بالفيديو .. 20 عاماً على عملية الاستشهادية «هنادي جرادات»

الأربعاء 04 أكتوبر 2023

الإعلام الحربي _ خاص

هي الكلمات تقف عاجزةً عند الحديث عن الشامخات اللّواتي حملنَّ الهمّ الفلسطيني مع الرجل الفلسطيني المقاوم، نعم إنهنَّ العظيمات اللواتي يقفنَّ وراء العظماء من الشهداء والأحياء من المجاهدين، وهنا أتحدث عن السباقات منهنَّ نحو القدس وفلسطين "الاستشهاديات"، تطول قائمة الماجدات من أبناء هذا الشعب اللواتي أبهرنَّ العالم بهذه القوة التي امتلكنها في وجه جموع الشرّ.

نقف اليوم لنستعيد سيرة عطرة من سير نجمات هذا الوطن الاستشهادية المجاهدة الصوامة القوامة الزاهدة العابدة هنادي تيسير عبد المالك جرادات، التي أبت إلا وأن تكمل مشوار الشهادة والثأر المقدس الذي سار عليه الكثير من أبناء عائلة جرادات المعطاءة.

نوع العملية: استشهادية.

مكان العملية: حيفا المحتلة.

تاريخ العملية: 04-10-2003م.

خسائر العدو: : مقتل 21 صهيونياً وإصابة 50 آخرين.

منفذة العملية:  الاستشهادية/ هنادي تيسير جرادات.

حياتها ونشأتها

ترعرعت الاستشهادية هنادي جرادات في جنين المخرِّجة للأبطال, أبصرت النور في 22/9/1975) )م بمخيم جنين شمال الضفة الغربية المعروف ببسالة أبنائه وشجاعتهم، فعاشت طفولتها وترعرعت في أسرة محافظة مشهودٌ له بتدينها مكونةً من 12 فرداً- شابين وهما فادي وثائر و ثمانية بنات - ويعيل هذه الأسرة الكبيرة رجلٌ صالح قد أنهكه المرض الخطير الذي تفشى به (تشمع الكبد) ولكن لحسن زرعه أبى الشاب البكر (فادي) إلا قطع حياته الدراسية والانتقال للعمل؛ ليسد الثغرة التي خلفها مرض والده ولتكمل أخواته وأخيه دراستهم.

درست المجاهدة (هنادي) مراحل التعليم المختلفة في مدارس المخيم, وبرز تميزها في الدراسة عن أخواتها مما جعل والدها يرسلها إلى الأردن لتدرس المحاماة في جامعة (جرش), واجتازت (هنادي) الجامعة بتميز أخر وحصولها على درجة البكالوريس في القانون (المحاماة).

عنجهيته أشعلت نار الثأر

وفي نفس الوقت الذي بدأت معاناة تيسير(والد هنادي) مع المرض بدأ صراعه مع العنجهية الصهيونية الحاقدة, فتارة يمنعونه من السفر الضروري للخارج لتلقي العلاج في (ألمانيا), وتارة يضيقون عليه في ذهابه للأردن للفحوصات الاستكشافية لحالته المرضية, ولكن الضربة القاصمة لحياة هنادي والتي كانت بمثابة نقطة التحول مهمة هي لحظة مهاجمة البيت في (12/6/2003)م.

ففي مساء ذلك اليوم اجتمعت العائلة كعادتها على باب البيت ليتبادل الأخوة الحديث فيما بينهم بدون الوالدين الذاهبين للأردن للفحص الدوري للوالد, وبحضور (صالح جرادات) ابن عم فادي و صديقه المقرب المطارد من قبل الاحتلال, وبحضور زوجة صالح و ابنه صاحب العامين المشتاقان للغائب لأسابيع(صالح) بسبب الأوضاع الأمنية, وبينما يعم جوٌ ملؤه المحبة وفرحة صالح برؤية زوجته و مداعبة طفله, وباقتراب سيارة بيضاء (تحمل لوحة تسجيل عربية) ظن الجميع بأنها لأحد أصدقاء صالح, وإذ برجلين مسلحين ينزلان من السيارة و ينهالان بزخات الرصاص على فادي وصالح, واستمر إطلاق الرصاص حتى أتت سيارة أخرى تشبه الأولى ونزل منها مسلحين ليكملوا الجريمة الشنعاء ويقوموا بتصفية البطلين فادي وصالح دون اعتقالهما أو حتى التأكد من هويتهما, وعلى مرأى الجالسين من أخوة فادي وزوجة صالح وابنه وبدون أي شفقة.

