تطل علينا ذكرى اليمة على قلوبنا جميعا ، ليس فقط لما حدث بها خراب ودمار ، ومن وقائع وأحداث اجرامية بحق المقدسات الاسلامية ، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، مسرى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ومعراجه للسماوات العلا ، بل بحق التاريخ العظيم لهذه الارض المقدسة ، والحضارة الناصعة التي ترزخ بها شوارعها وازقتها وحواريها وقبابها وماذنها وكنائسها واديرتها ، بل بحق الانسانية والبشرية جمعاء.
نعم انه الحادي والعشرين من اغسطس لعام 1969ميلادية حينما اقدم المجرم الارهابي الصهيوني الاسترالي الاصل ويدعى " دينيس مايكل " على اشعال نيران حقده وكرهه وكفره في المسجد الاقصى المبارك ، نعم التهبت النيران منبر صلاح الدين الايوبي ، وامتدت بسرعة لتدمر أسقف ثلاث أروقه من سطحه الجنوبي ، ناهيك عن العديد من الكتب والمصاحف والسجاد وغيرها.
وسرعان ما استنكر العالم وشجب وندد ، وليخرج علينا الكيان الصهيوني باكذوبة مفادها ان الفاعل هو مختل عقليا ، ولقد قالها كثيرا وفي مواطن وجرائم عدة منها مجزرة الحرم الابراهيمي في 25 فبرايرعام 1994م والذي راح ضحيتها اكثر من ثلاثين شهيدا وعشرات الجرحى على يد المجرم الارهابي باروخ غولدشتاين ، وعشرات الاعتداءات واطلاق النار من جنوده ومستوطنيه الارهابيين على المصلين بساحات المسجد الاقصى المبارك ، وغيرها من المجازر العديدة منها ما هو في قبية ، وجنين ،وقلقيلية، وكفر قاسم ، ودير ياسين ، وما العدوان الاجرامي الغاشم على غزة في ديسمبر 2008 عنا ببعيد ، وبعدها يخرج علينا بأنه هو الضحية وان المذبوح والمقتول هو الجاني لانه قد لوث حد سيفه بدمائه.
لم تطفئ النار من يومها ، والى يومنا هذا ، ولن تطفئ حتى تحرر هذه البقعة الطاهرة من أرض الاسراء والمعراج من دنس بني صهيون الانجاس ، حتى يزول هذا الاحتلال الاجرامي الظالم عن المسجد الاقصى المبارك ، ويعلو التكبير والاذان على قبابه وفي قرى ومدن ومخيمات فلسطين الحبيبة.
كيف تطفئ النيران ولازال الاحتلال جاثما على هذه الارض الطاهرة يعربد ويهود ويدمر ويعيث في الارض فساداً ؟!
كيف تطفئ النيران وقد امتدت أيادي الظلم لتطال رفات الاموات والشهداء والعلماء في المقابر وما مقبرة مأمن الله بالقدس وما يحدث بها عنا ببعيد ؟!
كيف تطفئ النيران ولازالت الاعتداءات والانتهاكات والقتل باشكاله والوانه ليل نهار بحق الرجال والنساء والاطفال ، بل بحق الشجر والحجر ؟ّ!
كيف تطفئ النيران ولازالت الجراح نازفات ولم تضمد او تطبب بعد حتى ارتوت منها الاشجار وفاحت من عبيرها الازهار مسكاً وعنبراً ورياحينا ؟!
كيف تطفئ النيران وهل تطفئ ، ولازالت طبول الحرب تدق بكل ناح وواد ، وما الاستعدادات والطلعات والتدريبات والاستنفارات وحشد الجيوش الا بواكير غيثها الاسود القاتل ؟!
كيف تطفئ النيران ومن اوقدها لازال ماسكا بها مؤججا نيرانها وسعيرها ، دون رادع أو مانع ؟!
قد يعتقد البعض ان الصورة متشاءمة ومسودة سواداً حالكاً وليس بها من بصيص أمل بالتغيير او التبديل او النهوض لواقع أحسن كله حرية ونهضة وانعتاق من الظلم والاحتلال والعبودية ، فالجواب وبكل تاكيد وثقة بأنه لا رغم مرارة الواقع وقساوته.
رغم مرارة الواقع وقساوته ، ورغم تجبر المحتل وغطرسته ، ورغم تخاذل المتخاذلين عن نصرة الضعيف والمكلوم والمستضعف ، ورغم تآمر المتامرين على الوطن وتاريخه وحضارته ومقدساته ، الا ان الوعد والثقة بما عند الله أقوى وأكبر وأعظم من أي اعتبارات او ترهات تحبط النفوس وتضعف العزائم والهمم .
إن من أشعل هذه النيران بيديه ليحرق بها الاخضر واليابس ، ليحرق الحضارة والتاريخ والانسان ، ستحرقه باذن الله تعالى لانه باطل والباطل الى زوال لامحالة وهذا وعد الله ومن أصدق من الله قيلا ، وصدق الله العظيم حين قال في كتابه الكريم : " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " 32 التوبة.
ثقوا أصحاب الحق التليد وأصحاب الوطن الواحد المجيد بأنكم اقوياء بتمسككم بحقوقكم وأرضكم ومقدساتكم ، وأنكم ضعفاء واهنون إن تخليتم عنها أو تنازلتم عن شبر منها .
أنتم أقوياء بوحدتكم وضعفاء بتفرقكم وتبعثركم وتشتتكم .
أنتم أقوياء بايمانكم وعقيدتكم وضعفاء بافكار الذل والعبودية والانهزام ، فتعلموا وادرسوا التاريخ ففيه العبر والعظة .
أما أنت يا أمة التوحيد فثقي بانك على الحق وتمسكي بعقيدتك وثوابتك ومقدساتك وتاريخك وحضارتك ، واعملي ليل نهار لاسترداد حقوقك المغصوبة ومقدساتك المسلوبة ، وطهري تربك وحرري ارضك ، ولا تنظري للوراء لجبن الجبناء او تخاذل المتخاذلين والعملاء ، ولا تخافي التهديد والوعيد بقطع المعونات والامدادات فلله خزائن السماوات والارض ولديك من الامكانات البشرية والثروات الخير الوفير ، وتوحدي على راية الحق وكلمة التوحيد ، ورصي صفوفك وتناسي خلافاتك واقفزي وتعالي على جراحاتك وثقي بان النصر مع الصبر وما النصر الا صبر ساعة وما النصر الا من عند الله .
" ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز " 40 الحج.
لنتعلم من تاريخنا الحافل ومن هذه الذكرى الاليمة على قلوبنا بالذات ، ولناخذ منها العبرة والعظة بدل من النواح والبكاء على الاطلال ورثاء الديار والتغني بالاشعار أوالخطب الرنانة ، فلقد جربناها وعايشناها زماناً طويل دون فائدة .
ان النواح والتباكي عليها وفي ذكراها لن تعيد أوطاناً ولا مجداً ولا حضارة ولامقدسات ، فعلينا أن نعمل لاستردادها وتطهيرها من غاصبيها ومحتليها ، وعلينا أن نربي أبنائنا على حب الأوطان والانتماء لها والتضحية من أجلها بدل من النزوح منها والهجرة عنها ، فكفانا زماناً من العويل والنواح وقد آن للفجر من انبلاج وانهضي أمة التوحيد لتعيدي مجداً تليد ، وكفانا نزوحاً عن الاوطان وبعداً وتشرداً عن الديار ، وكفانا تفرقاً وتشرذما فلنوحد اقوالنا وافعالنا لنعيش في ظل عدالة الحق ونور السماء.

