الكمين كان مدبراً ببالغ الدقة:
أجمعت التعليقات والمصادر الصهيونية على ان الكمين كان مدبرا بشكل بالغ الدقة. وقد اختار المهاجمون البدء أولا بإطلاق النار على مسيرة اعتيادية استفزازية لمجموعة من مستوطني «كريات أربع» باتجاه الحرم الإبراهيمي. وفي العادة ترافق هذه المجموعة قوة كبيرة من الجيش وحرس الحدود. ولأن هذه المسيرة تجري تحت حراسة مشددة جرى الاعتبار ان البدء بها يتيح للمجاهدين تضليل القوات الصهيونية واستهدافها في موضع آخر. واختير لذلك معسكر الجيش الواقع على الطريق المؤدية من الخليل إلى مستوطنة «كريات أربع». ومعروف ان القوات الصهيونية تندفع حال وصول البلاغ عن عملية إلى إرسال تعزيزات لتطويق المنطقة المستهدفة.
وهكذا كان الهدف الرئيسي من العملية قوة الإسناد، التي انطلقت من معسكر الجيش قبل ان تكون متأهبة، وفي الموضع الذي لم تكن تتوقعه. واستهدف الهجوم وحدة القيادة من اللحظة الأولى.
وبعد ان فتحت النار باتجاه مجموعة المستوطنين وحراسهم ابتدأ الاشتباك الأولي الذي سرعان ما تمدد نحو الاشتباك الجوهري مع قوة الإسناد. واستهدف المجاهدون قوة الإسناد بالقنابل اليدوية والرشاشات إضافة إلى رصاص القناصات. ووصفت المصادر العسكرية الصهيونية الكمين الذي نصب لقوة الإسناد بأنه «جحيم» حقيقي. وفي هذا «الجحيم» وقعت أغلب إصابات الجنود وفي مقدمتهم مقتل قائد لواء الخليل، العميد درور فاينبرغ.
وحسب المعلومات الصهيونية استغل المجاهدون التضاريس بشكل جيد كما أحسنوا استغلال القوة النارية. وأظهروا إضافة إلى الدقة في التخطيط جرأة كبيرة في التنفيذ. إذ أفادت المعلومات الأولية بأن كل الاشتباكات جرت من مواقع قريبة اعتمد فيها المجاهدون ليس فقط على إطلاق النار والقنابل وحسب، وإنما على الهجوم كذلك.
وفي لحظة من لحظات المعركة اعترف ناطق عسكري صهيوني باحتلال المجاهدين موقعا عسكريا صهيونيا قبل أن تبدأ الطائرات والدبابات الصهيونية باستخدام قذائفها لحسم المعركة التي استمرت بشكل متحرك في البداية ما لا يقل عن ساعتين من الزمن قبل أن تنحسر نحو التحول إلى معركة قلاع إثر تخندق المجاهدين في عدد من البيوت.
وقد وصف أحد الجرحى لإذاعة الجيش الصهيوني ما جرى بقوله «فجأة رأينا النيران من كل الاتجاهات. نيران من اليمين ومن اليسار. ومن كل حدب وصوب. لم أعرف إلى أين أتجه. استلقيت أرضا. ثمة مصابون هنا بجروح بليغة. إنهم ينفذون مجزرة. وهم يعرفون بالضبط كل ما نفعله».
وبدأ الاشتباك في الساعة السابعة ليلاً، وحتى منتصف الليل كانت وسائل الإعلام الصهيونية تعلن عن استمرار الاشتباك.
أما المراسل العسكري للتلفزيون الصهيوني فوصف الكمين بأنه «مخطط بدقة لتنفيذه على المحور الرئيسي بين كريات أربع والحرم الإبراهيمي». واضطر قائد المنطقة الوسطى الجنرال موشيه كابلينسكي إلى الوصول إلى المنطقة وتولى سوية مع قائد الفرقة قيادة القوات الصهيونية العاملة في مدينة الخليل.
مفاجأة الجهاد في الخليل :
ترى مصادر صهيونية ان العملية شكلت مفاجأة كبيرة للجيش وأجهزة الأمن الصهيونية التي كانت تعتقد أن مدينة الخليل هي مركز لحركتي فتح وحماس. وان هذه الأجهزة لم تكن تعلم بوجود مثل هذه القدرة لحركة الجهاد في مدينة كالخليل، خاصة ان المنطقة التي وقع الاشتباك فيها هي منطقة خضعت على الدوام للسيطرة الصهيونية.
