المفاوضات المباشرة .. استمرار في التضليل والوهم.. بقلم: حسام بدران

الأربعاء 18 أغسطس 2010

كما هو متوقع دعمت الأنظمة العربية المسماة محور " الاعتدال " فكرة العودة إلى المفاوضات المباشرة بين السلطة وإسرائيل وتلقفت السلطة هذا القرار على عجل ليشكل غطاء لموقفها الثابت والدائم باعتماد سياسة التفاوض كخيار وحيد لا بديل عنه في مواجهة الاحتلال ومن حق كل فلسطيني في هذا اليوم أن يتساءل ، ما هي جدوى هذه المفاوضات سواء كانت مباشرة أم غير مباشرة ؟، وما هو الحصاد لتلك السنوات الطوال التي مارست فيها السلطة ومنظمة التحرير التفاوض حتى أصبح هذا الأمر هدفاً بحد ذاته أو مهنة يعتاش البعض من العمل فيها ، وصار التفاوض عقيدة ينظر لها أصحابها ويزينوها للناس ، وقد وصل بهم التضليل إلى أن ألف كبيرهم كتاب سماه " الحياة مفاوضات " وكأن المفاوضات صارت منهج حياة ومبدأ تتم الدعوة إليه ، ومن الغريب أن يأتي هذا الكتاب على لسان شخص مارس التفاوض لمدة عشرين عاماً لتكون النتيجة صفراً كبيراً وفشلاً ذريعاً في تحقيق أبسط أهداف الشعب الفلسطيني .

 

أما الجانب الذي ازداد وضوحاً في هذه المرحلة فهو الانتماء الكامل لما كان يعرف يوماً بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل .

 

فالسلطة تنتظر قراراً عربياً رسمياً يحدد خطواتها ويفتح لها الطريق للسير في عملية التفاوض العبثية وإذا سلمنا بفرضية أن العرب هم عمقنا الإستراتيجي الذي نستأنس بمواقفه وقراراته فما هو تبرير السلطة للموقف الأمريكي الواضح والمعلن والذي يتضمن تهديداً ووعيداً من جانب وإغراء وتشجيعاً من الجانب الآخر .

 

وهل أصبح مصير الشعب الفلسطيني مرتبطاً بالمساعدات المالية التي تأتي من هنا أو هناك ، وهل صارت رواتب الموظفين مقدمة على الحقوق والثوابت الفلسطينية ، أما من الناحية الموضوعية وبعيداً عن التجاذبات السياسية على الساحة الفلسطينية فإنه يتبين لكل مراقب بأن الاستمرار في مسلسل المفاوضات لا جدوى منه على الإطلاق وأن الحكومة الإسرائيلية اليمينية بقيادة نتنياهو ليس لديها شيء تعطيه ، بل إنها وبحكم تحالفاتها المتطرفة والمتناقضة تصر على سياسة التهويد في القدس وتوسيع الاستيطان والاعتداء على المقدسات والتنكر للحقوق الفلسطينية جملة وتفصيلاً .

 

وإن نتنياهو يريد في هذه المرحلة إدارة مفاوضات مباشرة تساهم في تحسين صورة دولة الاحتلال أمام العالم ، خاصة بعد المجزرة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية بحق المتضامنين الدوليين القادمين عبر البحار لفك الحصار عن غزة وما تبع ذلك من تداعيات هزت الموقف الإسرائيلي بعد الهجوم عن السفينة التركية مرمرة .

 

وعلى الصعيد الفلسطيني الداخلي فقد أبدت غالبية الفصائل والقوى الفلسطينية معارضتها الشديدة لخطوة العودة للمفاوضات المباشرة ، مما يعني أن المفاوض الفلسطيني سيذهب إلى هذه الجولة منفرداً وبمعزل عن أي دعم فلسطيني على المستوى الشعبي والحزبي .

 

ولهذه الأسباب الموضوعية والمنطقية فإن العودة إلى المفاوضات تعتبر ضرباً من الجهل والقفز في الهواء وهي خطوة غير محسوبة ولا مبررة .

 

ويبدو أن المفاوض الفلسطيني قد فقد البوصلة ودخل الطريق وتاه في الوهم حتى أنه عاد ليجرب ما ثبت فشله ، وهو يستخدم ذات الأدوات التي تأكد عدم فعاليتها .

 

المطلوب اليوم توجه صادق من السلطة تجاه المصالحة وإنهاء الانقسام الداخلي وعدم الرضوخ للضغوط الخارجية التي لا تريد الخير لشعبنا والمطلوب من فتح أن تقف موقفاً تاريخياً إيجابياً يتناسب مع حساسية المرحلة وصعوبة الوضع الفلسطيني القائم .

 

والمطلوب من العرب أن يدعموا صمود الشعب الفلسطيني وأن يركزوا جهودهم لرفع الحصار الظالم عن غزة .

 

وجدير بهم أن يقفوا على مسافة واحدة من الفصائل الفلسطينية مع احترام خيارات الشعب الفلسطيني التي تجلت خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة في 2006 وأن تتوقف بعض الدول العربية عن سياستها الداعمة لطرف فلسطيني معين على حساب الأطراف الأخرى .

 

إن الذهاب إلى مفاوضات مباشرة حالياً سوف يعزز الانقسام الفلسطيني الداخلي وسوف يعطل كل محاولات المصالحة ولن يكون هناك معنى للحوار على الساحة الفلسطينية .

 

وعلى العالم كله أن يعرف أن المفاوض الفلسطيني اليوم لا يملك تفويضاً من الشعب الفلسطيني وبالتالي فإن أي اتفاقيات يمكن أن توقع مع الجانب الإسرائيلي لن يكون لها أثر على الأرض ولن تلقى التأييد الشعبي ولا القبول من فصائل المقاومة الفلسطينية .

 

فقد سئم شعبنا الاحتلال ولن يقبل بالتعايش معه ولن يهدأ له بال حتى يتخلص كلياً من الاحتلال ومن تبعاته وآثاره .