الإعلام الحربي _ خاص
مضيتم مرابطين فوق أرض الرباط حين عز الرباط، وخضتم القتال وأعنف القتال حين عز القتال، وحملتم السلاح في زمن عز فيه السلاح، قبضتم على جمرة الدين وجمرة الوطن، وصعدتم والدنيا من حولكم في هبوط وانحطاط، واشتعلتم بالفرح والأمل والدم حين انطفأ الآخرون، وأنتم ذاهبون إلى الشهادة فداء للأمة والوطن فيما قادة الأمة ماضون في غيهم، فكان موعدكم مع التاريخ، وكانت الأمة على موعد مع ثورتكم الباسلة، التي ولدت عملاقة، وشمخت بسواعدكم، فكانت الخليل على أبواب الوطن هي الملتقى، وهناك طاب اللقاء دياب وعبد الرحيم، التقيتم محدقين ومحدقين في وجوه أبناء القردة والخنازير، ومطلقين رصاصكم ومحطمين بشجاعتكم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، ومفجرين بجماجمكم أسطورة شعب الله المختار.
يصادف اليوم الاثنين الموافق 25 - 9 الذكرى السنوية العشرون لرحيل الشهيدين القائدين "دياب عبد الرحيم الشويكي" و "عبد الرحيم عبد العزيز التلاحمة"، من قادة سرايا القدس في الخليل بالضفة الغربية المحتلة، واللذين ارتقيا للعلا في اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال عقب محاصرتهما في جبال الخليل.
"دياب الشويكي" في سطور
في الثالث من مارس لعام 1977م كان ميلاد الشهيد القائد دياب عبد الرحيم الشويكي (أبو يوسف)، حيث ولد في مدينة الخليل لعائلة كريمة، وتربى الشهيد تربية حسنة في رحاب المساجد، حيث غمر الإيمان قلبه، وتغلغل القرآن في صدره، فكان الشهيد يحفظ 25 جزءاً من القرآن الكريم.
تلقى شهيدنا القائد ذياب تعليمه في المدرسة الشرعية للبنين، ثم أنهى فيها دراسته الثانوية والتحق بجامعة الخليل التي درس فيها لمدة عام ونصف في قسم الشريعة الإسلامية، لكنه لم يكمل تعليمه فيها بسبب مطاردته من قبل قوات الاحتلال الصهيوني.
توفي والد الشهيد القائد دياب الشويكي وهو في الرابعة عشرة من عمره، وبذلك كانت الظروف المعيشية التي عاشها الشهيد قاسية حيث عاش طفولته مكافحاً من أجل تحصيل رزقه ورزق عائلته لكي يستطيع تغطية مصاريف دراسته بسبب عدم وجود أي معيل للعائلة غيره
.
للشهيد القائد دياب 13 شقيقاً، وقـد تزوج مـن اثنتين، رزق مـن إحداهن طفله الوحيد يوسف تيمناً بصديقه ورفيق دربه الشـهيد القائد يوسـف بشارات أحد قادة سرايا القدس في بلدة طمون، كما أن شـقيقه الشيخ المجاهد عزام مـن قيادات الحركة في منطقة الخليل وأحد مبعدي مرج الزهور وقد توفي في تاريخ 8-4-2021م خلال إجراء عملية "قسطرة قلب"، وأشقاؤه أسامة وعمار تعرضوا لاعتقالات متكررة في سجون الاحتلال الصهيوني.
كان الشهيد هادئ الطباع وخجولاً، دائم الاطمئنان والإيمان بالله وواثق دوما بنصره، وكان الشهيد شديد الفطنة والذكاء، وأحب الخير لكل الناس ولم يتوانى عن فعل الخيرات في لحظة من لحظات حياته، كان رجل إصلاح ويهتم بهموم من حوله.
استجاب الشهيد القائد دياب لصرخات الشهداء ورؤاهم، واختار الجهاد والمقاومة، خياراً مقدساً وملاذاً للقضية والشعب والأمة، من مناخ البؤس والإحباط الذي حاول البعض تسويقه طيلة عقود مضت، والمنارة التي استهدى بها عندما داهمته الأخطار، وانتشر الضباب الذي يحجب الرؤى، فمضى الشهيد حالماً وواثقاً بنصر الله متمنيا إحدى الحسنيين، وفي الوقت الذي لم نرى فيه إلا السقوط المدوي، والتعري الواضح، وفي الوقت الذي أصبحت كل أشكال وأصناف الوطنية والإسلامية "تَطرُّف" و" إرهاب"، وفي الزمن الذي انقلبت فيه المفاهيم بحيث أصبح الظالم مظلوماً، والإرهابي الحقيقي داعية للسلام وحقوق الإنسان.
