انتزاع الحرية من بين أنياب السجان.. فلسفة راسخة في تاريخ الجهاد الإسلامي

الثلاثاء 06 سبتمبر 2022

الإعلام الحربي _ غزة

"إن الهزيمة النفسية هي الهزيمة الحقيقية، وإذا انهزمت نفس الإنسان لم ولن ينتصر أبداً مهما امتلك من الإمكانات وأسباب القوة المادية. والانتصار الحقيقي هو الانتصار النفسي والمعنوي قبل الانتصار الحسي والمادي".

لم تكن هذه المقولة للأمين العام الراحل لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور رمضان شلح، قولا عابرا، بل شكلت وقودا لأحرار الشعب الفلسطيني، ومنارة للباحثين عن طريق النجاة والخروج من ظلمات القهر والحرمان، وانتزاع الحق من بين أنياب الظالم.  

انتصارا جديدا حققه الكف في مواجهة المخرز، ورسمه ثلة مستضعفة من أسرى الشعب الفلسطيني، حطموا خلاله رأس السجان الصهيوني، وبددوا أوهام أمنه، وكسروا قيودهم ليتنسموا عبق الحرية بما صنعته أظفارهم..

ويشكّل التحرير من السجن تحديا حقيقيا للمنظومة الأمنية الصهيونية التي تتباهى بأنها الأفضل في العالم، كونها تقوم على إيديولوجية استعمارية عنصرية، تعتبر أن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى غير قادرة على مواجهة كيانها وأجهزته الأمنية، لكن الفدائي والمقاوم الفلسطيني أثبت للعالم أن دولة الكيان أوهن من بيت العنكبوت.

وخلال عمليات التحرير الجماعية والفردية، استخدم الأسرى أساليب مختلفة، منها حفر الأنفاق من غرفة في السجن الى الخارج، أو قص قضبان نافدة في الغرفة والتسلل منها الى الخارج، أو الجمع بين عدة أساليب.

لم تكن عملية انتزاع الحرية من سجن جلبوع التي نفذها الأبطال الستة فجر الاثنين 6/9/2021، الأولى، رغم ما شكلته من ضربة أمنية موجعة للاحتلال الصهيوني ومنظومته المتهالكة، بل إن محاولات التحرير من السجون غدت فلسفة وسمة ثابتة ومتكررة في تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة.

فالأسير المحرر محمود عبد الله عارضة (46 عاما) من عرابة جنين، والمعتقل منذ عام 1996، ومحكوم مدى الحياة، سبق وأن نفذ ثلاث محاولات تحرير، لم يكتب لها النجاح، إلى أن تنسم عبق الحرية اليوم مع خمسة من رفاقه في أحدث عمليات انتزاع الحرية.

تاريخ عمليات الهروب

أثبتت كافة محاولات التحرير، أن الصراع الأمني مع المحتل يتواصل في السجون الصهيونية، وأن المقاومين الفلسطينيين يبدعون في السجون، كما يبدعون خارجها، بإمكانياتهم المحدودة وإرادتهم، وثقافتهم الواسعة لمواجهة السجان.

وقد ذكرت المصادر التاريخية بعض عمليات التحرير من السجون البريطانية خلال ثورة 36-39، إضافة الى عملية الهجوم على سجن عتليت، جنوب مدينة حيفا، في يوم 16/7/1938، التي نفذها الشهيد البطل أبو درة، حيث نجح الشهيد يوسف حمدان (من مدينة أم الفحم)، والذي كان أسيرا في سجن عتليت، ونائب الشهيد أبو درة، بعد أن نفذا عملية تحرير من هذا السجن في السنة ذاتها.

ونجح الشهيد عيسى البطاط، من قرية الظاهرية (قضاء الخليل) والمحكوم بالمؤبد بعد اعتقاله في العام 1938، في تخليص نفسه من وراء القضبان وعاد الى الحرية، والى سابق نشاطه المعهود، في مقاومة المحتل، قبل أن يتم القبض عليه في قرية بيت جبرين واغتياله.

 

وتمكن الأسير ناصر عيسى حامد من التحرر من مبنى المحكمة في 27/1/1983، مستغلا المواجهات التي اندلعت بين مجموعة من الأسرى وقوات الاحتلال، فخرج من بوابة مقر المحكمة العسكرية بالتحايل، وفي العام نفسه، تحرر الأسير مجدي سليمان أبو الصفا بالطريقة ذاتها، وتوجّه الى الأردن.

واستغل الشهيد القائد صالح طحاينة من سيلة الحارثية، إعادة انتشار قوات الاحتلال بعد اتفاقيات "أوسلو" ونقل الأسرى الى الداخل المحتل، لينتحل شخصية أحد الأسرى، وتم نقله في العام 1996 من سجن جنيد الى سجن النقب، بدلا من سجن نفحة، إذ كان محكوما بالسجن 33 عاما، وتم الإفراج عنه بدلا عن أحد الأسرى. وبعد تحرّره، واصل الشهيد مسيرته الجهادية في صفوف حركة الجهاد الإسلامي، وقام بتنفيذ عدة عمليات ضد الاحتلال، وفي بداية شهر تموز/يوليو من العام 1996، تم اغتياله بتواطؤ من أجهزة أمن السلطة في شقة بمدينة رام الله.

