المواجهة الحتمية بين الكيان الصهيوني وفلسطيني 48 .. بقلم: صالح النعامي

الأحد 14 يونيو 2009

 

أجاز الكنيست الصهيوني مؤخرًا بالقراءةِ الأولى مشروعَ قانونٍ يُجَرِّمُ كلَّ شخصٍ يَرْفُضُ إعلان الولاء للكيان من المواطنة الصهيونية، وهو ما يُمَثِّلُ خطوةً أخرى على طريق نَزْعِ الشرعية عن فلسطينيي 48، حيث إن هؤلاء الفلسطينيين هم الذين يرفضون مثل هذا الإعلان.

 

بعض المجالس البلدية والمحلية اليهودية لم تنتظر إقرارَ مشروعِ هذا القانون العنصري بالقراءة الثالثة، فقامتْ بإصدار مراسيمَ تَحْظُرُ فيها على فلسطينيي 48 شراءَ شُقَقٍ سكنيةٍ، أو الإقامةَ في هذه المدن، دون أن تقوم الحكومة الصهيونية بالرَّدِّ على هذا الإجراء.

 

ويأتي التشريع الأخير في ظل طَفْرَةٍ من التشريعات العنصرية الْمُوَجَّهَةِ ضد فلسطينيي 48، والتي لم يكن آخرها قرارَ ما يعرف بـ " الصندوق القومي "، الذي يُشْرِف على إدارة الأراضي في الكيان الصهيوني بعدم بَيْعِ فلسطينيي 48 أراضي تحت أيِّ مُسَوِّغ.

 

وسبق للكنيست أن أقرَّ مشروع قانون يُجَرِّمُ كلَّ شَخْصٍ يزور دولةً من الدول التي تُعْتَبَرُ من " دول العدو "، وقد فُسِّرَ القانون على أنه يأتي لقَطْعِ الطريق على الساسة والنُّوَّاب الذين يُمَثِّلُون فلسطينيي48، والذين كثَّفُوا من زيارتهم لكلٍّ من سوريا ولبنان مُؤَخَّرًا.

 

إن أخطر ما في الأمر في هذه التشريعات العنصرية أنها تأتي في ظِلِّ اندفاع المجتمع الإسرائيلي بِرُمَّتِه نحو أتون تطرُّفٍ وشوفينية مَقِيتة، والتي دلَّلَتْ على نفسها بشكلٍ واضِحٍ من خلال نتائج الانتخابات الصهيونية الأخيرة.

 

ولعلَّ أخطرَ قانونٍ عنصرِيٍّ من الْمُتَوَقَّع أنْ تُقْدِمَ النخب السياسية الصهيونية على تشريعه في المستقبل هو المتعَلِّقُ بمستقبل عمل الحركة الإسلاميةِ بقيادة الشيخ رائد صلاح.

 

ومن المؤكد أنّ هناك جدلًا يدور داخِلَ المؤسسة الحاكمة، وفي أوساط النُّخَبِ الصهيونية حول جدوى نَزْعِ الشرعية القانونية عن عمل الحركة الإسلامية عبر تمريرِ مشروعِ قانونٍ في الكنيست، تُعْتَبَرُ بِمُوجِبِه الحركة الإسلامية غيرَ قانونية.

 

والذي يعيق سَنَّ هذا القانون حتى الآن هو حقيقةُ وجود خلافٍ عميقٍ داخِلَ المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية والنُّخَب الْمُثَقَّفة حول جدوى هذه الفكرة.

 

فبعض الساسة وكبار الجنرالات والباحثين والصحافيين يَرَوْنَ أن الخطوة الأولى التي يتوجَّبَ اتخاذها من أجل مواجهة الحركة الإسلامية بنَجَاعَةٍ تتمثَّلُ في إخراجها عن إطار القانون، ومَنْعِهَا من المشاركة في الانتخابات المحلية.

 

أحد المتحمسين لإخراج الحركة الإسلامية عن إطار القانون هو الجنرال المتقاعد إيهود ياتوم، الذي شَغَلَ في السابق منصبَ رئيس قسم العمليات في جهاز المخابرات الداخلية " الشاباك " الذي يستَهْجِنُ أن تُطَالِبَ إسرائيل بإخْرَاجِ الحركات الإسلامية في البلدان العربية بِحُجَّةِ أنها تُقَدِّمُ الدَّعْمَ للمقاومة الفلسطينية، في الوقت الذي تغض فيه تل أبيب الطَّرْفَ عن وجود الحركة الإسلامية التي تُعْتَبَرُ أكثرَ أعداء للكيان وحشيةً، مُشَدِّدًا على الخطر الهائل الذي يكْمُنُ في عمل الحركة الإسلامية.

