دوافع ظهور العملاء
أما السبب وراء قيام الشخص بالتعاون مع الاحتلال فهو دوافع ذاتية تدعمها دوافع أخرى آتية من الإطار خارج الذات مثل المال، الجنس أو المخدرات. وقد يكون الدافع داخلياً ناتجاً عن شعور العميل بالإحباط أو عدم احترام الذات، ظناً منه أن تعاونه سيكسبه هذا الاحترام، أو قد يكون تنفيساً عن غضب أو معاقبة لأحد أساء إليه في السابق ولم يقدر على معاقبته بشكل مباشر، وقد يكون سبب التعاون حدثاً قاسياً مر به الشخص أثّر في مسار حياته ، وأخيراً قد يكون الدافع وراء تعامل الشخص مـع الأعداء مشاعر قويـة من الحقد على المجتمع أو الإعجـاب بالعدو بسبب ظروف سيئة أو حرمان من حقوق أو ما شابه..
وهناك دوافع شخصية أخرى تسيطر على الشخص وتؤدي إلى انحراف سلوكه وتدفعه إلى ممارسة التعاون مثل تعويض نقص الشخصية، حب السيطرة والتملك، التحكم بالآخرين، العدوانية، الرغبة في إيذاء الآخرين ، وجملة القول أنه ليس هناك عامل واحد يدفع للانحراف والتعامل مع الأعداء بل هناك ثلاثة عوامل رئيسة وهي:
1. العوامل الاستعدادية "الكامنة" وهي مرتبطة بخلفية الفرد ونشأته وعلاقته بوالديه وأقرانه.
2. العوامل المهيئة "المعززة" وهي موجودة في وسط وبيئة الفرد وتؤثر فيه مثل الظروف المادية والأسرية ومعاملة العائلة للفرد.
3. العوامل الضاغطة "المعجّلة" وهي ضغوط مزمنة يتعرض لها الفرد وتتفاعل مع صفاته وسماته الداخلية.
وعند النظر في التاريخ فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تحديد تاريخ محدد لهذه الظاهرة، فهي ظاهرة قديمة قدم الجماعات البشرية ارتبط وجودها بمصالح الدول وارتبط أكثر بالاستعمار.
فقد تجسس كل من الفراعنة والرومان والاسكندر المقدوني على خصومهم، كما استخدمها العرب قبل الإسلام، وفي العصور الإسلامية كان الرسول عليه السلام يرسل عيوناً لاستطلاع أخبار العدو قبيل المعارك والغزوات، أما التخابر مع الأعداء وتزويدهم بالمعلومات فقد نُهيَ عنه في الإسلام.
اهتم اليهود الصهيونيون بهذه الظاهرة وأولوها عناية كبيرة من أجل خدمة مصالحهم منذ قيام الحركة الصهيونية وحتى قبل قيام دولة إسرائيل، حيث تجسسوا على الدول العربية، وكشفت أحياناً شبكات التجسس هذه مثل شبكة "سوزانا" في مصر عام 1954، والعميل الصهيوني المعروف إيلي كوهين الذي تجسس لسنوات طويلة لصالح دولة العدو الصهيوني في سوريا (عباس، 2004: 24).
ومع كل الدوافع الداخلية والضاغطة على الشخص، هناك ظروف تستغلها الجهات المهتمة بتجنيد العملاء مثل صعوبة الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، وارتباط عدد كبير من الأيدي العاملة الفلسطينية غير المدربة بالعمل داخل الخط الأخضر، وهو سبب كافٍ لبعض الناس للوقوع فريسة العمالة مقابل تحسين الوضع المادي لهم أو لأسرهم. لذلك نجد المخابرات الصهيونية تستخدم الإغراء المادي للإيقاع بالعملاء. ثم هناك الابتزاز الذي يمارس للضغط على البعض الآخر بسبب البعدين الأخلاقي والديني في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ومنها المجتمع الفلسطيني، فحين تهدد المخابرات أي شاب أو فتاة في مقتبل العمر بفضيحة أخلاقية تعرف أنه من السهل الحصول على موافقة الضحية على التعامل، وهذا ما يكون في الغالب سبب وقوع الشخص ضحية التعامل مع الاحتلال. وهناك أيضاً سبب مهم وهو سيطرة الاحتلال الصهيوني على كل الأراضي الفلسطينية وتحكمه بمداخل ومخارج المناطق فكل شيء في حياة المواطنين مرتبط بالاحتلال من تصاريح السفر وتصاريح العمل، إلى رخص البناء والكثير الكثير من تفاصيل الحياة وهو أمر سَهّل على المخابرات الضغط على الناس وإجبارهم على التعامل معهم.

