الإعلام الحربي _ خاص
كم هو صعب الحديث عن الشهداء العظماء؛ لأن الاقتراب من مهجهم ونورهم يحتاج إلى من يكتب تاريخهم بالدم القاني، وحتماً لن نوفي لهم حقهم، والأصعب أن نتحدث عن شهداء يشهد لهم تاريخ الصراع المشرف بفعل عنفوانهم الجهادي، الذي أوجع المحتل وجرَّعه كأس المنون.
نموذجان نوعيان
كيف لنا أن نتحدث عن رجلين بأمة، صنعا مجداً لا مثيل له، ولا يعرفهما إلا الله عز وجل ثم القليل القليل من أبناء شعبنا الفلسطيني، ومن الشهداء الذين صعدت أرواحهم نحو جنان الرحمن، ومن الأسرى الذين لم تنل قضبان الأسر من عزيمتهم، ومن رفاق دربه الذين لازالوا ماضون على نهجه بركب الجهاد.
إنهما الشهيدان القائدان أيمن ديب الرزاينة وعمار عثمان الأعرج، والذي يصادف اليوم الذكرى الـ25 لرحيلهما نحو علياء المجد والخلود، والذين صالا وجالا في ساحات الجهاد والعطاء والتضحية، وقدما نموذجاً نوعياً يقتدى به، فمنذ نعومة أضافرهما انتميا الى حركة الجهاد الاسلامي، وكانا من المجاهدين الفاعلين في صفوفها، والناشطين في فعاليات الانتفاضة الاولى، ويعدا من الأوائل المؤسسين للبنة الأولى ل"قسم" الجناح العسكري السابق لحركة الجهاد الإسلامي في عام 1993، وشاركا بزرع تلك البذرة المباركة، التي شكَّلت يومها رقماً صعباً في تاريخ الصراع، برفقة الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، والشهيد القائد محمود الخواجا، والشهيد القائد المهندس محمود الزطمة، وثلة من القادة الذين ما زالوا خلف ظلام الأسر، ومنهم ماضون على العهد والدرب.
إن ذكرنا الشهيد القائد الرزاينة ذكرنا توأم روحه الشهيد القائد الأعرج ورفيقي دربهما، الشهيدين القائدين المؤسسين الخواجا والزطمة، وإن ذكرناهم ذكرنا، الرجولة والشهامة، والشجاعة والإقدام، انطلاقاً من أسدود، إلى الشجاعية، إلى الشيخ عجلين، إلى كفار داروم، إلى نتساريم، إلى بيت ليد، إلى إيرز، وصولاً إلى سديروت التي لا يعرف ماذا فعل بها الشهيد الرزاينة إلا القليل القليل.
أوائل المجاهدين
كان الشهيد القائد الرزاينة والشهيد القائد الأعرج مميزين في جميع دوائر العمل الجهادي والاجتماعي، وكانا من المجاهدين العسكريين الأوائل في حركة الجهاد الإسلامي، وتميزا بحبهما للشهادة وقدراتهما الفائقة والعسكرية، وكانا من القادة البارزين الذين أوجعوا المحتل، وجرَّعوه كأس المنون بفعل عملياتهم النوعية والبطولية التي ضربت نظرية الأمن الصهيونية.
عمليات نوعية
تمتع شهيدنا القائد الرزاينة بشخصية عسكرية فريدة، وامتاز بالقدرة العالية على التخطيط والتنفيذ، فكان مجاهداً وقائداً رسالياً، أفنى حياته في سبيل الله، وكذلك الشهيد الأعرج كان من أبرز المهندسين المصنعين للأحزمة الناسفة والعبوات التفجيرية، وشارك الشهيدان الأعرج والرزاينة في عدة عمليات نوعية، من أبرزها:
- عملية الشيخ عجلين غرب مدينة غزة، التي أُصيب بها عدد من جنود الاحتلال، حيث كان الشهيد "أيمن" من ضمن المجموعة التي نفذت العملية، وكان من ضمنها أيضاً الاستشهادي أنور عزيز التي جند شهيدنا الرزاينة في صفوف "قسم"، في تاريخ 2/8/1993.
- عملية الاستشهادي المجاهد علاء الدين الكحلوت في مدينة أسدود، والتي أدت إلى مصرع صهيوني وإصابة 3 آخرين في تاريخ 12/9/1993.
- عملية الخط الشرقي شرق مدينة غزة، التي نفذها الاستشهادي المجاهد أنور عزيز، حيث كان لشهيدنا الرزاينة الدور البارز في الرصد والتخطيط للعملية، وكان على تنافس مع الاستشهادي عزيز على تنفيذها في تاريخ 13/12/1993.
