جدار الوهم.. محاولة تعويض عقدة الفشل الصهيونية

الأحد 12 ديسمبر 2021

بقلم/ حسن لافي

أنهت دولة الاحتلال بناء جدار تحت أرضي حول قطاع غزة بطول 65 كيلومتراً (40 ميلاً)، حيث بدأ بناء الجدار في عام 2017م، وكلّف بناؤه نحو 3.5 مليارات شيكل، والهدف الرئيس من وراء هذا المشروع الدفاعي، كما صرّح وزير الأمن الصهيوني بني غانتس، أثناء الاحتفال بانتهاء المشروع، هو "أن الجدار سيحرم المقاومة في غزة إحدى قدراتها الهجومية (الأنفاق)"، ومن الجدير بالذكر أن مشروع الجدار التحت أرضي ضد أنفاق المقاومة الهجومية هو أحد الدروس المستفادة صهيونياً من حرب 2014 على غزة، والذي استثمرت فيه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نحو ثلاثة ملايين متر مكعب من الخرسانة، و140 ألف طن أخرى من الحديد والصلب، أي ما يعادل طول مقطع فولاذي ممتد من الكيان إلى أستراليا، كما صرّح بذلك مدير المشروع عيران أوفير، ويشير المشروع الصهيوني النوعي ذو الطابع الدفاعي إلى تغيّرات استراتيجية طرأت على العقيدة العسكرية الصهيونية.

أدى ازدياد تهديد النيران الموجهة إلى الجبهة الداخلية الصهيونية إلى تنامٍ في وظيفة الدفاع، وكان مرتكز الدفاع في السابق يمثل دوراً ثانوياً، في مقابل النزعة الهجومية المسيطرة على العقيدة العسكرية الصهيونية، منذ تأسيس عصابات "البلماخ" (الصاعقة) عام (1941م)، نواة الجيش الصهيوني قبل تأسيس الكيان. ومن الممكن الاستدلال على نزعة العقيدة العسكرية الصهيونية الهجومية من خلال توضيح دور سلاح الجو الصهيوني، الذي تعتبر أولى مهمّاته حماية أجواء الكيان، ولكن في الحقيقة تم تخصيص جزء قليل من سلاح الجو لهذا الدور الدفاعي، مقابل الدور الهجومي لسلاح الجو فعلياً.

عجز القيادة الصهيونية المتراكم أمام تهديدات الصواريخ والقذائف، خلال الانتفاضة الثانية، وحرب تموز (2006م)، والعبر المستخلصة منها، أدّى إلى تحفيز المؤسسة العسكرية لتخصيص تمويل للبحث والتطوير، والتسلح بمنظومات دفاع إيجابية، مثل: "القبة الحديدية"، و"العصا السحرية". هدف هذه المنظومات توفير حماية متعددة الطبقات، للجغرافيا الصهيونية، من الصواريخ المختلفة المدى.

ومن الجدير ذكره أنه في البدايات أبدى "جيش" الاحتلال الصهيوني تحفظه على هذه المشاريع الدفاعية، إلا أن المستوى السياسي دعم هذه الفكرة، خاصة بعد أن أوصت "لجنة مریدور"، عام (2006م)، بإضافة مرتكز الدفاع إلى المرتكزات الثلاثة التقليدية في العقيدة العسكرية الصهيونية (الردع والإنذار المبكر والحسم)، ومطالبتها ببناء منظومات دفاعية جديدة ومتطورة. ولكي يعالج "جيش" الاحتلال هذه المهمة، كان عليه القبول بمبدأ الدفاع.

تحول الدفاع إلى هدف مركزي في العقيدة العسكرية الصهيونية أكثر فأكثر لسببين:

السبب الأول، تعاظم كمّ التهديدات على الجبهة الداخلية الصهيونية بشكل كبير جداً، من عدّة طلعات جوية فوق مدن الشريط الحدوديّ أثناء حروب "الكيان" مع الجيوش العربية سابقاً، إلى عشرات آلاف الصواريخ الموجّهة إلى كل مساحة "دولة" الاحتلال حالياً.

السبب الثاني، تطور التقنيات الدفاعية، التي يمكن من خلالها قيام جهد دفاعي جاد، لم يكن قائماً قبل عدة سنوات.

