الإعلام الحربي – خاص:
صباح الرابع والعشرين من يونيو - حزيران من العام 2004، نفذَّ الشهيد المجاهد "مؤمن الملفوح" احد مجاهدي سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، عملية استشهادية مشتركة برفقة الشهيد حسني الهسي، من كتائب شهداء الأقصى، في "مستوطنة دوغيت" شمال قطاع غزة، التي أضحت الآن محررة.
ومنذ إشراقة ذلك الصباح على دويِّ رصاصات الاستشهاديين التي اشتبكت برصاصات المحتلين، فُقدت آثار الشهيدين الملفوح والهسي ولم تعرف حتى اللحظة إذا كانت جثتاهما قد دفنتا في مقابر الأرقام.
مؤمن مازال حاضراً
ويقول نافذ الملفوح وهو والد الشهيد: "منذ أن نفذ مؤمن العملية الاستشهادية برفقة حسني الهسي عام 2004 لم نعرف عنه شيئاً حتى اللحظة".
وعلى الرغم من مرور 6 أعوام على استشهاد "مؤمن" إلا أنه ما زال حاضراً في وجدان أسرته التي تهديه يومياً باقة جميلة من الدعاء له بالمغفرة والرحمة.
وأضاف الملفوح: "كان مؤمن في ذلك اليوم يرتدي الزي العسكري الصهيوني حينما نفذ العملية، فيما كان رفيقه الهسي يرتدي اللباس المدني، ونفذا العملية في موقع عسكري في دوغيت".
وفور احتجاز جثمان الشهيد مؤمن (19 عاماً)، لم يتبق أمام عائلته سوى التوجه لمؤسسات حقوق الإنسان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، فيما لم تتوج الجهود المبذولة من قبل تلك المؤسسات بأي نتائج إيجابية على صعيد استرداد جثامين الشهداء المحتجزة.
ويتهم المواطن الملفوح كافة الجهات في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة بالتقصير تجاه قضية جثامين الشهداء المحتجزين لدى للكيان الصهيوني، خاصة المفاوض الفلسطيني.
ويأمل والد الشهيد (58 عاماً)، أن يزور قبر نجله "مؤمن" ليقترب من شاهده ويمسِّك التراب بيده قبل أن يقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة، كما يقرأها على نجله الآخر "رائد".
وقضى الشهيد رائد نحبه في قصف من طائرة استطلاع صهيونية بالقرب من منزله في بيت لاهيا، شمال قطاع غزة، خلال الحرب الأخيرة الضارية التي شنها العدو الصهيوني أواخر 2008، وأوائل 2009.
وقال الأب وقد بدا صوته مشحوناً بأمل الإفراج عن جثمان نجله: "كان مؤمن قد جهز قبره في مقبرة بيت لاهيا قبل الخروج للعملية الاستشهادية، لكنه لم يدفن فيه".
أما رائد الذي باغته صاروخ من طائرة استطلاع صهيونية حاقدة كان له النصيب أن يُدفن بقبر شقيقه الذي كان مُجهزاً، بينما عملت أسرة الملفوح على تجهيز قبر على أمل أن يفرج الاحتلال عن جثمان الشهيد "مؤمن" ليوارى الثرى داخل قبر بعد 6 أعوام من الاحتجاز.
ويحاول العدو الصهيوني إخفاء حقيقتها الإجرامية، والهروب من المسؤولية الدولية عن جرائم حرب ارتكبتها من خلال احتجاز أعداد كبيرة وغير معروفة من جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب في أماكن سرية منها ما يعرف بـ"مقابر الأرقام".
وتتطلع عوائل الشهداء المحتجزة جثامين أبنائهم أن تقوم البرلمانات العربية والدولية العالمية، وجامعة الدول العربية، وهيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن بالعمل على تدويل قضية "رفات الشهداء" بالمحافل الدولية، والضغط على العدو الصهيوني للإفراج عن جثامين الشهداء من مقابر الأرقام.