الشهيد دياب من قادة سرايا القدس في مدينة الخليل، ربطته علاقة طيبة بقادة السرايا في الضفة منهم: الشهيد القائد محمد سدر، والشهيد القائد عبد الرحيم التلاحمة.
شارك شهيدنا القائد دياب مع رفاقه الشهداء محمد سدر وعبد الرحيم التلاحمة في تحمل مسئولية سرايا القدس في الخليل، وأشرفوا سوياً في التخطيط للعديد من العمليات النوعية التي هزت أمن الكيان الصهيوني منهــا: عملية التلة الفرنسية التي نفذها الاستشهادي حاتم الشويكي بتاريخ 4-11-2001م، والتي أدت إلى مقتل صهيونيين وإصابة العشرات من الصهاينة.
يسجل لشهيدنا القائد الشويكي مشاركته في التخطيط لعملية مغتصبة عتنائيل المقامة على أراضي فلسطين المحتلة جنوب الخليل التي نفذها الاستشهاديان أحمد الفقيه ومحمد شاهين من سرايا القدس بتاريخ 27-12-2002م، وأدت العملية لمقتل 4 مستوطنين وجرح عدد آخر، كما خطط شهيدنا لعملية «بيت شيميش» بتاريخ 20-3-2002م، التي نفذها الاستشهاديان: علي أبو بسمة، ونبيل النتشة.
حمل الشهيد القائد دياب الشويكي لواء العزة والكرامة لواء حركة الجهاد الإسلامي، وعمل في صفوفها، وخطط للعديد من العمليات الفدائية التي ضربت العدو الصهيوني في عمقه، حتى أصبح على رأس قائمة المطلوبين للاحتلال.
تعرض الشهيد الشويكي للاعتقال عدة مرات، حيث تم اعتقاله مرتين من قبل القوات الصهيونية، وقضى 14 شهراً في السجن في المرة الأولى، فيما قضى في المرة الثانية 8 أشهر، كما اعتقل لدى السلطة الفلسطينية، وأمضى في المرة الأولى عاماً ونصف وفي المرة الثانية ستة شهور في حملة الاعتقالات السياسية التي اعتمدتها السلطة الفلسطينية ضد المجاهدين من أبناء الشعب الفلسطيني.
كان الشهيد دياب الشويكي يخرج في كل مرة من سجنه وكله إصرار على مواصلة الطريق حتى دحر الاحتلال، كما تعرض لعدة محاولات اغتيال نجا بفضل الله.
مدة طويلة قضاها الشهيد في صفوف المقومة مطارداً في الجبال، ولم يسلم فيها أهل بيته من الإجراءات القمعية التعسفية الصهيونية، فقد تم هدم منزل والده بالكامل، وحتى أهل زوجته لم يسلموا من القمع وهدم وحرق منزلهم عدة مرات بحجة اختباء الشهيد القائد دياب فيه
.
"عبد الرحيم التلاحمة" في سطور
ولد الشهيد القائد عبد الرحيم عبد العزيز محمود التلاحمة (أبو القسام) في 20 يونيو (حزيران) 1973م في خربة البرج قضاء الخليل بالضفة الغربية المحتلة، تتكون أسرة شهيدنا من أربعة إخوة وست أخوات إضافة إلى الوالدين المتوفيين.
تلقى الشهيد القائد عبد الرحيم تعليمه المدرسي حتى أنهى المرحلة الابتدائية، ثم توجه إلى العمل بفعل الظروف المادية، عشق النزهة وأحب التنقل في الجبال وبين التلال في صغره حيث الهواء الطلق والطبيعة الريفية الخلابة، تميز الشهيد أبو القسام بالرجولة منذ أن كان طفلاً.
ارتبط الشهيد المجاهد عبد الرحيم بالمسجد منذ نعومة أظافره، أحب الشهداء وشارك في تشييع جنازاتهم، ومن أحب الشخصيات عى قلبه القائد رمضان شلح والشيخ أحمد ياس ن كرمزين للجهاد والمقاومة.
عُرف عن الشهيد المقدام أبو القسام رفعة أخلاقه وطيب منبته وأصالته. تقول زوجه عنه:" حسن الخلق وطيب القلب ورطب اللسان بذكر الله، أحبه كل من عرفه"، أنجب الشهيد عبد الرحيم طفلين هما قسام وبتول.
