(تعـــــاظم تحــــدي المقــــــــــاومة)
-الكتاب تعاظم تحدّي المقاومة وأثره على نظرية الأمن القومي الصهيوني.
-المؤلف ميخائيل ميلشتاين.
-عدد الصفحات 22 .
-الناشر معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني.
-الطبعة الأولى فبراير 2010.
يشكل الكتاب الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني، المعنون بـ «تعاظم تحدي المقاومة وأثره على نظرية الأمن القومي الصهيوني»، إضافة هامة لجهة إدراك العقل السياسي والعسكري الصهيوني، للتطورات والتغييرات الدراماتيكية، التي أحدثتها المقاومات في فلسطين ولبنان، في نظرية الأمن القومي الصهيوني.
وإذ يسعى مؤلفه، ميخائيل ميلشتاين، إلى تشريح للفلسفة السياسية والعسكرية لحالات المقاومة، فإنه لا يتوقف عند حدود التوصيف والتحليل، بل يسعى لبلورة ما أسماه بـ «الرد المناسب في إطار العقيدة الأمنية الصهيونية»، وذلك في أعقاب تحول المقاومة إلى واحد من « التهديدات الأخطر التي يواجهها الكيان الصهيوني حاليا »، كما يقول المؤلف.
وينقسم الكتاب إلى أربعة فصول، هي على التوالي النضال كقيمة عليا؛ أسطورة في اختبار الواقع؛ تغييرات في المنطقة؛ تحدي المقاومة للكيان الصهيوني. هذا فضلا عن تقديم الكتاب رؤية استشرافية تحت عنوان نظرة إلى المستقبل، جاءت بمثابة خاتمة للكتاب.
على الرغم من أن ميلشتاين، سعى في الفصل الأول، لتغريب مصطلح المقاومة عن المنطقة، باعتبار أن هذا المصطلح ظهر خلال الحرب العالمية الثانية كاسم لمجموعات المنظمات السرية التي عملت في أنحاء أوروبا ضد القوات النازية، إلا أنه أقرًّ، فيما بعد، بأن الفلسطينيين سعوا لتبيئته حينما أعطوا هذا المصطلح تفسيراً عملياً عبر «التمسك بالنضال العنيف كإستراتيجية وكطريقة حياة».
وفي إطار متابعته ورصده للتغييرات التي طرأت على مصطلح المقاومة، يشير إلى أن تغييراً جوهرياً قد طرأ على جوهر المقاومة، تمثل في أن الحامل السياسي لهذا الفكر بات الأحزاب والحركات الإسلامية بعدما كانت الأحزاب القومية والعلمانية، ويعزو ذلك إلى أن العقد المنصرم قد شهد تحولات كبيرة (الانسحاب الصهيوني من لبنان 2000، اندلاع انتفاضة الأقصى، الانسحاب من قطاع غزة، حرب لبنان الثانية، عملية الرصاص المصبوب).
ويبدو أن هذه التغييرات، هي التي أعطت بالفعل مضمون المقاومة معنى ومبنى مختلفين تماما عما سبق في مشهد الصراع العربي الصهيوني، فلم يعد الأمر يتعلق بفكرة سياسية، وإنما بـ «ثقافة بديلة» تسعى هذه المقاومات لإحلالها.
ولعل نحت المؤلف لهذا المصطلح «المقاومة الجديدة» لا يخلو بكل تأكيد من بُعد استشراقي عنصري واضح من خلال تأكيده على أنه يحمل مضموناً عدائياً للآخر، أياً كان هذا الآخر، وذلك بخلاف مصطلح المقاومة الوافد من الغرب، والذي حاول إعطاءه بعداً إيجابياً ومشروعية تاريخية وسياسية ضمن إطار ممارسته في الحيز المكاني الأوروبي فقط.
وفي هذا الصدد يمضي ميلشتاين في قراءته الاستشراقية لميزات فكرة المقاومة الجديدة، فيرى أن أهم ما يميزها أنها حركات مقاتلة مدفوعة «بقوة أوامر دينية إلهية ملزمة تستند إلى الوعد بنصر أكيد في المستقبل، وعلى رفض مطلق للخصم وبشكل خاص الكيان الصهيوني».
