الإعلام الحربي – غزة:
تتزاحم في مستشفى سجن "الرملة" الصهيوني القصص والروايات حول معاناة الأسرى المرضى داخل سجون الاحتلال، والذين تتباين أعدادهم بين فترة وأخرى، إلا أنها في ازدياد مضطرد.
ويحوي هذا "المستشفى السجن" من عذابات الأسرى الشيء الكثير؛ فمنهم من كتب الله له الشفاء فعاد إلى سجنه الذي خرج منه لا إلى بيته، ومنهم من لا يزال هناك منذ سنين، بعضهم تجاوز ثلاثة عشر عاماً في هذا المستشفى، مثل الأسير أكرم سلامة من مدينة خان يونس (جنوب قطاع غزة)، ومنهم من كان القبر مصيرهم مثل الأسيرين محمد أبو حمدان وجمعة موسى من مدينة القدس وربيع حرب من سلفيت.
ويروي كثير من الأسرى ممن كان لهم نصيب زيارة هذا السجن، والذي يسمى زوراً "مستشفى سجن الرملة" لمركز "أحرار" لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان، صوراً كثيرة من معاناة المقيمين داخله.
وفي هذا السياق، يقول الباحث في شؤون الأسرى فؤاد الخفش إن إدارة السجن تعاملهم كمعاملة بقية السجون، فهم يوضعون داخل الغرف وتغلق عليهم الأبواب، ولا يسمح لهم بالخروج إلى "الفورة" (الاستراحة) إلا لساعات محدودة، مع العلم أن ساحة الفورة لهذا السجن موجودة في الطابق الذي يعلو قسم غرف المرضى الأمر الذي يحول من صعود أسير مشلول الدرج أو السلم من أجل الوصول إلى الطابق العلوي.
كما أنهم يواجهون صعوبة في الوصول إليها، لذلك يفضلون البقاء داخل الغرف بدلاً من الصعود إليها، ويزيد من معاناتهم أن نوعية الطعام رديئة، كما أنه لا يتناسب في أغلب الأحيان مع طبيعة المرض الذي يعانيه الأسير.
حقل تجارب
وأكد الخفش أن هناك الكثير من علامات الاستفهام حول نوعية وطبيعة الدواء المعطى لهم، ليكون الأسرى حقل تجارب لكثير منها، وإذا لزم الأمر إجراء عملية جراحية لأحد الأسرى فإنه سينتظر الأشهر الطويلة لكي يأتي موعدها، ويكون مرضه قد استفحل والعملية الجراحية حينها لن تقدم أو تؤخر أي شيء، وربما تكون سبباً في مضاعفة ألمه ومرضه، خاصة من الأخطاء المتكررة، وربما المقصودة خلال إجراء العمليات الجراحية.
ونقل الخفش عن الأسرى المرضى في هذا السجن رسالة يبرقونها إلى من تغنوا يوماً من الأيام بالدفاع عن حقوق الإنسان، فيقولون فيها "إن هناك أناساً أنهكت الأمراض أجسادهم وأذابت السجون أعمارهم، يعانون في كل ساعة بل في كل لحظة، ويطالبون لا بإطلاق سراحهم، وتقديم أبسط حقوقهم ألا وهي علاجهم مما تعرضوا له من أمراض، وتوفير الدواء المناسب لهم وتأمين أسباب الراحة في مكان إقامتهم.
وسرد الأسرى في هذا السجن، في رسالة وجهوها لمركز "أحرار"، أصنافاً من معاناتهم؛ فبعضهم يعاني من الشلل النصفي كالأسير محمد عبد العزيز من جباليا، والأسير أشرف مسالمة من بيت عوا والأسر خالد الشاويس من جنين، ومنهم من يعاني من مرض في القلب كالأسير طلال حسونة من الخليل، أو فشل كلوي مثل الأسير زهير لبادة من نابلس، والأسير أكرم سلامة والذي يعاني من إصابة في الظهر، وغيرهم.
