رمضان..شهر الإعداد والجهاد في سبيل الله

الثلاثاء 10 أغسطس 2010

 

رمضان شهر الجهاد والصيام مصدر قوة روحية تدفع الى العمل , واعتقاد المؤمن انه يؤدي عبادة فرضها الخالق مما يمده بالروح الفتى والعزم القوى ؛ لذلك كانت شهور رمضان أيام نصر ففي مواسم هذا الشهر الكريم تحققت انتصارات إسلامية رائعة فهو يأتي اليوم والأمة تنزف في مواطن كثيرة، فهذا جرح فلسطين الغائر, وذاك جرح العراق النازف وما يبرح أن ينزف جرح جديد حتى يلحق به جرح أخر، ففي رمضان حققت الأمة السلامية انتصارات كثيرة وكذلك سرايا القدس أنجزت وقدمت على الصعيد الفلسطيني عمليات بطولية عدة وشهداء على خطى من سبقوهم والدماء ما زالت تسيل في طرق الجهاد والمقاومة.

 

الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام ، وبه تنال العزة في الدنيا والآخرة ، وهو من أفضل الأعمال وأجل القربات ، وما ذل المسلمون إلا عندما تركوا الجهاد ، وركنوا إلى الدنيا ، فتكالب عليهم الأعداء ، وتداعت عليهم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.

 

التذكير بالجهاد في هذا الشهر المبارك ، تذكير بماض مشرق نحن أحوج ما نكون إلى الاسترشاد به، لنخرج من أزمة طال أمدها، وبعد زمنها، حتى صرنا في مؤخرة الأمم، وأصبحنا مع كثرتنا غثاءً كغثاء السيل، فنزع الله المهابة منا من قلوب أعدائنا، وقذف في قلوبنا الوهن - حب الدنيا وكراهية الموت، فالتذكير بالماضي ينبغي أن يساق للعبرة، وللإفادة منه في صنع حاضرنا، ورسم صورة مشرقة لمستقبلنا، حيث أمر الله عز وجل بالجهاد وحث عليه، ورغب فيه حتى وصف من يبذل نفسه في سبيله بمن يبيع نفسه لله، ونعم البيع ذلك البيع فقال عز وجل : {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم } ( التوبة 111) .

 

وسمى سبحانه الجهاد تجارة ولكنها تجارة مع الله، وليس الثمن دراهم ودنانير، ولكنه النصر في الدنيا والجنة في الآخرة ، قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون } ( الصف:11) .

 

ووردت في فضل الجهاد الأحاديث المتكاثرة، من ذلك ما جاء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل ؟ قال : ( الإيمان بالله والجهاد في سبيله ) متفق عليه ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ) متفق عليه ، وقال : ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ،ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) رواه البخاري .

 

ليست الغاية من الجهاد في الإسلام إزهاق النفوس وتدمير الممتلكات ، وترميل النساء ، ولكن الغاية هي نشر دين الله في الأرض وتحرير المقدسات من دنس العدو.

 

شهر رمضان المبارك هو شهر الجهاد، وفيه وقعت أعظم معركتين في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم- الأولى معركة بدر الكبرى التي كانت فرقاناً فرق الله به بين الحق والباطل ، وأصبح للمسلمين بعدها العزة والمنعة .والثانية فتح مكة ، وبها زالت غربة الإسلام الأولى ، وسقطت رايات الوثنية في البلد الحرام ، وأصبح الإسلام عزيزاً في أرجاء الجزيرة العربية .

 

فكثير من الأحداث والفتوحات التي كان لها أعظم الأثر في حياة المسلمين وقعت في هذا الشهر الكريم، ومما يؤسف له أن هذا المفهوم قد انقلب في نفوس كثير من المسلمين اليوم ، فبعد أن كان رمضان شهر الجهاد والعمل والتضحية، أصبح شهراً للكسل والبطالة وفضول النوم والطعام، وهو انتكاس خطير في المفاهيم، يجب تصحيحه، حتى تعيش الأمة رمضان كما عاشه نبينا - صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمة من بعده جهادا وعبادة وعملاً وتضحية، وصدق نبينا - صلى الله عليه وسلم- حين قال : ( إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) رواه أبو داود .

