مواجهات "عديسة".. رسائل الجيش وحنكة الحزب.. بقلم: أحمد أبو عقلين

الخميس 05 أغسطس 2010

شكلت المواجهة العسكرية المحدودة غير المسبوقة، بين الجيشين اللبناني و"الإسرائيلي" قرب بلدة "العديسة" جنوب لبنان منعطفا مهما ربما يترك أثرا بعيدا على العقلية الحربية الإسرائيلية وحكومة اليمين المتطرف التي ما فتأت تتجهز لإشعال فتيل حرب إقليمية قد تؤدي إلى تغيير خارطة الشرق الأوسط، وفق محللين ومتابعين لهذا الشأن.

 

الحادثة التي أدت لسقوط شهداء في صفوف الجيش اللبناني وقتلى في جيش الاحتلال لم تكن عرضية، وفي نفس الوقت لم يخطط لها أن تنتهي أو تبدأ وفق السيناريو الذي شاهده وعاينه العالم بأسره. فلا شك أن الحادث أربك حكومة الاحتلال، وأجبرها على إعادة التفكير والتقييم لخطط الحرب وتوقعات المشاهد التي قد تطرأ، بينما سجل الاشتباك المسلح نقطة لمصلحة الجيش اللبناني الذي قابل النار بالنار، ونقطة أخرى لحزب الله الذي آثر عدم التدخل وفضّل المراقبة عن بعد، وهذا يدلل على حكمة هذا الحزب وذكاء قيادته؛ لأن أيّ تدخل عسكري من طرف حزب الله كان كفيلا بتعجيل حرب تنتقم فيها إسرائيل من كل مكونات لبنان.

 

حتى ساعات قريبة، كانت إسرائيل تراهن على فتنة داخلية في لبنان يوجه فيها الجيش اللبناني رصاصه تجاه مقاتلي حزب الله والعكس، ولهذا الغرض كان التسليح الغربي والأوروبي لجيش لبنان، ولكن السحر انقلب على الساحر، وحمى الجيش اللبناني بدمائه شجرة (1701)، وحمى حدوده وسيادة بلده بالأرواح، وهو ما دفع دولة الاحتلال إلى للخروج بحملة لوقف تسليح الجيش اللبناني.

 

الجيش اللبناني في "موقعة الشجرة" نجح في الاختبار وأثبت أنه على أهبة الاستعداد للقتال وأنه قادر على الرد بقوة إذا لزم الأمر، وصد أي تحرك إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية. أما العدو الإسرائيلي فأراد جسّ نبض جيش لبنان في الجنوب من خلال الإقدام على اقتلاع شجرة في الجانب اللبناني والزعم بسقوط صواريخ في الجليل، والرد عليها بقصف مدفعي للجنوب، وذلك بهدف قياس مدى استعداد الجيش للولوج إلى المواجهة حال اندلعت وأخذت إسرائيل قرارا بها، وقد جاء الرد خلافا لتوقعات إسرائيل التي لم تلاق مواجهة المؤسسة العسكرية الرسمية في حرب لبنان الثانية صيف 2006، حيث اقتصرت المواجهة مع مقاتلي حزب الله.

 

وإن كانت إسرائيل أعلنت محدودية اشتباك الثلاثاء، وسعيها نحو تهدئة الوضع وعدم نيتها توسيع الدائرة لتشمل كل الجنوب اللبناني أو كل الدولة اللبنانية، وأودعت في ذات الوقت شكوى ضد لبنان في مجلس الأمن، وحمّلت حكومة بيروت المسئولية عن الحادث، فإن هذا لا يعني زوال شبح الحرب -أو بمعنى أدق- العدوان على لبنان، حيث يرى مراقبون أن مواجهة حتمية قد تندلع حتى خريف العام الحالي، وقد تتسع دائرتها لتطال دولا أخرى مثل سوريا وإيران، والمقاومة في غزة.

