائما ما كان يضع خطة للانسحاب الآمن للاستشهاديين قبل وضع خطة الهجوم ". ووصفه كل من عرفه بـ "القائد العسكري من الطراز الأول".

تميز القائد أبو عرفات بكثرة علاقاته بقادة المقاومة وخاصة قادة العمل العسكري لسرايا القدس في محافظات غزة, وهذه الشبكة "الأخطبوطية" مكنته من تنفيذ العديد من العمليات الجهادية في كافة محافظات الوطن.

الشهيد القائد/ خليل مصباح الضعيفي

ولد شهيدنا القائد خليل مصباح حسين الضعيفي «أبا زيد» في مخيم الشاطئ بمدينة غزة الباسلة في العام 1958م. تربى الشهيد الفارس «أبا زيد» في أسرة كريمة، ولم يتمكن من العيش في مسقط رأس العائلة ألا وهي بلدة «القبيبة» قضاء مدينة الرملة المحتلة إذ هاجر منها أهلها إثر نكبة عام 1948.

درس الشهيد «خليل الضعيفي» حتى المرحلة الإعدادية، ونظراً للظروف المعيشية الصعبة التي كانت تمرّ بها الأسرة ترك الشهيد الدراسة والتحق بالعمل ليسدّ احتياجات أسرته اليومية حيث عمل في مجال البناء والطوبار.

كان شهيدنا «أبا زيد» ملتزماً الصلاة في المسجد الأبيض والمسجد الغربي في مخيم الشاطئ، وعرف عنه بأنه كان باراً بوالديه الأكارم، فكان مطيعاً لهم ولا يعصى لهم أمراً.

يعتبر الشهيد المجاهد أحد الأعمدة الرئيسة في أسرته لاسيما بعد وفاة والده في العام 1971م، ووفاة أخيه الأكبر راشد، فلقد تحمل الشهيد «أبا زيد» أعباء الأسرة وكان محبوباً من الجميع وكما قال ذووه (عاش سبعاً ومات سبعاً) حيث كان رجلاً وسبعاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

كان المجاهد «أبا زيد» حريصاً على المشاركة في تشييع جنازات الشهداء الأبرار، فدوماً تجده في الصفوف الأولى. كان شهيدنا المجاهد مثالاً للتواضع والعنفوان.

ونظراً لحب شهيدنا للمقاومة والجهاد التحق في صفوف الجهاز العسكري «سرايا القدس»، في العام 2001م، فكان يعمل بلا كلل أو ملل، ونظراً لنشاطه المميز في العمل العسكري، كُلف من قِبل قيادة سرايا القدس بقيادة المهام الصعبة، وقد نجح شهيدنا القائد «أبا زيد» في ذلك ـ الأمر الذي أهَّله فيما بعد لأن يصبح من القادة الميدانيين لسرايا القدس في مدينة غزة.

ارتبط شهيدنا القائد «خليل الضعيفي» بعلاقات طيبة مع الجميع، وكانت تربطه علاقة الصداقة بعدد كبير من الشهداء، عرف منهم الشهداء القادة: (بشير الدبش ـ أبا الوليد الدحدوح ـ أبا عرفات الخطيب)، حيث كانت تربطه بهم علاقات الأخوّة والمحبة، أكبر من كونها علاقة تنظيمية.

عُرف الشهيد القائد خليل الضعيفي بطيبة القلب, وروحه المرحة، كما تميز بشعوره الدائم للمسئولية اتجاه إخوانه المجاهدين، فقد كان في كثير من المهمات الجهادية يتقدمهم بنفسه، وخاصة مهمات إطلاق الصواريخ القدسية التي كان له الفضل في تطويرها ودخولها بقوة في معركة الصراع المتواصلة.

قادة صنعوا المجد

شارك الشهيدين القائدين الخطيب والضعيفي في عدة عمليات جهادية منها:" عملية إطلاق النار على موكب وزير الحرب الصهيوني الأسبق "شاؤول موفاز" لدى زيارته لقطاع غزة، وإطلاق قذيفة (RBG) قرب معبر كارني العسكري, واستهداف باص لنقل الجنود الصهاينة في نفس المكان، وغيرها ناهيك عن عدة محاولات للكشف عن العملاء وملاحقتهم واعتقالهم".

كما وشارك القائد "أبا عرفات" مع القائد "خليل الضعيفي" في شهر (يونيو 2007م) في عملية إلقاء القبض على العميل (ف.د) خلال قدومه من أحد المواقع العسكرية على الشريط الحدودي داخل أراضينا المحتلة عام 1948م.

كما شارك الشهيدين القائدين عمر الخطيب وخليل الضعيفي برفقة الشهيد القائد محمد الدحدوح "أبو عبيدة" إطلاق أول صاروخ "غراد" يخرج من الأراضي الفلسطينية باتجاه المدن الصهيونية, بالإضافة إلى العشرات من عمليات إطلاق الصواريخ المتكررة, فقد ارتبط اسمهم بشكل مباشر بعمليات إطلاق الصواريخ، وذلك لكثرة نشاطهم في المناطق الحدودية.