ويرى، أيضاً، أن عقيدة حركات المقاومة تستند إلى إستراتيجية النفس الطويل، مما يتطلب منها العمل على استنزاف معنويات الخصم، فما دام نضالها هو نضال تاريخي أبدي فإن نهايته منوطة بالقضاء على الكيان الصهيوني، وليس فقط بإحراز نصر عسكري.
من هنا يرى ميلشتاين أن المقاومة الجديدة ترفض رفضاً مطلقاً أفكار التسوية والتطبيع مع الكيان الصهيوني طالما أنها لا تؤول إلى القضاء على الخصم الكيان، وعليه فإنها وباستنادها إلى مفهوم «الصراع الأزلي» فهي تستمد مقولاتها وأطروحاتها الفكرية من البناء الثقافي الديني لما أسماه بالإسلام الأصولي المتطرف.
«المقاومة القديمة» و«المقاومة الجديدة»
سعى ميلشتاين لبناء مقاربات أبانت خطوط الاختلاف بين ما سماه «المقاومة القديمة» مع «المقاومة الجديدة»، فاعتبر أن «المقاومة القديمة» نشأت منذ نهاية الخمسينات واستمرت حتى بداية التسعينات، في حين أن ظهور «المقاومة الجديدة» بدأ منذ منتصف التسعينات فصاعداً. مقابل ذلك ضمت المقاومة القديمة بين جناحيها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، في حين ضمت «المقاومة الجديدة» حزب الله والجهاد الإسلامي وحماس تحديداً.
أما من حيث الأيديولوجية فكانت وطنية فلسطينية وقومية عربية في «المقاومة القديمة»، بينما اتسمت بإسلام أصولي في الحالة الثانية، وفي حين كانت ساحات الاشتباك في مصر والأردن ولبنان لدى «المقاومة القديمة»، فإنها تبدت في لبنان والضفة والقطاع في «المقاومة الجديدة».
وفيما يتعلق بالرئة الخارجية للمقاومتين، تلقت «المقاومة القديمة» دعماً من سوريا وليبيا والعراق، وباتت إيران وسوريا الدولتين الداعمتين لحزب الله والجهاد الاسلامي وحماس في «المقاومة الجديدة».
أما فيما يتعلق بالأهداف، اعتبر ميلشتاين، أن «المقاومة القديمة» طرحت شعار تحرير فلسطين والقضاء على الكيان الصهيوني وإنجاز الوحدة العربية، في حين أن «المقاومة الجديدة» لم تكتفِ بطرح شعار تدمير الكيان الصهيوني، بل بالقضاء على النفوذ الغربي في الشرق الأوسط، والسعي لإقامة نظام إسلامي في المنطقة، وأخيرا اعتبر ميلشتاين أن «المقاومة القديمة» طورت سياسيا من أدواتها وآلياتها سعيا لزعامة ذات دلالات دولة تحظى باعتراف دولي.
صعود «المقاومة الجديدة»
شكلت حرب لبنان الثانية (صيف 2006) أحد أكبر الأحداث التي اعتبرها ميلشتاين ذروة صعود خصم إسلامي أصولي يمثل « المقاومة الجديدة»، وأثبتت هذه الحرب، وفقاً للمنظور الصهيوني، خرافة الاعتقاد أن العرب قد تخلوا عن أفكارهم بشأن تدمير الكيان الصهيوني، بل أعطت هذه الحرب حافزاً جديداً لحركات المقاومة بأن القضاء على الكيان قابل للتحقق.
بالمقابل فإن تجربة الجهاد الإسلامي وحماس في المقاومة تمتلكان فرادة خاصة، وفي سياق تشريح ميلشتاين، لصعود «المقاومة الجديدة»، وعلى الرغم من أنها « لم يتراجعوا عن مبادئهم الفكرية ومازالوا يستعدون للمواجهة العسكرية مع الكيان الصهيوني ».