 

كما طرحت اشتباكات "العديسة" عدة  تساؤلات.. لماذا سارعت إسرائيل إلى لملمة الأمور واكتفت بمواجهة محدودة؟ لماذا لم يتدخل حزب الله عسكريا؟ هل ستنتهي الأمور إلى هذا الحد؟ ما مصير لبنان الرسمي وأين موقعه في أي حرب مقبلة؟.. ثم ما دلالات اقتراب المواجهة العسكرية الكبيرة، إذا صح التعبير؟

 

الإجابة على السؤال الأول بسيطة، فإسرائيل سارعت إلى التهدئة وفضلت عدم توسيع الدائرة لأنها لا تزال غير مستعدة للحرب في هذه الفترة، لا على صعيد الجيش، ولا على صعيد الجبهة الداخلية. وقرار الحرب يحتاج إلى تحريك جيوش واستدعاء قوات الاحتياط ونشر منظومات الدفاع والهجوم، وتجهيز الملاجئ، وتوعية الجبهة الداخلية والخروج بحملات إعلامية مكثفة، وخلق ذرائع وحجج ترتقي لمستوى اندلاع شرارة الحرب. والملاحظ في مواجهات العديسة أن إسرائيل لم تطلب من الجمهور النزول للملاجئ ولم تستدع الاحتياط، ولم تتعد أنواع النيران المنطلقة من طرف جيش الاحتلال المدفعية والرصاص الحي، حيث لم تشارك الطائرات الحربية في قصف مواقع الجيش اللبناني.

 

ثم إن جميع المدن الإسرائيلية ليست مستعدة لتلقي ضربات حزب الله وجيش لبنان إذا ما اندلعت حرب في هذا التوقيت، ولم ينضج الوضع السياسي الذي تروج له تل أبيب وواشنطن متمثلا في المفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية برام الله إلى مستوى تخدير الأنظمة العربية تخديرا كاملا يصيبها بالعمى، ويعزز فرص نشوب حرب إقليمية تغير مجرى التاريخ. ثم إن حليف إسرائيل الأكبر "واشنطن"، لم يعط تل أبيب ضوءً أخضر بعد للانطلاق نحو الخيار العسكري، كونها جزءً لا يتجزأ من هذه الحرب، ويدلل على ذلك تصريحات مسئولي الإدارة الأمريكية بأن خطط الحرب جاهزة ولكن الوقت لم يحن بعد.

 

أما سبب عدم تدخل حزب الله في المواجهة فيؤشر إلى حنكة وذكاء وحكمة هذا التنظيم الذي هزم جيش إسرائيل في تموز 2006؛ لأن تدخل مقاتلي الحزب يحمل معنيين اثنين: الأول يتعلق بظروف الميدان، والثاني بالوضع السياسي الداخلي القائم في لبنان. فاشتراك الحزب بالاشتباكات لم يكن ليضمن عدم اتساع رقعتها الزمنية والمكانية، بما يضع كل لبنان تحت دائرة القصف الإسرائيلي، ويستبعد فرضيات عدم جهوزية الاحتلال للحرب، والعمل بما فرضه الأمر الواقع. كما أن حزب الله على الدوام في واجهة الاتهامات الدولية، وقد يواجه بإدانة واسعة تعطي إسرائيل الذرائع الكافية لشن عدوان واسع. ومشاركة حزب الله في الحدث العسكري كانت ستثبت الرواية الإسرائيلية بأن لا فرق في لبنان بين مؤسسات الدولة ومؤسسات الحزب، فالكل يتحالف وقت الأزمات والحروب.

 

وحزب الله أيضا في اختبار مع المحكمة الدولية التي تتهم عناصره بالمسئولية عن اغتيال رفيق الحريري، وإثبات عكس ذلك يتطلب هدوءً وتركيزا لا تعكر صفوهما أجواء الحرب، بل إن هذه الاتهامات بحد ذاتها حرب باردة يخوضها حزب الله في مواجهة المحاكم الدولية المسيّسة.