- عملية الاستشهادي المجاهد علي العيماوي في مدينة أسدود، والتي أدت إلى مقتل صهيونيين وإصابة 4 آخرين في تاريخ 7/4/1994.
- عملية معبر بيت حانون "إيرز" التي شارك بها بنفسه برفقة عدد من المجاهدين في اليوم الأول لدخول السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، وأدت العملية إلى مقتل جنديين صهيونيين بعد الاشتباك معهما من مسافة صفر في تاريخ 20/5/1994.
- عملية مستوطنة "موراج"، التي أدت إلى مقتل 3 جنود صهاينة، وكان الشهيد الرزاينة قائداً للمجوعة التي نفذت العملية.
- عملية نتساريم التي أدت إلى مقتل 3 ضباط صهاينة وإصابة 4 آخرين، والتي نفذها الاستشهادي هشام حمد، والشهيد الرزاينة برفقة الأعرج هما من أشرفا على العملية من تجهيزِ وتوصيل الاستشهادي حمد لمكان تنفيذ العملية في تاريخ 11/11/1994، وكانت هذه العملية انتقاماً لعملية اغتيال الشهيد القائد هاني عابد، وظهر شهيدنا الرزاينة برفقة الشهيد القائد نبيل أبو جبر "الشريحي" في حفل تأبين هاني عابد ليعلن عن العملية البطولية.
- عملية مستوطنة "سديروت" والتي تمكن فيها الشهيد الرزاينة برفقة أحد المجاهدين من خطف الشرطي الصهيوني التابع لحرس الحدود "إيلان سُودريك"، وأُصيب بهذه العملية النوعية المجاهد المرافق للشهيد الرزاينة، فقام "أيمن" بإسعاف المجاهد الذي أُصيب بالعملية، وحال ذلك دون انسحاب شهيدنا أيمن بالشرطي المختطف بالعملية، فقام بقتل ذلك الشرطي، واستولى على سلاحه الشخصي وعلى أوراقه الشخصية، وتمكن من دفنه بمنطقة بعيدة عن مكان العملية، وكانت هذه العملية في تاريخ 12/2/1994، وأظهر شهيدنا القائد المسدس الذي أهدته إياه قيادة "قسم" والذي غنمه من الشرطي المختطف "إيلان سُودريك"، في حفل تأبين الاستشهادي علي العيماوي، وأطلق به النار في الهواء بحفل التأبين.
- عملية مستوطنة كفار داروم، التي نفذها الاستشهادي خالد الخطيب، وأسفرت عن مقتل 8 جنود صهاينة، وإصابة 40 آخرين، حيث كان الشهيدان أيمن الرزاينة وعمار الأعرج من المشرفين على العملية، وقاما بتوصيل الاستشهادي خالد الخطيب إلى مكان العملية في تاريخ 9/4/1995.
- عملية "بيت ليد المزوجة"، والتي نفذها الاستشهاديان أنور سكر وصلاح شاكر، وأسفرت عن مقتل 22 جندياً وضابطاً صهيونياً، وأُصيب أكثر من 60 آخرين بتاريخ 22/1/1995، حيث كان لشهيدينا الرزاينة والأعرج دوراً بارزاً ومهماً بالعملية برفقة الأسير القائد عبد الحليم البلبيسي، من خلال نقل الاستشهاديين، وإدخال العبوات والأحزمة الناسفة من معبر بيت حانون "إيرز" لمكان العملية من خلال التنسيق مع الشهيد القائد الخواجا، وتعتبر عملية بيت ليد من أكبر وأضخم العمليات الاستشهادية وأضخمها في تاريخ الصراع المتواصل.
رحلة الخلود
وقبيل استشهاد شهيدنا القائد أيمن الرزاينة بيوم واحد كان يخطط لتنفيذ عملية استشهادية كبرى لا تقل عن عملية بيت ليد إلا أن رصاص الغدر طاله برفقة الشهيد القائد عمار الأعرج في أحد المنازل في مخيم الشاطئ بتاريخ 3-2-1996م، في شهر رمضان المبارك قبيل آذان المغرب بدقائق أثناء تلاوتهما للقرآن الكريم، وهما ينتظران رفع الآذان للإفطار سوياً، ولكن رصاصات الغدر كانت لهم بالمرصاد، حيث اقتحمت أجهزة المخابرات التابعة للسلطة آنذاك المنزل وقامت بإطلاق النار صوب الشهيدين مما أدى الى ارتقائهما إلى علياء المجد والخلود مدرجين بدماء الطهر والنقاء بعد مسيرة حافلة ومليئة بالجهاد والمقاومة والتضحية والعطاء.