وفي شهر أيار/ مايو من العام 1969، تمكّن الاسير محمود عبد الله مصطفى حماد من ضرب الشاويش في سجن رام الله والانطلاق نحو سور السجن والقفز عن السياج ليصل الى الشارع، فقضى محمود تسعة شهور مطاردا في جبال سلواد (من 11/1969 الى 8/ 1970) ثم قرّر الانتقال الى الأردن.

وفي العام 1987، نجح الأسرى خليل مسعود الراعي وشوقي أبو نصيرة وكمال عبد النبي، من التحرر من سجن نفحة، حيث استغلّوا حالة الفوضى في السجن بسبب أعمال البناء والتوسيع، فقصوا الأسلاك الشائكة وتنكروا بملابس العمال وخرجوا الى الحرية، ثم اتجهوا الى قطاع غزة، ومكثوا هناك ثمانية أيام، قبل أن تقترح عليهم قيادة حركة فتح التوجه الى مصر "خوفا من إعادة اعتقالهم"، لكن تم اعتقالهم وهم في طريقهم الى معبر رفح.

وتعد عملية التحرير الكبير من سجن غزة المركزي التي نفذها ستة من مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي يوم 18/5/1987، من أكثر عمليات التحرر جرأة وتعقيدا. قاد عملية التحرر الكبير من سجن غزة المركزي الشهيد مصباح الصوري، الذي كان قد تحرر في صفقة تبادل أحمد جبريل في العام 1985م، وصمم على التحرر من جديد، كما فعل ذلك ثلاث مرات مهندس عمليات التحرير حمزة يونس.

وبنصف منشار حديد حصل عليه القائد مصباح الصوري أثناء إحدى الزيارات، وبالتحديد في التاسع من شهر رمضان عام 1987، بدأ مع ثلة من إخوانه أصحاب المحكوميات العالية، بوضع خطة التحرير، وباشروا العمل لمدة ثلاثة أيام متواصلة، فتم قص قضبان أحد شبابيك السجن، دون أن يشعر أحد من الأسرى الآخرين. وفي الساعة الثانية عشر ليلا، بدأ جنود الاحتلال يحتفلون بعيدهم بشرب الخمور والرقص، وفي الساعة الواحدة والنصف بعد أن سكتت كافة الأصوات، بدأ مصباح ورفاقه التحرير واحداً تلو الآخر، وهم يرددون قوله تعالى {وجعلنا من بين أيديهم سدا وخلفهم سدا، فأغشيناهم فهم لا يبصرون}، وأول من تمكن من الخروج كان صالح اشتيوي، ثم تبعه مصباح الصوري، ثم سامي الشيخ خليل، ثم محمد الجمل، وعماد الصفطاوي، وخالد صالح، وتم اعتقال صالح اشتيوي بعد اسبوع من العملية، ولم يكتشف الاحتلال عملية التحرير إلا في العدد الصباحي، أي بعد أربع ساعات من خروج الأبطال الستة إلى شوارع غزة.

وتكمن أهمية عملية التحرير من سجن غزة المركزي بأنها حرّرت المجاهدين الذين سيكون لهم دور بارز في إشعال الانتفاضة، من ناحية، وبأنها رفعت معنويات الجماهير الفلسطينية التي التفت حول المقاومين، وأثبتت لهم أن الانتصار على المحتل ممكنا، إذا توفرت الإرادة.

ومن عمليات التحرر و كسر للقيد من سجن "كيلي شيفع" في بئر السبع، بتاريخ 02/01/1995م التي نفذها القائد في حركة الجهاد الإسلامي: ياسر محمد صالح (63 عامًا) من مخيم جباليا بمحافظة شمال قطاع غزة، ولكن تمكن العدو من ملاحقته واعتقاله عند الحدود المصرية الفلسطينية، وتحرر من سجون الاحتلال في العام 2009م.

ومن عمليات التحرير كانت عملية كسر القيد من سجن عسقلان برفقة 5 أسرى آخرين من حركة فتح بتاريخ 12/07/1996م، من فرسانها الأسير القائد في حركة الجهاد الإسلامي: نضال زلوم (56 عامًا) من محافظة رام الله، والأسرى المشاركين في العملية هم: (جهاد أبو غبن، ثائر الكرد، نهاد جندية، محمد حمدية، حافظ قندس)

وفي العام 1996، اجتمع 16 أسيرا من في غرفة واحدة بسجن عسقلان، بقيادة الأسرى الخمسة المحكومين بالمؤبد، محمود عيسى ومحمود عطون وموسى عكاري وعبد الناصر عيسى وماجد أبو قطيش، للعمل من أجل التحرر، حيث قرّر الأسرى حفر نفق من غرفتهم الى خارج السجن، وعملوا ليل نهار طيلة أسابيع، وكادوا أن يصلوا الى خارج السجن، لكن اكتشف جيش الاحتلال النفق، بسبب الرمال التي أغلقت شبكة المجاري.