وبعد أن عاشت هنادي هذه الحادثة المؤلمة وخصوصاً أن أخاها فادي كان يصرخ عليها لتساعده وتنقذه وهو ينزف من شدة تعلقه بها من بين أخواته, وأنها رأت فظاعة مشهد مقتل ابن عمها (صالح) أمام زوجته وابنه, انصقلت شخصية الثأر لدى (هنادي) وتبلورت لديها نظرة المسؤولية التي كان يحملها فادي, فيقول والدها (تيسير جرادات) صاحب الـ50 عاماً : أنَّ (هنادي) التي كانت تتدرب على المحاماة وتستعد لفتح مكتب خاص بها قررت أن تحمل مسؤولية رعايتي وعلاجي من جهة , وتأمين حياة أخواتها من جهة أخرى, فغمرتهنَّ بالمحبة والحنان و كانت لهنَّ الأب والأم والأخ, وقالت لهنَّ "أنا فادي فهو حي لم ولن يموت وسأوفر لكُنَّ كل شيء".

نصرت الله فنصرها

هنادي قوت علاقتها مع الله بالتزامها ومثابرتها, ويردف أباها قائلاً : كانت (هنادي) عظيمة ومثال للفلسطينية المخلصة, تصرفاتها اكبر من سنها وسلوكها متميز عن أقرانها، فكانت تصلي الصلاة في وقتها وتقوم الليل, وتتقرب لله عز وجل بكل الطاعات فتصوم وتقرأ القران حتى أنها ختمته سبعة مرات, والشهرين الأخيرين قبل استشهادها أمضتهما صائمة, فكانت ملتزمة مؤمنة صابرة وعندما استشهدت كانت صائمة.

وفي آخر الأيام زادت حالة والدها الصحية تردياً, وعاد الأطباء للجزم بأن السفر للخارج هو الحل الوحيد, ولكن الاحتلال رفض وبشدة وذلك بالتأكيد لأنه والد الشهيد فادي وعم صالح, وهنا بدأت نار الثأر للشهداء تتقد داخل (هنادي), وما زادها إصراراً إلا الظلم الواقع على والدها فأعدت العدة ووضعت النيّة واتكلت على الله وهي صائمة مقبلةً غير مدبرة, متجهةً لحيفا المحتلة إحدى معالم السياحة والرخاء عند الكيان الصهيوني, وبعد تفجيرها لنفسها في أحد المطاعم الكبيرة في حيفا, وفي يوم(04-10-2003)م تركت العار يلاحق 19 قتيلاً وما يقارب ال50 جريح, وهزت الأمن الصهيوني المزعوم في أكثر المناطق تأميناً في الكيان الصهيوني, وبذلك تكلل نفسها وعائلتها بشرف لا يضاهيه شرف وترتقي لتكون بذلك الاستشهادية السادسة على طريق شقائق الرجال.

جرادات حاكمة الاحتلال ميدانياً

المحامية (هنادي) عرفت كيف تتعامل مع قضية ظلم جائر واضح وصارخ, وقدمت لائحة الاتهام والمجرمين والضحايا إلى المحكمة العليا عند العدل القيوم, في حين يتوجه ساسة محنكين إلى محكمة الزيف الدولية لا العدل, وبكل ذل للمجتمع الدولي ليسمعوا بكلمة استهجان أو اعتراف بحق, وبذلك مهدت (هنادي) الطريق الحق بأشلائها, وأسرجت قناديله بدمها الطاهر, وأكدت أن فلسطين لا تعود إلا بطريق واحد ألا وهو طريق الشقاقي وطوالبة والشهداء أجمعين.

استقبلوا استشهادها بالزغاريد

ومن صور الشجاعة ورباطة الجأش, ما روي عن استقبال أهلها لخبر استشهادها بالفرحة والسعادة المصحوبتين بالفخر والاعتزاز, يقول والدها معقباً : لقد كنت في حالة لا يرثى لها من الألم وعند سماعي لخبر استشهاد هناء دبت في الروح وقمت من الفراش وتوجهت إلى المذياع لأسمع الخبر بنفسي, وإذ بالمذيع يقول "أن هنادي تيسير جرادات ابنة سرايا القدس الجناح العسكري للجهاد الإسلامي تمكنت من خرق الحواجز الصهيونية ونفذت عملية كبيرة في حيفا قتل وأصيب فيها العشرات من الصهاينة", فتوجهت للغرفة الرئيسية حيث كانت تجلس زوجتي وتحيط بها نساء الحي بعضهن يشد أزرها ويرفع معنوياتها ويعبرن عن اعتزازهن بالعملية البطولية, وبعضهنَّ يبكي ويندب, فصرخت عليهن بوجوب الفرحة لا النحيب, وخرجت على باب البيت وإذ بجميع أهل الحي ينهالون علي بالتعازي, فقلت لهم اليوم لا مكان للتعازي في بيتنا, ولن أقبل إلا التهاني باستشهاد ابنتي (هنادي) التي فعلت ما يعجز عن فعله الكثير من العرب, وهي قد رفعت اسم فلسطين عالياً, وانتقمت لفادي وصالح ولجميع الفلسطينيين , وهنا يبرز المنبع والأصل في التربية الحسنة والأخلاق الحميدة وقوة الإيمان الموجودة عند الاستشهادية (هنادي جرادات).