بدأ شهيدنا القائد أبو القسام مشواره الجهادي منذ بداية انتفاضة الأقصى، وبدأ يسطع نجمه في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الاسلامي، فحاولت قوات الاحتلال اعتقاله وداهمت منزله عدة مرات إلا أنه رفض تسليم نفسه وباءت محاولاتهم بالفشل.
لم يكن الشهيد عبد الرحيم معروفًا لقوات الاحتلال من قبل، كما أنه لم يتعرض لعمليات اعتقال قبل مطاردته خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، وذلك عائد لسريته التامة في العمل وتجنب الظهور العلني في أعمال المواجهة ضد الاحتلال.
ومع اشتداد هجمات سرايا القدس جنوب الخليل في الحادي عشر من رمضان 2002 م واقتحام مستوطنة عتنائيل وما نجم عنها من مقتل أربعة صهاينة، برز اسم الشهيد القائد عبد الرحيم كأحد المخططين لها مع الشهيدين القائدين محمد سدر ودياب الشويكي والأسير القائد نور جابر (أبو العبد)، وقد أطلقت عليه مخابرات العدو لقب (رامبو الخليل)، وكثفت من نشاطاتها لاعتقاله.
وعن محاولات اغتياله على يد استخبارات العدو - كما يقول رفاق دربه - كانت إحداها في عمارة غادرها قبل مجيء جنود الاحتلال بوقت قصير، وسبقت هذه المحاولة عملية انفجار سيارة مفخخة في حي واد الهرية حيث فخخت السيارة ليستقلها الشهيد عبد الرحيم إلا أنها انفجرت قبل أن يصلها، وهناك محاولة أخرى تعرض لها شهيدنا برفقة الشهيد القائد محمد سدر إلا أن الله نجاهما.
وذكرت مصادر فلسطينية مقربة من الشهيد القائد عبد الرحيم أنه رافق الشهيد المجاهد أحمد أبو دوش في منزل عائلة نصار الواقع في قرية دورا، وفي الوقت الذي ارتقى فيه الشهيد المجاهد أحمد أبو دوش شهيدًا تمكن الشهيد عبد الرحيم من الانسحاب من المكان.
كما قامت قوات الاحتلال باقتحام مدرسة الأيتام في الخليل بهدف اعتقال الشهيد القائد عبد الرحيم أو اغتياله ولكنه أيضًا انسحب بأمان، دون أن تتمكن من تحقيق أهدافها.
موعد مع الشهادة
في يوم الخامس والعشرين من سبتمبر للعام 2003م وأثناء تحصن الشهيدان في أحد الجبال حاصرتهم قوة عسكرية كبيرة من جنود الاحتلال مدعومة بالدبابات والتعزيزات العسكرية، وبغطاء مروحي من الطائرات، متخذة من شقيق الشهيد دياب درعاً بشرياً لكي يصل إلى ذياب ويوصل رسالة الأعداء له التي طالبوه عبرها للاستسلام، فرفض وقاوم حتى آخر نبضة في قلبه، ولم ترعبه الطائرات ولا مكبرات الصوت التي نادته بالاستسلام، وجرى اشتباك مسلح بين الشهيدين وجنود الاحتلال.
وبعد ساعات من إطلاق النار المتبادل، قامت الطائرات بقصف المكان بالصواريخ فاستشهد على الفور القائد دياب ورفيقه عبد الرحيم التلاحمة وأصيب عمار الشويكي إصابة متوسطة وتم اعتقاله على الفور، ليرتقي دياب ورفيقه شهداء يوزعوا دمهم الطاهر على جداول فلسطين، وليستلم الراية منهم فرسان الغد الجديد الواعد بالنصر المحتوم القادم من عيونهم ومن أفواه بنادقهم، فهنيئا لكم أيها الأبطال، وسلام عليكم في الخالدين، وسلام على رفاقكم المجاهدين، في الخليل وحرمها، وفي جنين ومخيمها، وفي غزة وبحرها، ونابلس وقلعتها، وبيت لحم وكنيستها.
العدو يسلم جثمانهما الطاهر
وكانت قوات الاحتلال قد سلمت جثماني الشهيدين القائدين دياب الشويكي وعبد الرحيم التلاحمة بتاريخ 31-5-2012م، بعد أن احتجزت جثمانهما الطاهر لمدة 9 أعوام بعد أن استشهدا بتاريخ 25-9-2003م في اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال عقب محاصرتهما في جبال الخليل.
