تعود بنا الذاكرة من جديد إلى العاشر من رمضان عام 2002، حيث كان زلزال "زقاق الموت" الهدار يعيد للأمة كرامتها ويطرق أبواب الموت الزؤام لأحفاد القردة والخنازير، ورغم مرور أعوام علي ذكرى فتوحات الانتصار إلا أن الفلسطينيين لا زالوا يحتفون بهذه الذكرى العطرة التي مرغت أنف جيش شارون في تراب الأرض، فكان الانتصار لثلاثة شموع أضاءوا سماء فلسطين، وكانت هزيمة لجيش سمّي بـِ "الجيش الذي لا يقهر"، فقهره أبطال سرايا القدس عشرات المرات في الخليل وجنين ورفح وخان يونس وبيت لاهيا والشجاعية والبريج والزيتون، وعمق فلسطين المحتلة حيث عملية كركور النوعية.
لقد عادت بنا الذاكرة إلى حيث يجب أن تتجه، إلى هناك.. خليل الرحمن.. جنوب ضفتنا المحتلة، إلى حيث يمارس الظلم الاستيطاني بحق أهالينا، إلى حيث يجب أن تكون الذاكرة.. إلى بندقية الأطهار الذين يدافعون عن شرف وكرامة الأمة العربية والإسلامية في وقت يتخاذل فيه العالم للدفاع عن الطفل الفلسطيني الذي يقهر برصاص صاحب القبعة الاستيطانية في خليل العزة والكرامة.
نتجه الآن إلى بوصلة شهداء الدم، أصحاب الخيار الأصيل، أقمار الجهاد في سماء فلسطين، إلى حيث ما يعرف بـِ "وادي النصارى" (زقاق الموت)، نتجه إلى حيث كان "أكرم وولاء وذياب"، إلى حيث كان قائد لواء جيش المهزومين "درور فاينبرغ"، والذي قال عنه أحد المحللين العسكريين "لو أن فاينبرغ حياً لتحدث عن بطولات الجهاد الإسلامي في وادي النصارى التي مهما تكلمنا عنها لن توصف فهي كانت بالصاعقة المدوية وقلبت موازين الحسابات التي تخطط لها الخلايا السرية للجهاد الإسلامي في الخليل".
هذا هو بداية الوصف الصهيوني لزلزال زقاق الموت "بالصاعقة المدوية" التي أحدثها ثلاثة جهاديين في أربعة عشر جندياً من كتيبة "نحال" الصهيونية التي تعد إحدى أبرز الكتيبات العسكرية المدّربة على مواجهة جيوش منظمة وليس مواجهة ثلاثة فلسطينيين لا يمتلكون إلا الإيمان برب الكون وأن النصر هو هدفهم الوحيد في معركة الفجر المبين في شهر فتوحات الإسلام العظيم.
العملية الجهادية
ستبقي عملية "زقاق الموت" كما أطلق عليها أمين عام حركة الجهاد الإسلامي د. رمضان شلح عنواناً بارزاً في تاريخ المقاومة الفلسطينية، ونموذج واضح علي قدرة هذه المقاومة في صنع المعجزات، وستبقي هذه العملية تستدعي في كل فلسطيني أن يستحضر اسم "سرايا القدس" في كل وقت وآن، واستحضار صور ثلاثة من رجال فلسطين وهم يضربون عمق الاستيطان في الخليل، حيث ما يعرف بالتجمع الاستيطاني "كريات أربع"، ويخوضون وحدهم عملية جهادية من طراز "نوعي" مع أبرز الوحدات الصهيونية خبرة قتالية في ما يعرف "بالجيش الذي لا يقهر".
إن عملية "زقاق الموت" تستحق أن يوصفها العدو قبل الصديق بأنها من بين أقسى الضربات التي أوجعت الجيش الصهيوني، وأنها الأقسى من حيث خسائر العدو والأبرع تخطيطاً وابتكاراً وتوقيتاً منذ اندلاع انتفاضة الأقصى قبل ما يزيد على ستة أعوام.
المفاجأة
لقد أحدثت سرايا القدس مفاجأة عسكرية بعمليتها البطولية، فبعد أن قام مجاهدوها بضرب العمق الصهيوني في مدن شمال فلسطين المحتلة عام 48، وفي الوقت الذي كانت فيه تتجه أنظار قادة الكيان الصهيوني إلى شمال ضفتنا المحتلة، كانت سرايا القدس تضرب الاحتلال وتوجعه في عمق الاستيطان بجنوب الضفة المحتلة، حيث أكد الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي أن العملية كانت تخطط لها الحركة منذ شهرين، وكان التخطيط والإعداد للعملية شاق ومحفوف بكل المخاطر التي تحيط بأي عمل عسكري للمقاومة الفلسطينية، وفرضت خريطة المنطقة علي الاستشهاديين الثلاثة القيام بجولات استطلاعية مستمرة لمكان العملية، حتى اضطر أحد الاستشهاديين والمخططين للمخاطرة بحياتهم والدخول بين جموع المستوطنين للتدقيق في المكان.