 

فهل يعي قادة الأمة درس الجهاد ليعيدوا للأمة كرامتها وعزتها , بعد أن ذاق المسلمون صنوف الذل وضروب الإهانة .

 

ولكن الأمل باق : ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)) وفي لفظ للبخاري: ((لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم)) وفي لفظ لأحمد: ((لا يبالون من خالفهم أو خذلهم)).1. غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة :ـكانت تلك الغزوة فرقانا بين الحق والباطل، تلك الغزوة التي جعلت للمسلمين كيانا مهابا وجانبا مصونا .

 

حتى لا نطيل عليكم نود أن نذكر ببعض من النقاط الهامة التي قد تفيدنا في هذا الشهر الكريم:

 

رمضان وسيلة لا غاية

رمضان هو شهر الصبر وتمحيص للنفس، ومن لا يتعلم الصبر فيه ويروض نفسه عليه فقد خسر خسراناً مبيناً. فالصبر هو مفتاح النصر والفلاح في الدين والدنيا، وما الجهاد إلا صبر وتضحية وكبح لجماح النفس.

 

وكل من لا يكون هدفه هو إعداد النفس للجهاد في سبيل الله فهو بلا شك لا يدخل في هذه الفئة، ومن ثم فعليه واجب عظيم وهو أن ينقذ نفسه من براثن النفاق الذي يوشك أن يقع فيه، فرسول الله صلى اللع عليه وسلم يقول :" من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بغزو فقد مات على شعبة من نفاق".}رواه ابن عساكر بسند صحيح{



وشهر رمضان هو محطة للتربية والإعداد الجيد من أجل تمهيد النفس للدخول في معمعة الجهاد، حيث أن هناك امتناع عن شهوتي البطن والفرج ، وهما الشهوتان الأساسيتان اللتان ينبغي تجاوزهما أثناء فريضة الجهاد، وهما بلا شك ثغرتان عظيمتان يستهين بهما كثير من الناس، بل إن أغلب الصائمين لا ينجحان في تعويد النفس على الزهد فيهما خلال شهر الصيام، حيث يهدمون بالليل ما يبنونه بالنهار فيطلقون العنان لهاتين الشهوتين خلال الليل ليعوضوا ما فاتهم بالنهار، ولو في الحلال، فلا استفادة ولا فائدة.

 

إننا مطالبون أكثر من أي وقت مضى باستغلال شهر رمضان واتخاذه وسيلة للارتقاء بالنفس إلى أعلى مراتب التقوى والصبر لتكون مهيأة لتلبية نداء الجهاد في كل لحظة وآن.

 

فكما تتخذه الفئات الضالة غاية للسهر والأكل والشراب والفئات القاعدة غاية للعبادة وعمارة المساجد، فإنه يتعين على المجاهدين والمرابطين أن يتميزوا في هذا الشهر ويحولوه إلى مدرسة ومحطة من أجل ملئ ثغرات الضعف لديهم وتقوية الوسائل التي لديهم ليكونوا أقرب إلى الله وإلى تلبية نداءات الجهاد.

 

 بالنسبة للمرابطين على الثغور:

أن يكون هذا الشهر فرصة لتصعيد وتكثيف أعمالهم الجهادية، اقتداء بسلفنا الصالح وبرسول الملحمة عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم الذي يقول:" بعثت بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم ".رواه أحمد

 

فأول غزوة من غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت غزوة بدر، وقد كانت في رمضان، وغزوة بدر هي أول لقاء حرب بين المسلمين والكفار وقد سمى الله تعالى ذلك اليوم بيوم الفرقان لما له من قيمة عظيمة.

 

فقتال الأعداء من أعظم القربات إلى الله تعالى فهو ذروة سنام الإسلام، فكيف حينما يكون في رمضان وهو أفضل الشهور عند الله عز وجل .

 

ستلتقي بلا شك الذروتان لتكون ذروة كبرى لا يبلغها إلا من اصطفاه واختصه الله بذلك الشرف العظيم، صيام وقتال، وكلاهما جهاد، فالأول جهاد للنفس لكبح جماحها عن المعصية والثاني جهاد للأعداء لكبح جماحهم عن الفساد في الأرض ونشر الفتنة.