رغم تنافي مبدأ الدفاع مع المبادئ التي أُسّست عليها العقيدة العسكرية الصهيونية، المتمثّلة في ثقافة الهجوم، وأسطورة الجيش "الذي لا يقهر"، ومركزية قوة الردع، والقدرة على الحسم العسكري، ونقل المعركة إلى أرض العدو، وغيرها من المبادئ العسكرية ذات التوجهات الهجومية، إلا أن تغير البيئة الأمنية الاستراتيجية للكيان، من خلال التغيرات التي طرأت نوعياً على أعدائها، وشكل المعارك التي يخوضها "الجيش" الصهيوني، والأسلحة التي يستخدمها محور المقاومة، وقدرته على إدخال الجبهة الداخلية الصهيونية إلى المعركة، سواء من خلال سلاح الصواريخ، أم حتى "السايبر" والأنفاق الهجومية، وحديثاً المسيّرات القتالية، جعلت الدفاع أمراً ضرورياً لملء المساحات التي نتجت عن تراجع القدرات الهجومية التي بنيت عليها مرتكزات العقيدة العسكرية الصهيونية.

تنبع الطريقة الصهيونية لخلق استقرار أمني استراتيجي للكيان من موقف التفوق العسكري، حيث يمارس الكيان دوماً موقف الدولة الرادِعَة لا المردوعة، فضلاً عن عدم قبوله بأن يكون في موقف توازن ضمن قوى متساوية.

هذه المعادلة وضعت أمام أعدائها عندما كانت دول الطوق تشكل التهديد المركزي لها، وفي عهد الحروب الحاسمة، لكن على ضوء التغيرات في طبيعة الصراع تجاه المنظمات شبه الرسمية (فصائل المقاومة)، والصراعات المنخفضة الوتيرة (جولات التصعيد)، وجد الكيان نفسه يدير وضع ميزان ردع متبادل، وتحول الردع إلى أداة لإبعاد وتقليل الخطر من نشوء تهديدات تبادر إليها فصائل المقاومة (هجوم).

بمعنى آخر، إن الردع الصهيوني باتت وظيفته منع أفعال عسكرية هجومية محددة لفصائل المقاومة، من خلال قدرات الدفاع الصهيونية على تحييد أسلحة فصائل المقاومة الهجومية، ولكن الأمر الذي يحاول "الجيش" الصهيوني عدم الحديث عنه هو عدم قدرته الهجومية على توفير ما يسمّى الأمن الشامل كما كان في السابق، والاكتفاء بالحفاظ على وضع قتالي مستمر بمستوى يستطيع أن يتعايش معه الكيان.

بناءً على ما سبق، لم يعد الردع الصهيوني يوفر استجابة كافية طويلة الأمد، وخاصة في غياب القدرة على تحقيق الحسم العسكري، الأمر الذي اتضح من خلال جولات المواجهة مع المقاومة في غزة، ما أدّى إلى تشكيك "الجيش" في كفاءة المصطلحات التقليدية الخاصة "بعمليات عسكرية بهدف الحسم"، والذهاب إلى "عمليات عسكرية بهدف التأثير"، وباتت فرضية "الجيش" الصهيوني الأساسية هي أنه غير قادر على هزيمة العدو، أي فصائل المقاومة، لذا توجب عليه البحث عن طريقة أخرى للتأثير على سلوكه الاستراتيجي، وصارت العمليات العسكرية الصهيونية تسعى لإحداث تأثيرات عملية محدودة، بهدف تقييد السلوك الاستراتيجي لفصائل المقاومة واحتوائه، وخاصة الهجومي، الأمر الذي يعتبر تراجعاً للنزعة الهجومية داخل العقيدة العسكرية الصهيونية على حساب مركب الدفاع، وباتت أهداف المؤسسة العسكرية الصهيونية تدور حول القدرة على منع فصائل المقاومة من تحقيق ما هو متوقع إنجازه من فعلها العسكري الهجومي، من خلال التحييد الإيجابي لقدراتها الهجومية - في هذه الحالة الأنفاق-، الأمر الذي سيقنعها بأن تلك المجهودات الهجومية (الأنفاق)، عبارة عن سياق فارغ محكوم عليه بالفشل، لذا يمكن القول إن الجدار التحت أرضي حول غزة محاولة لتعويض عقدة الفشل الصهيونية الهجومية في إنهاء خطر أنفاق المقاومة في غزة.