الإعلام الحربي _ خاص :
ها هي المدينة الولادة .. القدس الشريف .. أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين تأبى إلا أن تزرع بذرة جديد حتى تربطنا بها منذ المولد ، فنظل مشدودين إليها، عاكفين في مساجدها، جزارين للخونة واليهود على أبوابها الشريفة ، لنبصر في عينيها الكثير من العظماء المقدسين ...
الأسير القائد " نضال عبد الرازق زلوم " ، المكنى بـ " أبي عبد الرزاق " الملقب بـ " فارس السلاح الأبيض ومفجر ثورة السكاكين " من مواليد مدينة رام الله في فلسطين المحتلة بتاريخ 13/4/1964.
كان نضال من المواظبين منذ الطفولة على زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه ليعود في كل مرة ليروي تفاصيل زيارته للوالدة الحنونة ويزف لها ببهجة واضحة كيف وصل وأين صلى ، وكيف عاد ثانية ، فلا يكاد يعود من زيارتها حتى يشده الحنين إليها ثانية .
ليس نضال كباقي أصدقائه بل ربما ليس كباقي أقرانه ، طفولته مميزة بفرح ونشاط ولعب ، هوايته صيد الفراشات وإبقائها لاهية في علبة أمامه .
كان نضال باراً بوالديه ومطيعاً ورضياً وحنانه بلا حدود وإيثاره للغير يغلب على كل تصرفاته منذ طفولته وكان محبا للدراسة بارعاً فيها .
واصل نضال تعليمها الإعدادي والثانوي حتى حصل على الدرجة الجامعية الأولى من جامعة " بيرزيت " واختار تخصص اللغة العربية وعند سؤاله عن سر هذا الاختيار كان يقول لأنها لغة القرآن الكريم .. لغة كلام الله .
فلقد قرر نضال منذ انطلاقة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أن يكون أحد أعضاء هذا الحركة المعطاءة، فمنذ قرار الحركة على لسان الدكتور المجاهد فتحي الشقاقي بنقلة نوعية للإطار الإسلامي بالتحرك العسكري، أومض في عقل نضال فكرة الجهاد في سبيل الله ومقاومته عسكرياً ولو بأبسط الوسائل المتاحة، فسار على درب ملهمه فن الطعن بالسكاكين المجاهد القائد " خالد الجعيدي " الذي نفذ أول عملية طعن عام 1987م ، في وقت لم يحرك فيه أحد ساكناً كانت حركة الجهاد الإسلامي تتولى زمام المبادرة في كل ما من شأنه رفع كلمة الله ومقاومة أعداء الله وتترك بصمتها المميزة على كافة الأصعدة .
نضال الحاصل على بكالوريوس في اللغة العربية يعين في المدرسة الشرعية في رام الله ويمارس عمله كمعلم للغة العربية لمدة شهر ولكنه ما إن يحصل على أول راتب له وهو أول دخل لشاب في الخامسة والعشرين من العمر في حينه يسارع إلى التبرع به كاملا للعائلات المستورة في حيه ويقدم استقالته من العمل برمته مردداً على مسامع والدته :" ربما هناك من هو أحق مني بالوظيفة "، بإيثاره المعهود لم تتفاجأ والدته ولم يحيرها موقفه الذي تكرر بأشكال مختلفة منذ طفولته .
إيثار الشهادة .. الأسر على الدنيا الفانية
الأسير نضال آثر الشهادة هذه المرة على زخرف الحياة الزائل ومتخلياً عن رغد العيش في عائلته الميسورة الحال فيقرر القيام بعملية استشهادية من نوع خاص فيعبر إلى مدينته الغالية القدس بتاريخ 3/5/1989م ، مسلحا بالإيمان بالله ومتوكلا عليه وضاما سكينه إلى صدره الطاهر تاركاً في غرفته وصيته للأهل ورامياً الدنيا الفانية خلف ظهره و مهرولاً نحو الشهادة والجنان بشوق ولهفة ، ليشن هجمته الجريئة على عدد من المستوطنين في شارع يافا في القدس ، فتطال سكينه الحادة ثلاث من ألد أعداء الفلسطينيين في بيت المقدس وأكثرهم تعصبا وعدوانية للمسلمين بالذات ويطيح بسكينه يمينا ويسارا بقوة وشراسة وجرأة طاعناً هذا وجارحا ذاك من نجس اليهود أجلكم الله ، مكبرا بأعلى صوته ولكن الكثرة تغلب الشجاعة فيتكالب عليه جمهور من قطعان المستوطنين ويشلون حركته ويقيدون يديه ورجليه وبعد السيطرة عليه ينقل لأقبية التحقيق ليلاقي العذاب ألوانا للانتقام منه ويكاد نضال يلفظ أنفاسه تحت وقع موجات التعذيب الوحشي التي مورست ضده لأكثر من شهر.