التحدي التقليدي والتحدي «تحت التقليدي»
في سياق تشريحه للتغييرات التي أحدثتها «المقاومة الجديدة» على العقيدة الأمنية الصهيونية، ابتكر ميلشتاين مصطلحين جديدين أولهما التحدي العسكري التقليدي، والآخر التحدي العسكري «تحت التقليدي»، ومن خلال المقارنة بينها في عدة قضايا هامة، دخل إلى التداعيات التي تركها تعاظم تحدي المقاومة على عقيدة الكيان الصهيوني الأمنية.
فما قصده ميلشتاين بالتحدي العسكري التقليدي تلك المواجهات العسكرية التي خاضها الكيان الصهيوني مع دول ذات سيادة (دول الطوق والعراق)، في حين أن التحدي «تحت التقليدي» هو ما واجهه الكيان الصهيوني من عمليات الفدائيين عبر الحدود، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، ومازالت عبر «المقاومة الجديدة».
واعتبر ميلشتاين، أن تغيير مكانة الخصم (المقاومة الجديدة) أدى إلى تعزيز مكانته سواء بالنسبة إلى حزب الله أو حماس أو الجهاد الاسلامي، معتبراً أن المواجهة في التحدي التقليدي قد طرأ عليها تغيير، فبعد أن كان الهدف القضاء على الكيان الصهيوني، تغلبت الاعتبارات المؤسساتية الوطنية للدولة، مما أدى إلى تليين الأهداف الأساسية، وحتى التوقيع على اتفاقيات سلام (مصر تحديداً)، كما أن التحدي العسكري «تحت التقليدي» قد طرأ عليه تغيير أدى في نهاية المطاف إلى الدخول في مسار أوسلو، بينما المقاومة الجديدة بلورت إستراتيجية جديدة تقوم على أيديولوجية أن القضاء على الكيان الصهيوني هو «واجب ديني شرعي ملزم»، مما اقتضى من الكيان إعادة صياغة مقولاتها الأمنية.
في التحدي العسكري التقليدي جرى القتال والحسم، بشكل عام، في المناطق الجغرافية المفتوحة، بينما في المواجهات غير التقليدية بات الداخل الصهيوني بمثابة جبهة و«هدف شرعي» «للمقاومة الجديدة».
وفي حين أن نطاق الفترة الزمنية في التحدي التقليدي، كان دائماً قصيرا جداً، فإن الزمن في التحدي العسكري «تحت التقليدي» يستند إلى «استنزاف دائم وليس على مشاهد قصيرة لمواجهات واسعة» وعلى «استمرار العمليات العسكرية وعرقلة رسم تسويات سياسية».
بيد أن ميلشتاين يعاود تحليل هذه المشاهد فيرى أن إستراتيجية الاستنزاف باتت بحد ذاتها سيفا ذا حدين، حيث إنها تستنزف حركات المقاومة نفسها، وربما أكثر مما هي تستنزف الكيان الصهيوني، ويعتبر ميلشتاين أن عدم إقدام حزب الله على القيام بعمليات عسكرية، بعد حرب 2006.
تحدي «المقاومة الجديدة» في المنظور الصهيوني
هنا يصل ميلشتاين إلى حدود تقديم مقاربات إستراتيجية تفيد صانع القرار السياسي والعسكري الصهيوني، إزاء صياغة أساليب المواجهة مع «المقاومة الجديدة».
بداية يدعو ميلشتاين القيادة الصهيونية إلى دراسة وفهم عميقين للواقع الجيوإستراتيجي القائم في المنطقة في إطار تحديها للمقاومة الجديدة، وعليه فعلى القيادة الصهيونية التخلي عن عدة فرضيات أساسية كانت سارية بشأن المواجهات مع دول(التحدي التقليدي)، ولكنها لا تتلاءم في معظم المواجهات مع حركات المقاومة (التحدي تحت التقليدي).