 

رغم ذلك، جاء موقف السيد حسن نصر الله في خطابه الملتهب لمناسبة عيد النصر ليوثق أواصر لبنان ويؤكد للعالم أن هذا البلد كله مستعد لقطع يد العدو إذا ما امتدت لتطال أي شبر أو أي مكون من مكونات الدولة. كما وجه السيد نصر الله صفعة قوية لإسرائيل وللمحاكم الدولية وشهود الزور حين كشف عن نيته نشر وثائق تثبت تورط تل أبيب في اغتيال الشهيد رفيق الحريري.

 

ومن المؤكد أن أي حرب مقبلة ستطال كل لبنان، ولن تقتصر على مواجهة مع حزب الله يتقيد فيها الاحتلال الإسرائيلي بقصف أهداف محددة ثم يخرج خاسرا، وفي المقابل ستتكبد فيها إسرائيل خسائر فادحة وستفاجأ بحجم قوة من قبل حزب الله لم يكن في الحسبان.

 

هل ستنتهي الأمور عند هذا الحد؟.. بالطبع لن تنتهي إلى هنا، بل هذه المواجهة قد تكون الشرارة الأولى لحرب لا يستطيع أحد التنبؤ بمجرياتها ونتائجها، وقد رجح أكثر من مراقب ومحلل عسكري إمكانية تفجر الأوضاع خلال خريف هذا العام، وهناك دلالات كثيرة على ذلك منها:-

- التدريبات الإسرائيلية المتواصلة في رومانيا التي تشبه تضاريسها تضاريس إيران.

- إعلان الرئيس الأمريكي عن سحب قواته من العراق خلال أربعة أسابيع كي لا تكون القواعد الأمريكية صيدا سهلا لإيران حال اندلعت المواجهة.

- إصرار الولايات المتحدة وإسرائيل على ضرورة بدء المفاوضات المباشرة بين حكومة الاحتلال وبين سلطة رام الله، هذه المفاوضات التي تعني تضليل وخداع العالم ولفت أنظارهم نحو سراب التسوية والدولة الفلسطينية، في حين أن الوجهة الحقيقية هي نحو الحرب.

- إعلان إسرائيل عن نشر منظومة قبة الحديد لاعتراض صواريخ حزب الله وقذائف المقاومة في غزة لتهيئة الرأي العام في دولة الاحتلال للحرب المقبلة، وإيهامه أن هذه المنظومة ستكون بمثابة درع حماية لهم.

- مواصلة تسلح إسرائيل بالأسلحة والطائرات الأكثر تطورا في العالم.

- استمرار التدريبات والمناورات العسكرية الإسرائيلية على احتلال قطاع غزة، وتكثيف الطلعات الجوية للطيران الحربي وطيران التجسس الإسرائيلي في أجواء القطاع وفوق جنوب لبنان.

- الزعم بسقوط صواريخ "كاتيوشا " و"غراد" في "إيلات" والعقبة والجليل وجنوب دولة الاحتلال.

- عبور مزيد من القطع الحربية الإسرائيلية والأمريكية قناة السويس باتجاه البحر المتوسط.

- فشل الجهود الدولية والعقوبات الموجهة ضد برنامج إيران النووي، وإصرار إيران على حقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.

- تصاعد وتيرة الاتهامات الإسرائيلية لإيران وسوريا بتزويد حزب الله ومقاومة غزة بصواريخ تخل بالتوازن.

- كشف الرئيس محمود أحمدي نجاد عن معلومات حول نية الولايات المتحدة مهاجمة دول في الشرق الأوسط خلال الشهر الثلاثة المقبلة.

- التصعيد العسكري المتدرج للاعتداءات على قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة.

وأخيرا.. فإن كان مؤكدا أن أي حرب مقبلة ستغير وجه الشرق الأوسط ووجهة التاريخ، فإنها أيضا ستؤرخ لزوال كيان إسرائيل عن الوجود، فمعايير القوة وموازين الرعب القديمة لم تعد قائمة في هذا الوقت، ونجوم الهزيمة السريعة ولى عهدهم وأفل سطوعهم.