نضال يقول معقبا على هجمته الجريئة وسابقته الملفتة للأنظار : " كتبت وصيتي وحملت سكيني وهاجمت كل من قابلني حتى تمكن الصهاينة من السيطرة علي واعتقالي ، لم أتوقع في لحظة واحدة أن المولى عز وجل سيكتب لي الحياة " .
وبعد تحقيق مرير وأليم مع نضال الذي قرر أن يكون اسما على مسمى ليشفي بذاك العمل الشجاع قلوب قوم مؤمنين ويفجر ثورة السكاكين، يقترن اسمه بلقب يتشرف الجهاد الإسلامي إطلاقه على أول فدائي واستشهادي وهو لقب" فارس السلاح الأبيض ومفجر ثورة السكاكين " .
الحكم الظالم يطول المجاهد نضال
في نهاية المطاف يقدم نضال للمحاكمة الظالمة التي قضت بحكمها عليه بالسجن المؤبد ولكن محامي الإدعاء الصهيوني الحاقد يصر على استئناف المحاكمة من جديد لتوقيع عقوبة أقسى على نضال زلوم المجاهد الصنديد فينجح في مخططه وبالفعل يصدر الحكم بسجن نضال لمؤبدين و 35 عاما، كاشفا لنضال نفسه - والذي أصر جلادوه في تحقيقهم معه على أن أحداً لم يمت من طعناته - كذبهم وتضليلهم فربما يكون حكمهم الظالم الغاشم بالسجن لمؤبدين وعشرات السنين والهادف إلى زعزعة عزيمته ومعاقبته قاسيا وأليما على نفس الإنسان ولكنه مع نضال تحول إلى وسام شرف وتاجاً براقاً من العنفوان يتباهى به لأنه دليل دامغ على خسائرهم في الأرواح النجسة العفنة اثر ضرباته الموجعة بسكينه الطاهر المتشبث في لحومهم . ومن سجن إلى سجن يتنقل نضال تاركا طابعاً من القوة والشجاعة لكل من قابله وعرفه وتشرف بالحديث والتعامل معه .
ظل نضال ومازال شوكة في حلوقهم وخلف القضبان عصياً على جلاديه ومقاوماً لهم ، فها هو يصفع هذا الجلاد ويركل ذاك وينقض على هذا وينشب إظفاره في وجه ذاك تاركاً في وجوههم وأجسادهم أثر لكماته وركلاته وصفعاته حتى وصف بالعنيف وقضى فترة طويلة في زنازين العزل العنصرية كعقاب له وبظنهم الغبي أن هذا يضعفه أو يفت في عضده ولا يدرون انه داخل زنزانته في العزل يوقد في نفسه أتونا متفجرا من الغضب والسخط عليهم ، فما يكاد يخرج منها حتى يهب ويعصف في وجوههم لينفث بركان غضبه وسخطه وقد بات عصياً بمراحل ، ومشحوناً بدرجات لم يصل لها خيالهم المحموم يوما .
وخلال تواجده في السجن يتعرض نضال زلوم لهجوم من سجان حاقد فيتم نقله إلى سجن آخر تلافيا لالتقائه معه خوفاً من رَدة فعله العنيفة والتي هدد بها إن جمعته الأقدار يوما بخصمه ولكن وبعد نقله لسجن بئر السبع تصادف مواجهته لذاك السجان فينقض عليه ويوسعه ضرباً ولكماً وصفعاً وركلاً وبصعوبة بالغة يتم عزله عن خصمه ليلقى ثانية في زنازين العزل ليشحذ الغضب والسخط في قلبه عليهم من جديد .
تخبرنا أم نضال وتعتصر قلوبنا لوعة بصوتها المتهدج عن معاناتها التي لا تنتهي منذ اعتقال نضال ابنها البكر في 1989م ، وحتى اليوم فتقول : " منذ ستة عشر عاما وأنا اقطع المسافات الطوال وقد هدني المرض لأرى نضال وكل مرة اشعر فيها بالحزن والرثاء لحاله أجده صامدا قوياً ويشدني من حزني وألمي لفراقه بابتسامته ومعنوياته ...." وتضيف:" نضال وأخويه أيمن ومفيد يقبعون في سجون الاحتلال وأنا امضي وقتي للتحضير لزيارتهم فازور اليوم أيمن وغدا نضال وبعد غدٍ مفيد ، أتنقل من سجن لآخر في ظروف سيئة للغاية يعاني منها كل أهالي الأسرى نبقى في العراء ننتظر تلك الحافلات التي تقلنا إلى موقع السجون دون توفر أبسط وسائل الراحة لإنسان! فكيف بمريض أو طفل أو عجوز . وأحيانا أحرم من الزيارة في اللحظة الأخيرة كعقابٍ لأولادي وربما يكون هذا بالغ الصعوبة على من هي في مثل سني وتعاني من المرض ولكنه يملؤني بالفخر والحَبور لأنهم لم يشددوا في ممارساتهم القمعية ضدنا إلا لأن أولادي وخاصة نضال قد سببوا لهم ألما كبيرا " .