وفي العام 1996، خطّط الأسيران غسان مهداوي وتوفيق الزبن لعملية تحرر من سجن كفار يونا، فحفر الأسيران نفقا من السجن الى الخارج، وبعد 4 أشهر من العمل الشاق، تحرّرا في يوم 4/8/1996.

وبتاريخ 21/01/2003م كانت محاولة التحرر من سجن عوفر الاحتلالي برام الله، أبطالها الأسيران المجاهدان: مهنا زيود من بلدة سيلة الحارثية بجنين والمحكوم لمدة (25) عامًا، وبلال ياسين من بلدة عانين بجنين والمحكوم (23) عامًا.

وفي أيار /مايو 1998 حاول 24 أسيرا التحرر من سجن شطة عبر حفر نفق طوله 20 مترا، واستمر الحفر طيلة 77 يوما، وبعد أن أصبح بعض الأسرى خارج النفق، انتبهت كلاب الحراسة، وتم إلقاء القبض عليهم وإعادتهم الى السجن.

في صباح يوم 12 أيار/مايو من العام 2003، تمكّن الشهيد رياض خليفة والأسير المحرر أمجد الديك والشهيد خالد شنايطة من حفر نفق يخترق جدران سجن عوفر، في الضفة الغربية، حيث يذكر الأسير المحرر أمجد الديك أنهم حفروا النفق بالملاعق وبأظافرهم على مدار 17 يوما، وكان طوله 15 مترا.

وتوجت عمليات انتزاع الحرية، فجر يوم الاثنين 6/9/2021، بالعملية البطولية التي نفذها ستة أسرى من سجن جلبوع المحصن، بواسطة نفق طويل، ليضربوا العدو مجددا في مقتل، ويحولوا أعياده المزعومة إلى أيام شؤم سيسجلها التاريخ في صفحات الهزائم..

والأسرى المحررون من سجن جلبوع هم: محمود عبد الله عارضة (46 عاما) من عرابة /جنين، والمعتقل منذ عام 1996، ومحكوم مدى الحياة، وهو من عمداء أسرى حركة الجهاد الإسلامي، ومحمد قاسم عارضة (39 عاما) من عرابة معتقل منذ عام 2002، ومحكوم مدى الحياة، وهو من مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي، ويعقوب محمود قادري (49 عاما) من بير الباشا معتقل منذ عام 2003، ومحكوم مدى الحياة، وينتمي لحركة الجهاد الإسلامي، وأيهم نايف كمامجي ( 35 عاما) من كفردان معتقل منذ عام 2006 ومحكوم مدى الحياة، وهو منفذ عملية خطف الجندي الصهيوني إلياهو آشري عام 2006، والذي قامت أجهزة أمن السلطة في رام الله بتسليمه لقوات الاحتلال عقب اكتشاف عملية خطف الجندي، ومناضل يعقوب انفيعات (26 عاما) من يعبد، المعتقل منذ عام 2019، وزكريا الزبيدي (46 عاما) من مخيم جنين، المعتقل منذ عام 2019 على خلفية قيادته لمجموعات في كتائب شهداء الأقصى.

ولا يستغرب المتابع لسير الأسرى الذين انتزعوا حرياتهم من سجون الاحتلال، أنهم يخرجون ليواصلوا مسيرتهم النضالية، حيث سجل التاريخ استشهاد عدد كبير منهم بعد تنفيذ عمليات فدائية ضد قوات الاحتلال، أو عن طريق اغتيالهم، ومنهم من أعاد الاحتلال اعتقالهم.

انتصار جديد وكبير تحققه حركة الجهاد الإسلامي اليوم، أثبتت خلاله فشل المنظومة الأمنية للاحتلال الذي خدع العالم بقدرات مزعومة وإجراءات أسطورية، فبينما تملك دولة الاحتلال أحدث التقنيات إلا أنها فشلت مجددا أمام الأبطال الستة.

وتعكس عملية انتزاع الحرية التي خطط لها ونفذها المجاهد البطل محمود العارضة، قدرة عالية في العمل الأمني والخداع، خاصة أن المجاهد العارضة سبق أن حاول التحرر من السجن عبر عمليات مماثلة لم يكتب لها النجاح، لكن مع التصميم والإرادة وتراكم الخبرات وسد الثغرات والاستفادة من الدروس استطاع في فجر الاثنين 6 سبتمبر 2021 انفاذ خطته التي رسمها وأدارها بعناية وذكاء شديدين.