نداء مناشدة من داخل "مشفى الرملة"
ونوهوا في رسالتهم إلى المركز الحقوقي "أحرار" أنه يرقد أكثر من 20 أسيراً داخل هذا المستشفى، بالإضافة إلى عشرات الحالات التي تأتي من كافة السجون ولفترات قصيرة.
وقال الخفش إن الأسرى المرضى في سجون الاحتلال "ليسوا كغيرهم من المرضى، حيث يعامل المريض عادة معاملة حسنة، وتوفر له كل أساليب الراحة والإمكانيات والأدوية حتى يشفى مما يعاني، ولكن الشعب الفلسطيني يختلف دائماً عن غيره من الشعوب، وأسراه أيضاً صورة من الصور النادرة لأسرى حرب اعتقلهم عدوهم ووضعهم خلف القضبان وتمضي عليهم السنون ويذوقون خلف هذه القضبان صوراً شتى من القهر والإذلال.
وأضاف الخفش أن طريقة الاعتقال وأساليب التحقيق وطول السنين وكبر السن تلعب أدورا مختلفة في مفاقمة المرض أو سببا فيه، "ولا تتعجب هنا إذا قلنا إن القهر والإذلال سبب رئيسي أيضاً لمثل هذه الأمراض، حينما يكون الأسير الفلسطيني لا أسيراً وحبيس القضبان فقط، بل حبيس مرضه الذي ألمّ به ربما في المكان الخطأ ليعيش حينها حياة الأسير وحياة المريض، ليعيش ذل القيد وألم المرض ويلاقي حينها ما يلاقي دون مؤازر أو نصير".
وذكر أن هناك الكثير من الحالات التي تحولت فيها الأمراض من أمراض عارضة، إلى أمراض مزمنة دائمة، ربما تسير بصاحبها نحو القبر، بسبب إهمال متعمد أو تلكؤ طبيب وضع إنسانيته ومهنته جانباً، ليكون حقده وعداؤه للأسير الفلسطيني أداته للعلاج.
وسلطت الرسالة الضوء على عدد من الحالات التي تعني من أمراض مستعصية في هذا السجن وهم:
* زهير لبادة (أبو رشيد) من محافظة نابلس، حافظ لكتاب الله ومعتقل إداري منذ أكثر من سنتين دون محاكمة، عنده مشكلة في كليته "فشل"، يقوم بغسل كليته يوماً بعد يوم، حيث يستمر وقت الغسيل أربع ساعات من السابعة مساءاً وحتى الحادية عشر ليلاً، وهو يعاني معاناة شديدة وألم لا يكاد يحتمل.
يقول لبادة إنه يرى الموت يومياً، خاصة عند غسيل الكلى، مشيراً إلى أنه أصبح ضعيف البنية، نحيل الجسم، وزنه كالريشة قليل الحركة والكلام.
ويشير إلى أن ابن خاله تبرع له بكليته، لكن سلطة السجون رفضت ذلك لأنه ليس قريباً من الدرجة الأولى.
* أكرم سلامة من قطاع غزة، المحكوم بالسجن ثلاثين سنة (شقيق القائد القسامي حسن سلامة) موجود في المستشفى منذ 17 عاماً، حيث أصيب أثناء اعتقاله في المثانة، حيث يوجد كيس مغلق بجانبه من أجل "التبول" منذ 17 عاماً أي بداية اعتقاله، يرافقه ليل نهار، صباح مساء.
قام بعمل عملية جراحية، واعتبرت ناجحة لأنه أزال الكيس من الخارج وتم وضعه في داخل جسمه.
* ظافر جبارين من أم الفحم، محكوم 17 سنة، ومعتقل منذ 7 سنوات، ويعاني من مرض غريب وهو وجود شحنات كهربائية في عنقه، حيث تدخل هذه الشحنات أحياناً إلى القلب فتؤدي إلى ألم شديد وأحياناً تصعد إلى الدماغ فتؤدي إلى صداع شديد جداً.