التنفيذ
في ساعات مساء يوم السبت، العاشر من رمضان، كانت مدينة الخليل علي موعد مع وداع ثلاثة فرسان من أبنائها، حيث كان يكمن هؤلاء الأبطال قرب "وادي النصارى" فاستعد الاستشهاديين الثلاثة للبدء في تنفيذ العملية الاستشهادية ضد الجيش الصهيوني ومستوطنيه المسلحين على "طريق المصلين" (وادي النصارى) والذي يقع ما بين "كريات أربع" والحرم الإبراهيمي، حيث اعتاد المستوطنين التحرك في مسيرة استفزازية مشياً على الأقدام من هذه المستوطنة باتجاه الحرم، وكانوا يقومون بأداء ما يطلقون عليها "صلاة السبت".
في هذا المكان ومع قرب انتهاء "صلاة السبت" لدى المستوطنين، كان فرسان الجهاد والمقاومة الاستشهاديين الثلاثة "أكرم عبد المحسن الهنيني" (20 عاماً) و "ولاء هاشم داود سرور" (21 عاماً) و "ذياب عبد المعطي المحتسب" (22 عاماً) يترصدون بالمستوطنين والقوات الصهيونية التي تحمي مسيرتهم الأسبوعية، فكان الأبطال الثلاثة يتربصون بعدوهم وفي أعينهم النصر أو الشهادة.
دقت عقارب الساعة أبوابها إلى السادسة والنصف مساءً.. حيث الوقت الذي وصل إليه الاستشهاديون الثلاثة إلى المنطقة المسماة "بشارع المصلين" وهم يحملون بنادق من طراز "إم 16" وثمانية مخازن ذخيرة لكل منهم وعدداً من القنابل اليدوية، وهم يرتدون زياً مشابها للزى الذي يرتديه المستوطنين، ومع قرابة الساعة السابعة.. انتشر المجاهدون الثلاثة في منطقة الهدف وأصبح جميعهم مشرفين تماماً على "شارع المصلين" على بعد ثلاثمائة متر من بوابة مستوطنة كريات أربع، حيث قام أحدهم بنصب كمينه في نقطة تطل على موقع عسكري صهيوني يقوم على الجهة الأخرى من الطريق، فيما اتخذ المجاهدان الآخران موقعيهما على بعد عشرين متراً بموازاته، ولكن في منطقة أعلى وعلى بيت يبتعد قليلاً عن الطريق ويشرف عليه، ويفصله عنه زقاق ضيق مظلم يقع ما بين سلسلة البيوت المحاذية للطريق مباشرة وبين النسق الثاني من البيوت المحاذية للطريق.
في تلك اللحظات العصيبة ومع بدء العد التنازلي للعملية، عاد آخر المستوطنين من منطقة الحرم الإبراهيمي، وأصبح معظمهم داخل المستوطنة.. وبينما مازالت حركة عسكرية نشطة في الشارع الأشد حراسة وتدابير أمن في الكيان الصهيوني، تبدو أمام المجاهدين الثلاثة من مكامنهم، سيارتا جيب إحداهما لجنود قوات الاحتياط والثانية لقوة من حرس الحدود.. أما قوة الحراسة الرئيسية فقد تواجدت على بعد ثلاثمائة متر من المجاهدين، أمام بوابات المستوطنة. وبذلك يصبح أمام استشهاديي "سرايا القدس" ثلاثة أهداف واضحة.
تمام الساعة السابعة وثلاث عشرة دقيقة، بدأ المجاهدين بعمليتهم البطولية فأطلقوا زخات نيرانهم باتجاه الأهداف المرصودة، حيث انتاب جنود الاحتلال الخوف والهلع من كثافة نيران المجاهدين الأشاوس وعنصر المفاجأة، وتحت زخات نيران الاستشهاديين الأبطال ووسط ذهول وخوف الجنود الصهاينة الذين كانوا في سيارتي الجيب والموقع العسكري كان المجاهدون الأبطال يأخذون مواقع أكثر تقدماً فيقتلون أربعة على الفور ويصيبون ستة آخرين.
