الإعلام الحربي – وكالات:
يبدو الكيان الصهيوني هذه الأيام، وأكثر من أي وقت مضى، كيان تحت التحقيق. فالكثيرون من قادتها السياسيين يخضعون لتحقيقات في قضايا فساد إداري أو مالي أو حزبي. والبعض لا يرى في ذلك جديدا سوى أن الشرطة الصهيونية أصبحت تلاحق، بموجب القانون، قضايا لم تكن تلاحقها في السابق. وثمة سجال في الدولة العبرية حول جدوى هذه الملاحقة ومقدار الفائدة الناجمة عنها لمستقبل الكيان.
غير أن هذا السجال اندفع في الأسبوع الأخير نحو نقطة بالغة الخطورة في نظر الصهاينة جميعا.
فما نشر عن تداعيات ما بات يعرف بـ«وثيقة غالانت» وضع الجيش الصهيوني في دائرة الشبهات التي كان بعيدا عنها. فالوثيقة التي تم تداولها في أوساط قيادات الجيش تبين أنه ليس بعيدا عن الألاعيب السياسية، وأن المصالح الشخصية وقواعد الربح والخسارة قائمة فيه بشكل لا يختلف عن المعهود في المجتمع والحلبة السياسية.
وتضمنت الوثيقة نوعا من النصائح لجنرال ينافس على رئاسة أركان الجيش وكيف يمكنه تسويق نفسه. وتم تسريب الوثيقة للقناة الثانية في التلفزيون الصهيوني في إطار الخلاف بين رئيس الأركان غابي أشكنازي ووزير الدفاع إيهود باراك.
وسرعان ما ارتد التسريب على أشكنازي بعد أن تبين أنه كان يمتلك الوثيقة، وأنه أطلع المدعي العام العسكري عليها. وتبين أن العديد من الجنرالات في هيئة الأركان كانوا قد اطلعوا على الوثيقة التي عرفت باسم قائد الجبهة الجنوبية الجنرال يؤاف غالانت المقرب من باراك، والذي أعلن أنه لا صلة له البتة بالوثيقة. وكان مكتب استشارات، حملت الوثيقة اسمه، أعلن أن الوثيقة لم تخرج من بين يديه وأنه لا صلة له بها.
وسرعان ما خلق نشر الأمر فضيحة سياسية استدعت قيام الشرطة الإسرائيلية بالتحقيق في القضية. وجرى حتى الآن التحقيق مع عدد من قادة الجيش، بينهم رئيس الأركان نفسه، ومن المؤكد أن التحقيقات ستصل أيضا إلى وزير الدفاع. وفقط بالأمس كشف النقاب عن أن باراك يطلب من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عدم التدخل في الأمر وترك الشرطة تحل القضية.
فالخلاف بين باراك وأشكنازي على أشده، ليس فقط حول تعيين رئيس الأركان المقبل بل حول كل التعيينات الأخرى في الجيش. وقد تضمنت «وثيقة غالانت» نصائح حول كيفية إهانة رئيس الأركان ونائبه وتحويله إلى شخصية مصابة بـ«ذهان المهانة» على شاكلة الوزير الليكودي السابق دافيد ليفي.
ومن المعطيات المنشورة يتبين أن الوثيقة التي نشرت مزورة، لكن السؤال تحول نحو من قام بتزويرها وما مدى تعبير الوثيقة عن الخلافات ومستوى الأخلاق في قيادة الجيش نفسه. وتشك الشرطة الصهيونية بأن عددا من كبار ضباط الجيش والشخصيات العامة يقفون خلف هذه الوثيقة وتسويقها. ولذلك فإن الوحدة البوليسية التي تحقق في الأمر هي وحدة الجرائم الدولية.
وأعلن أشكنازي، في البداية، أنه لن يبدي رأيا في الأمر إلا بعد انتهاء تحقيقات الشرطة غير أنه اضطر أمس لتقديم توضيح. وقال إنه وقادة الجيش يتعاونون مع الشرطة في تحقيقاتها، وإنهم يثقون بها ومقتنعون بأنها ستصل إلى الحقيقة. وكانت شكوك قد حامت حول أشكنازي بعدما تبين أنه كان على علم بالوثيقة من أيام توزيعها الأولى في أيار الماضي. وقد أطلع المدعي العام العسكري عليها بصفته صديقا شخصيا له ولم يتباحث لا مع وزير الدفاع ولا مع رئيس الحكومة بهذا الشأن. وتتجه الأنظار نحو مكتب المتحدث باسم الجيش بوصفه الجهة التي سربت الوثيقة للتلفزيون.
وفي كل الأحوال فإن العديد من القادة السياسيين في إسرائيل يعتبرون أن «هذه واحدة من أخطر القضايا في تاريخ الجيش الصهيوني». وسبق للجيش الصهيوني أن عرف مؤامرات تداخل فيها العسكري مع السياسي، وبينها ما يعرف بـ«فضيحة لافون» التي أسقط فيها ضباط كبار وزير الدفاع في حينه اسحق لافون، لمصلحة رئيس حكومة معتكف هو ديفيد بن غوريون.
وتحت عنوان «جمهورية موز» كتب كبير المعلقين في «يديعوت أحرونوت» ناحوم بارنيع أنه «في الوضع الناشئ في قيادة الجيش الصهيوني، يخيل أنه يتعين حتى على الثعابين أن تنتعل نعالا عالية في وزارة الجيش. فالأحابيل، المؤامرات، الأكاذيب، طابور فاخر من المحقق معهم في الشرطة. هذه هي البشائر التي تخرج اليوم من الجيش. صحيح أنه سبق أن حصلت أمور كهذه. كانت هناك قضايا والجيش الصهيوني خرج منها. صحيح أن الجيش، كجهاز، يعرف كيف يؤدي مهامه حتى تحت هذا الظل. ولكن بالإجمال، هذا لا يغتفر ولا يحــتمل. هذا وضـــع جمهورية موز».