مواقف مميزة
أما عن المواقف المميزة في حياة الشهيد مؤمن، فأكد والده أنها كثيرة لا يمكن إجمالها في حوار ، ذاكراً منها موقفه عندما قرر ترك مقاعد الدراسة والتوجه لسوق العمل بسبب الصعوبات التي كانت تواجهه، قائلاً :" لقد نصحته وقتها بعدم التسليم للفشل وإلا فإن هذه الأفكار الهدامة سترافقه طوال حياته ولن ينجح في شيء، فاستمع لنصحي وما كان منه إلا أن اهتم بدراسته حتى حصل على شهادة الثانوية العامة بمعدل 75% مما أهله للالتحاق بكلية الإعلام بجامعة الأقصى".
في حين تحدث أستاذه في كلية الإعلام د. نبيل الطهراوي عن مفارقة أثارت استغرابه حدثت بينه وبين الشهيد مؤمن قبل أيام من استشهاده، قائلاً :" جاءني مؤمن قبل يومين من استشهاده لمراجعتي في علامته مطالباً بإعادة تصحيح ورقته، لأتفاجأ بعد يومين بنبأ استشهاده في عملية جهادية"، مشيراً إلى أن المفارقة التي كان يعيشها الاستشهادي بين حرصه على النجاح ورغبته في الحصول على أعلى العلامات، وفي ذات الوقت كان يعد العدة ويجهز نفسه للقيام بعمل استشهادي في سبيل الله. ويذكر أن الشهيد مؤمن نافذ الملفوح قد أشرقت شمس ميلاده في (8/4/1985)، ببلدة مشروع بيت لاهيا لأسرة فلسطينية مجاهدة تتكون من اثني عشر فرداً ستة أولاد وأربع بنات.
درب الجهاد
لمعرفة المزيد عن خبايا الشهيد ودوره المميز في العمل الجهادي المقاوم، كان "للإعلام الحربي" لسرايا القدس، لقاء مع أحد رفاقه في سرايا القدس (أبو حمزة) ، الذي أوضح أن التحاق الشهيد بحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين كان في مطلع عام 2000م، موضحا أن جرائم الاحتلال البشعة بحق الأطفال والشيوخ وتدنيس البائد" شارون" لباحات المسجد الأقصى كان الدافع الرئيس وراء اندفاع مؤمن نحو مشروع الجهاد والاستشهاد. ولفت (أبو حمزة) إلى أن الشهيد مؤمن حرص منذ اللحظات الأولى لانضمامه إلى حركة الجهاد على السرية والكتمان، مشيراً إلى دور الشهيد في الكثير من الفعاليات الخاصة بالحركة. وحول التحاق الشهيد في صفوف سرايا القدس، أكد (أبو حمزة) أن انضمام مؤمن للسرايا كان قبل تسعة أشهر من استشهاده، موضحاً أنه وبناءً على طلبه وإلحاحه الشديد تم إلحاقه بوحدة الاستشهاديين في سرايا القدس.
"الأرقام".. مقابر سرية
ويحتجز العدو الصهيوني جثامين عشرات الشهداء الفلسطينيين ممن نفذوا عمليات استشهادية وتم أسرهم بعد تنفيذ تلك العمليات، فيما ترفض تسليمهم لذويهم كنوع من العقاب، ويتم دفنهم في مقابر سرية أُعدت خصيصاً للشهداء الفلسطينيين.
وتأتي مقابر الأرقام ضمن المقابر السرية التي أنشأتها حكومات الاحتلال من أجل دفن جثث الضحايا والأسرى بها، ويحتجز بها أعداد كبيرة من جثامين الضحايا الفلسطينيين والجنود المصريين.
وأسماء مقابر الأرقام الخمسة هي: جسر داميا، جسر بنات يعقوب، وادي الحمام، ريفيديم، ومقبرة تم افتتاحها عام 1995م في منطقة النقب الصحراوي. وتفيد تقارير أن مقابر الأرقام غير لائقة ولا تحترم جسد وقدسية الإنسان، كما أن الجثث تدفن على عمق سطحي لا يتجاوز النصف متر مما يجعلها عرضة لنهش الكلاب الضالة والضباع.
وتؤكد التقارير أن الكثير من الشهداء استخدموا كقطع غيار بشرية أو سرقت أعضاء من أجسادهم وباتوا حقولاً لتجارب طبية لدى حكومة الاحتلال ليشكل ذلك دافعاً آخر لاحتجاز أجسادهم. وتفوق أعداد الشهداء المحتجزين الأعداد التي وثقتها العديد من المؤسسات الحقوقية بـ300 شهيد.