واعتبر معلقون صهاينة ان حركة الجهاد انتهجت هنا خطا تكتيكيا مباغتا. فمقابل الضغط الذي تعرضت له في منطقة جنين ومخيمها، وهي المنطقة التي تعتبر معقلها الأساسي، قامت بالإعداد لعملية بالغة الدقة «غير متوقعة ومفاجئة جدا» في مدينة كالخليل. وفي معرض تبرير ما وقع أشار هؤلاء المعلقون إلى ان الشاباك يوجه في هذه المنطقة أنظاره نحو قوى أخرى.
وأعرب مصدر مسؤول في حركة الجهاد الإسلامي ل«السفير» عن تقديره بأن هدف العملية هو التوضيح للصهاينة بقدرة الحركة على الرد. وقال إن العملية وقعت ضمن القواعد المقبولة فلسطينيا، فهي موجهة ضد الجيش والمستوطنين وفي المناطق المحتلة عام 1967. وعدا ذلك فإن هذه عملية ثأرية «لقد قتلوا لنا قائد لواء في جنين هو الشهيد إياد صوالحة، وقتلنا لهم قائد لواء الخليل درور فاينبرغ».
وقد أصدرت حركة الجهاد بيانا أعلنت فيه مسؤوليتها عن هذه العملية «التي تأتي مع اقتراب الذكرى السنوية الثامنة لمذبحة الحرم الإبراهيمي، لتؤكد انها تأتي في سلسلة عملياتها للرد على جريمة اغتيال الشهيد القائد إياد صوالحة في جنين والجرائم الصهيونية بحق أهلنا وشعبنا في جنين ونابلس وغزة وكل مدننا وقرانا ومخيماتنا».
الموقف الصهيوني:
حتى وقت متأخر من ليلة أمس كانت القيادة الصهيونية في حيرة من أمرها بسبب ظروف العملية ونتائجها. فقد وقعت العملية في منطقة تخضع كلياً للسيطرة الأمنية الصهيونية. وهي تعتبر منطقة «معقمة» من وجهة النظر الامنية الصهيونية. كما انها استهدفت قوات عسكرية وميليشيا مسلحة قوامها من المستوطنين.
ووضعت هذه العملية حكومة اليمين الصهيوني في موقع بالغ الارتباك، إذ يتواجد اليوم في هذه الحكومة سياسيون ينادون بانتهاج سياسة الشدة ضد الفلسطينيين، ويرون ان النموذج الذي يطمحون اليه هو ذلك القائم في منطقة (2h) (الخليل 2) الخاضعة كلياً للسيطرة الامنية الصهيونية. فكيف سيكون موقفهم وما الذي سيطالبون بفعله الآن؟.
ويشير المراسلون العسكريون لوسائل الإعلام الصهيونة إلى ان حكومة شارون لن تستطيع قبل جلستها يوم الأحد اتخاذ أي قرار حازم، بسبب عدم وضوح صورة ما جرى حتى الآن، وبسبب الرغبة في معالجة الآثار المباشرة لعملية الخليل. وهي لم تعقد اجتماعاً للمجلس الوزاري المصغر.
ولكن قيادة الجيش الصهيوني عملت حتى منتصف الليل على محاولة استيضاح الموقف. وقد أبلغ قائد المنطقة الوسطى الصحافيين انه حال اتضاح الصورة سيقوم بإطلاعهم على آخر التطورات.
وقد عمل بنيامين نتنياهو على المساهمة بدوره في «صد الهجوم» فطلب من السفير الصهيوني لدى الامم المتحدة يهودا لانكري تقديم احتجاج رسمي إلى مجلس الامن الدولي ومطالبته باتخاذ موقف يدين هذه العملية التي وصفها بأنها «مذبحة السبت».
وطوال الوقت كان رئيس الحكومة ارييل شارون ووزير دفاعه شاؤول موفاز يتلقيان التقارير حول مجريات العملية.
غير أن القوات الصهيونية، وفي إطار التدابير التي اتخذتها عمدت إلى فرض نظام حظر التجول على المدينة وقامت بعمليات تمشيط واسعة فيها بحثاً عمن تعتقد أنهم قدموا العون لمنفذي العملية.