أولى هذه الفرضيات أنه بالإمكان تحقيق الحسم الواضح أو المطلق مع «العدو» وهي ليست صالحة لتطبيقها في المواجهة والتحدي مع «المقاومة الجديدة»، وثانية هذه الفرضيات، أن انتقال «العدو» إلى السلطة يؤدي إلى مرونة عملية وأيديولوجية. أما في الفرضية الثالثة فيرى ميلشتاين أن سياسة الكيان الصهيوني باءت بالفشل إزاء تقويضه صورة حركات المقاومة جماهيرياً، وتحميله تبعات الدمار والضائقة التي تحدث للمواجهات العنيفة.
تبعاً لذلك يوصي ميلشتاين القيادة الصهيونية بالتزود بنفس طويل، وهي السياسة التي تستند إليها حركات المقاومة، ويوصي، أيضاً، بعدم احتلال كامل وطويل الأجل لمنطقة تعمل فيها حركات مقاومة، ويعتبر أن تنفيذ عملية عسكرية واسعة نسبياً بوتيرة معركة كل عدة سنوات، يمكن أن يلحق ضرراً كبيرا بحركة المقاومة، إلا أن ذلك يتطلب من القيادة الصهيونية إدارة عملية إعلامية دقيقة ووفق خطة منهجية واضحة، وعلى المستويين الداخلي والخارجي.
فداخلياً يتطلب الأمر توجيه رسائل إعلامية تفيد بأنه لا يمكن الوصول إلى حسم وانتصار سريع للجيش الصهيوني على خصم كالمقاومة، تخوض حرباًً من نمط مختلف تماماً عما تخوضه الجيوش النظامية.
وخارجياً تستدعي الدعاية الصهيونية بث رسائل مفادها أن الخصم «العدو» يعتبر الداخل الصهيوني جبهة حرب غير محرمة، الأمر الذي يستدعي الرد عليه من مكان وجوده بين جماهيره، مما يعني تسويغاً صهيونياً لسقوط مئات القتلى من المدنيين ويكون المذنب هنا هو «المقاومة الجديدة»، فهي وفقاً لهذا المنطق تحدث خدشاً في «أخلاقيات» الجيش الصهيوني.
ويعتقد ميلشتاين أن أياً من هذه الخطوات لا يمكن أن تؤدي بحال من الأحوال إلى إخضاع حركات المقاومة بشكل مطلق، أو إلى إقناعها بفتح حوار مباشر مع الكيان الصهيوني، أو الاعتراف به، لكنها «قد تخلق ردعاً صهيونياً يستمر على مدى سنوات طويلة في مجال تنفيذ عمليات عنيفة ضد الكيان الصهيوني، وفي مجال إدارة معركة استنزاف طويلة ضدها».
في رؤيته الاستشرافية، يشدد ميلشتاين على أن تعاظم تحدي المقاومة أوجد تحدياً أمنياً جديداً، وتعاظماً كبيراً في التهديدات التي تواجه العقيدة الأمنية الصهيونية التقليدية، الأمر الذي استدعى دق ناقوس الخطر الصهيوني بأن خطراً زاحفاً يقترب من الكيان الصهيوني بهدوء وحذر شديدين.
الكتاب بكل تأكيد ليس كتاباً عادياً، يقرأه القارئ ويمضي، بل هو تحليل عميق وفريد من نوعه لحالة المقاومة من وجهة النظر الصهيونية، وليس ذلك فحسب، بل إنه يقدم توصيات لكيفية التعامل الصهيوني إزاء تحدي المقاومة.
وبعد، هل يمكن أن يشكل هذا الكتاب دافعاً للمقاومات في فلسطين ولبنان لصياغة إستراتيجيات مضادة، عبر العمل على تشكيل مركز بحثي يعنى بالشؤون الصهيونية، وتستفيد منه كل المقاومات، بدل أن تقوم بعض مراكز الترجمة الخاصة بالشؤون الصهيونية بترجمة الأدبيات الصهيونية من سياسة واقتصاد واجتماع، ظناً منها أنها تقوم بدورها في محاولة صياغة أوراق مشورة وبحث لقادة المقاومة.