وبعد دقائق من هذه الصولة، أصبح "طريق المصلين" كساحة حرب، حيث جنود قتلى على بجانب الطريق وآخرون جرحى يصرخون وآخرين يحاولون الفرار وهم يطلبون النجد، ووسط زحمة هذه الأحداث وصلت قوات مساندة صهيونية فوقعت تحت الكمين الذي أدرجه المقاومين لهم، حيث أوقف المجاهدين الثلاثة إطلاق النيران ومع وقف إطلاق النار تقدم الجنود واللواء "فاينبرغ" إلى مكان العملية وتفاجأوا بالقنابل اليدوية والرصاص الكثيف الذي بات يخرج من كل مكان، وطلب الجنود وحدات مساندة أخرى وبدأ جنود العدو يدرون حقيقة الكمين المميت فبدءوا بعملية اقتحام للزقاق، حيث قام جيب عسكري بالتقدم إلى طرف الزقاق حيث تعرض لرصاص المقاومين وعاد إلى حيث مكانه، واغتنم أحد الاستشهاديين الأبطال فرصة توقف الجيب حيث مكانه السابق طرف الزقاق فاندفع نحوه وقام بفتح الباب الخلفي ورشق بصلية نارية جنود العدو فأردهم جميعاً قتلي.
ساعتان ونصف الساعة مضت تحت هدوء حذر، في هذه الأثناء وصلت تعزيزات عسكرية إضافية ومع قوة الكمين البطولي لم يعد بإمكان القادة الصهاينة التفكير، فقد شل المجاهدون الثلاثة حركة قادة الجيش، حيث قام أحد الضباط الصهاينة بالوصول بجيبه العسكري إلى الزقاق فإذا بزخات الرصاص تطالهم فتقتل أحدهم وتصيب آخر.
وتمر ساعة أخرى على المعركة التي وصفها أحد الجنود الصهاينة بأنها كانت معركة من طرف واحد حيث المقاتلون الفلسطينيون يطلقون النار "علينا" كأنهم في حقل للرماية نحن فيه الدريئات.. وعاد إحدى الوحدات الصهيونية لاقتحام الزقاق واشتبك عناصر الوحدات المدججين بسيارات عسكرية مصفحة إلى بداية الزقاق ومن ثم انسحب الجنود إلى الخلف فعاد الجنود وفي مقدمتهم سيارة جيب مدرعة، فعاد المجاهدين وفاجأوها بزخات من الرصاص، فأصيب مسؤول أمن مستوطنة "كريات أربعة بجراح خطرة.
وتتوالى المحاولات الصهيونية فتقدم نائب قائد سرية الناحال محاولاً أن يكون بطل آخرها.. ويقرر الدخول في قلب الزقاق في مصفحة عسكرية. لكنه، وما إن يطل برأسه خارجها حتى يسقط قتيلاً برصاص المجاهدين المتمترسين في الزقاق.. وحين تنفذ الذخيرة يواصل المجاهدان الاثنان الباقيان القتال بأسلحة الجنود القتلى بعد أن استولوا عليها.
وبعد ساعات قاسية وطويلة مرت على جيش الاحتلال وقادته، قبل أن يقرروا التوقف لإعادة حساباتهم... كان منظر طائرات الهيلوكبتر والقنابل الضوئية التي أطلقها سلاح الجو، وأعداد الجنرالات في المنطقة وحركة الدبابات التي راحت تشدد الطوق حول المكان تؤكد أن الصهاينة قد أثخنوا بالجراح وبأعداد القتلى، وأنهم يبحثون عن مخرج ما من كل هذا الجحيم الذي لم يتوقعوه.. وكانت الخطة الأسلم لهم أن يدخلوا الزقاق كما دخلوا مخيم جنين، أي أن يختبئوا في كرات الحديد المتحركة (الدبابات والمصفحات)، بحيث لا يظهر أحد بما في ذلك رامي الرشاش على البرج، فيما راحت قوات كبيرة تكثف وجودها حول الزقاق.
لم تتوقف المعركة عند هذا الحد، حيث أن المجاهدين الباقيين تحصنا في المواجهة الأخيرة في إحدى الجيبات العسكرية المدرعة التي تركها جنود الاحتلال، عندها لجأ الصهاينة إلى استخدام الجرافات المدرعة، وقصف الزقاق وموقع المجاهدين بصواريخ الطائرات المروحية.. وكتب الله الشهادة لمجاهدي "سرايا القدس" الثلاثة بعد أن مرغوا أنف جيش العدو بوحل الخليل، وصرعوا أكثر من أربعة عشر جندياً ومستوطناً وضابطاً صهيونياً، وأصابوا العشرات بجروح الكثير منهم في حال الخطر.
كانت الساعة الثانية عشرة ليلاً حين توقف إطلاق الرصاص واستشهد المجاهدون.. ليدرك العدو وسط ذهوله الشامل أن ثلاثة مجاهدين فقط قاتلوا قواته المؤللة والمعززة بمختلف الأسلحة على الأرض والجو لخمس ساعات متواصلة، وألحقوا بها العار والهزيمة في عقر الاستيطان وأعمق مناطقه الأمنية.