وتجدر الإشارة إلى الشهيد القائد عمر الخطيب يعتبر العقل المدبر والمسئول الأول عن عملية تفجير الزورق الحربي الصهيوني (عملية بدر الكبرى) التي وقعت في السابع عشر من شهر رمضان الموافق 22/11/2002م، والتي أدت إلى إصابة 4  جنود من سلاح البحرية الصهيوني بجراح خطيرة، ونفذها الاستشهاديين جمال إسماعيل ومحمد المصري, بعد أن قام بتدريبهم على السباحة وقيادة القوارب وغيرها.

 كان للشهيد القائد "أبا عرفات الخطيب" دور مهم في العملية النوعية المشتركة بين (سرايا القدس وكتائب شهداء الأقصى وكتائب القسام) ضد القوات الصهيونية في منطقة "إيرز" بتاريخ 6/3/2004م، حيث تم مهاجمة الموقع بواسطة جيبات عسكرية شبيهه بجيبات قوات الاحتلال الصهيوني.

كما أشرف الشهيد أبوعرفات على عملية كسوفيم المشتركة بتاريخ 6/7/2004م والتي نفذها الاستشهاديان "عمَّار الجدبة" من سرايا القدس و"إبراهيم عبد الهادي" من كتائب الأقصى، كما قام بتجهيز الاستشهادي "مصعب السبع" منفذ عملية إيرز الاستشهادية بتاريخ 21/2/2003م.

كان للشهيد القائد «خليل الضعيفي» الدور الكبير مع الشهيد القائد «بشير الدبش» وبالاشتراك مع الأخوة في «كتائب القسام» في التخطيط للعملية البطولية المشتركة في مغتصبة «نتساريم» بتاريخ (24/10/2003م)، والتي أدّت إلى مقتل ثلاثة جنود صهاينة وإصابة آخرين بجراح، وقد استشهد في العملية الاستشهادي «سمير فودة» من كتائب القسام وعاد الاستشهادي من سرايا القدس إلى قاعدته سالماً تحفظه عناية الرحمن.

أشرف الشهيد القائد خليل الضعيفي على العديد من الدورات التدريبية لمجاهدي سرايا القدس ـ وخصوصاً الاستشهاديين منهم ـ على عمليات الاقتحام للمغتصبات الصهيونية، كما شارك في العملية البطولية قرب مغتصبة «كفار داروم» وأدت في حينه إلى مقتل جنرال صهيوني.

شكل الشهيد خليل الضعيفي وحدة صاروخية خاصة مكونة من مجموعتين، ودربهم وأعدهم لأن يكونوا على أتم الجهوزية لتنفيذ المهمات الجهادية، وكان على رأس الوحدة الصاروخية لسرايا القدس في مخيم الشاطئ حيث شارك في إطلاق العشرات من صواريخ (قدس3) وقذائف الهاون على المغتصبات الصهيونية لاسيما مغتصبة «سديروت» ومدينة «المجدل» المحتلتين.

كانت آخر عمليات القائدين "الخطيب" و"الضعيفي" عملية الصيف الساخن البطولية بموقع كيسوفيم العسكري، والتي نفذها الاستشهادي محمد الجعبري وعدد من الاستشهاديين الذين كُتب لهم العودة بسلام، وأدت العملية البطولية وقتها إلى مقتل أربعة جنود صهاينة على الأقل، ثم تم التخطيط والتجهيز لعملية موقع (ميغن) العسكري الصهيوني ولكن قدر الله والشهادة كان أسبق لهما.

العدو.. أراد قتل دماغ السرايا

تعرض القائد أبو عرفات والشهيد خليل الضعيفي لمحاولة اغتيال فاشلة قبل استشهاده بثلاثة أيام, وكان قد اتصل به ضابط مخابرات صهيوني يدعى "الكابتن عامي" وقال لأبو عرفات أنت لا تملك شيء سوى عقلك, ونحن سنغتال دماغ العمليات لـ "سرايا القدس".

وبالفعل حين استشهد أبو عرفات كرر المدعو "الكابتن عامي" الاتصال بزوجة الشهيد عمر الخطيب وقال لها :" ها قد تخلصنا من زوجك وارتحنا منه "، في إشارة إلى مدى فرحة الكيان الصهيوني بحادثة اغتياله هو ورفيق دربه الشهيد خليل الضعيفي، ومعهم الشهيد المجاهد أحمد البلعاوي، وجميعهم من مخيم الشاطئ بغزة.

رحيل القادة

ظهر يوم الخميس الموافق 26/7/2007م كان القائدين (عمر الخطيب – خليل الضعيفي) والمجاهد أحمد البلعاوي على موعد مع الشهادة، حيث كانوا متوجهين لتنفيذ أحد المهام الجهادية حين استهدفت طائرات العدو الصهيوني السيارة التي كانوا يستقلونها بالقرب من مفرق الشهداء وسط مدينة غزة، فارتقى الفرسان الثلاثة إلى العلياء شهداء كما أحبوا وتمنوا.