 

فطوبى لمن وفقه الله واختاره لأن ينال شرف الشهادة في هذا الشهر المبارك ليُفطر مع محمد وصحبه في أعلى عليين ويشهدوا معه زفافه باثنتين وسبعين من الحور العين اللاتي ينتظرنه في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 

كما ينبغي على المجاهدين والمرابطين أن يتقربوا إلى الله تعالى في هذا الشهر بتقوية الروابط الإيمانية فيما بينهم والإكثار من خدمة إخوانهم حتى يقوى الصف المجاهد ويزداد متانة وصلابة في مواجهة الأعداء، وبهذا يمكنهم تفويت الفرص على الشيطان حتى لا يفسد العلاقة فيما بينهم فيضعف الصف وتذهب الريح.

 

فعنصر الأخوة من أقوى الأسلحة التي ينبغي المحافظة عليها، وينبغي استغلال نزول السكينة والرحمة في هذا الشهر لرص الصف والتنازل عن حظوظ النفس وإيثار الغير تقرباً إلى الله وإغاظة للشيطان  إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص.

 

فالنفس والشيطان من أخطر الأعداء الذين ينبغي الانتصار عليهم في هذا الشهر الفضيل وبدون هذا لا يمكن تحقيق النصر على العدو الخارجي.

 

والنداء هنا موجه إلى جميع الفصائل المجاهدة على أرض فلسطين، حيث ينبغي السعي الحثيث والجاد لتوحيد الصفوف ولا أقل من مواصلة البحث عن سبل تنسيق الجهود لتقوية شوكة الجهاد وإضعاف العدو، فقد يكون في تعدد الجبهات مصلحة كبرى للإسلام والمسلمين ولكن توحيدها تحت إمرة واحدة لهي المصلحة الأكبر لو كانوا يعلمون. لتحرير أرض فلسطين على ضوء كتاب الله وسنة رسوله.

 

كما أن النداء موجه إلى الإخوة في سجون الاحتلال الصهيوني من أجل رص صفوفهم وجمع كلمتهم لمواجهة الوسائل الترغيبية والترهيبية التي يستعملها الاحتلال في سبيل تفريق كلمتهم وإضعاف شوكتهم، حتى لا ينسوا أنهم على ثغر كبير وجهاد مرير للمحافظة على دينهم وعدم الركون إلى الظالمين.

 

وأوجه نداءاً خاصاً لإخواننا في الأسر أن يكثفوا دعاءهم في الليل والنهار - ليس من أجل فك أسرهم فحسب، لأن أسرهم قد يكون فيه خيراً عظيماً لا يدركونه، - بل عليهم أن يخصوا إخوانهم المجاهدين المرابطين على الثغور في دعائهم أن يسدد رميهم ويقوي شوكتهم ويؤيدهم بجنود من عنده، فهم أمل هذه الأمة جمعاء ورأس حربتها في مواجهة كيد الأعداء.

 

أما بالنسبة لأبناء شعبنا المرابطين على ارض فلسطين

فدورهم في هذا الشهر المبارك هو التكثيف من الإعداد وتنويع وابتكار أساليب النصرة لإخوانهم المجاهدين، وهذا في انتظار أن يلتحقوا بساحات القتال، وإن كانت الساحات التي يتحركون فيها لا تقل أهمية عن ساحات القتال المباشرة، لأنهم على ثغر عظيم وهي ارض فلسطين .

 

كما أن عليهم واجب أخذ المزيد من الحذر لمواجهة الأعداء الذين يتربصون بهم من كل جانب  يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً . النساء

 

فالعدو الصهيوني قد جنَّد ما لا يُحصى من العملاء والوسائل للإطاحة بهم في شِراكه، وهذا يتطلب من أبناء شعبنا أن تكون لديهم القدرات والكفاءات العالية لمواجهة هذه الظاهرة الصهيونية .

 

في هذا الشهر المبارك يكون العبد أقرب إلى الله من غيره من الشهور، ولابد بالتالي من تكثيف الدعاء والتضرع إليه سبحانه أن يفتح على المجاهدين أبواب الخير ويُعمي عنهم عيون الأعداء وأبصارهم لكي يواصلوا طريق الجهاد والمقاومة .

 

نسأل الله تعالى أن يسدد رمي المجاهدين ويثبت الأقدام ويتقبل منهم صالح الأعمال والحمد لله رب العالمين.