 

في حين يقول وزير الأمن الداخلي السابق، عوزي لنداو: إن "إخراج الحركة الإسلامية عن القانون هو جُزْءٌ لا يتجَزَّأُ من الحرب ضد الإرهاب"، معتبرًا أنه كان يَجْدُرُ بالكيان الصهيوني استغلالُ الأجواء التي سادتْ في أعقاب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، من أجل إخراجِ الحركة الإسلامية عن نطاق القانون.

 

ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن المطالبة بإخراج الحركة الإسلامية عن إطار القانون تأتي في إطار تعاظُمِ التوجهات الشعبية اليهودية المطالبةِ بِنَزْعِ الشرعية عن مشاركة فلسطينيي 48 بشكل عامٍّ في الانتخابات التشريعية.

 

فحسب استطلاع للرأي العام تبين أن 40% من اليهود يطالبون بنزع حق الانتخاب عن فلسطينيي 48. ومن أجل تسويغ تحمسه لفكرة إخراج الحركة الإسلامية عن إطار القانون، يقول رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية سابقًا، الجنرال عاموس غلبوع: إنّ " تعاظُمَ شأن الحركة الإسلامية يُعَبِّرُ عن رغبة فلسطيني 48 في مواجهة الدولة ومُؤَسَّسَاتها، ولا يُعَبِّر بحال من الأحول عن إرادة في الاندماج في المجتمع ومؤسسات الدولة، ويجب على الدولة ومؤسساتِها المختلفة مواجهةُ التحدي الذي تُمَثِّلُه هذه الحركة بكل الوسائل المتاحةِ لديها، فمن حقِّ النُّظُم الديمقراطية الدفاعُ عن نفسها "، على حَدِّ زَعْمِه.

 

لكن في المقابل هناك مَنْ يرى أن إخراج الحركة الإسلامية عن إطار القانون سيعود كَسَهْمٍ مُرْتَدٍّ إلى عنق الكيان ذاته.

 

ويشارك في هذا له الرأي أوساط عسكرية وسياسية، فقد كَشَفَتِ الإذاعةُ الصهيونية باللغة العبرية النِّقَابَ عن أنه خلال مداولاتٍ سرية أجراها رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق أرئيل شارون في مارس 2004 حول مسألةِ إخراج الحركة الإسلامية عن إطار القانون، اعترض قادةُ شعبة الاستخبارات العسكرية، وبعضُ قادة " الشاباك " على هذه الفكرة، على اعتبار أنَّ مثل هذا الإجراء سيَدْفَعُ الحركةَ الإسلامية للعمل السِّرِّي بشكلٍ يجعل من الصَّعْبِ على مؤسسات الدولة متابعتُها، إلى جانب أن مثل هذه الخطوة ستُؤَدِّي إلى تعاظُمِ شعبيتها في أوساط فلسطينيي 48، وقد يدفع الحركةَ للانتقال للعمل العنيف ضد أهداف الدولة.

 

وهناك مَنْ يقترح بدلًا من ذلك التَّخَلُّصَ من التجمعات السكانية التي تضم مُؤَيِّدي الحركة الإسلامية، وذلك عبر طرح فكرة تبادُلِ الأراضي التي يُنَادِي بها حزب " بيتنا " المتطرفُ، الذي يقوده وزير الخارجية الصهيوني أفيغدور ليبرمان.

 

وحسب هذا الاقتراح الذي ورد في البرنامج السياسي والانتخابي للحِزْبِ عَشِيَّةَ الانتخابات الأخيرة، تقوم إسرائيل بالتنازل عن السيادة على منطقة الْمُثَلَّثِ التي تتواجَدُ فيها معظم التجمعات السكانية التي تَضُمُّ بشكل أساسي مُؤَيِّدي الحركة الإسلامية، وتحاول السيطرةَ على هذه المناطق للدولة الفلسطينية العتيدةِ، في حين يوافق الكيانُ الفلسطيني على ضَمِّ التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية للكيان. ولا يُنْكِر ليبرمان أنّ تحمسه لـ " تخليص " الكيان الغاصب من منطقة المثلث، يأتي لأن منطقة المثلث تَضُمُّ أكبر تجمُّعٍ لمناصري الحركة الإسلامية.

 

قصارى القول؛ أن هناك أساسًا للافتراض أن المواجهة بين الكيان الصهيوني والحركة الإسلامية في صفوف فلسطينيي 48 باتت محتمة.