* محمد أبو لبدة من قطاع غزة: محكوم 12 سنة ومعتقل منذ 9 سنوات، اعتقل وكان يمشي على "عصي _ عكازات"، وتم إجراء عملية له في ظهره، لكنها فشلت بسبب اللامبالاة من قبل "الأطباء" الصهاينة. وعقب ذلك أصبح مقعداً ويسير على كرسي متحرك، أي حاله ازداد سوءاً.
تم وضعه مرة ثانية على برنامج العمليات، ولكنه رفض ذلك حتى لا تسوء حالته أكثر فأكثر. وهو ينتظر إذناً من مصلحة السجون بأن تسمح له بإدخال بروفيسور في الطب لكي يشرف على عمليته، وإن تمكن هذا الطبيب، يقوم هو بإجراء العملية بدل الأطباء الصهاينة.
* إبراهيم جندية من بيت لحم: محكوم سبع مؤبدات، ومعتقل منذ ثماني سنوات. قبل اعتقاله كانت صحته في أفضل حال، وبعد الاعتقال أصبح عنده مشكلة نتيجة التحقيق الوحشي الذي مورس ضده في بداية اعتقاله، وأصبح عنده خلل في العامود الفقري "ديسك"، وكانت المشكلة قبل سنوات في فقرة أو فقرتين، وازداد الوضع سوءاً بعد ذلك، وأصبحت الآن ست فقرات، وهناك خطر موجود وقابلية لزيادة الفقرات.
يأخذ جندية إبرة كل ستة شهور مرة واحدة فقط، وحركته الآن بطيئة ويمشي بصعوبة، وينتظر الآن السماح لطبيب خاص للإشراف على علاجه.
* أحمد النجار من سلواد – رام الله: محكوم 7 مؤبدات ومعتقل منذ 7 سنوات. مصاب بالسرطان في حلقه، وكان وضعه في الفترة الأخيرة خطيراً جداً، وأصبح نحيل الجسم، ضعيف البنية، قليل الحركة، لا يستطيع التكلم.
أجرى النجار أخيراً عملية ليزر لحرق الخلايا السرطانية في حلقه، وقد استمرت هذه العملية ستة شهور، وقد عانى في هذه الفترة من ألم حرق حلقه .. أصبح وضعه الآن مستقراً، بعد أن وضع له أنبوب بلاستيك يخرج من عنقه ليساعده على التنفس.
* مجدي حماد من قطاع غزة، شقيق وزير الداخلية فتحي حمّاد، محكوم بالسجن المؤبد ومعتقل منذ عام 1992، وقد عانى في الفترة الأخيرة من زيادة في ضغط الدم "مرض الضغط"، ثم أصيب بارتفاع في السكري "مرض السكري"، وقد أصيب في الفترة الأخيرة بإحدى عينيه بسبب مرض السكري.
* الأسير حسن سلامة من قطاع غزة، محكوم بالسجن المؤبد 42 مؤبداً ومعتقل منذ 1996م، موجود في العزل منذ سبع سنوات "العزل الانفرادي، وتراجع وضعه الصحي في الفترة الأخيرة. وضعه في العزل صعب جداً، ويعاني معاناة شديدة جداً.
يوجد سلامة الآن في عزل رامون في ظروف قاسية وصعبة جداً، يتم نقله كل 5 أيام من زنزانته إلى زنزانة أخرى بهدف التنكيل به، ووضعه في حالة عدم استقرار.
ظروف العزل قاسية جداً .. لا يوجد عنده أغراض ، ولربما عددها لا يتجاوز أصابع اليد .. الملابس لا تزيد عن ثلاث قطع ، حتى الملابس الداخلية لا تزيد عن ثلاث قطع ، بالرغم من أن هناك قانوناً في هذا الموضوع ، ولكن إدارة السجن لا تقوم بتطبيق أو احترام القانون الذي هم وضعوه بأنفسهم للتنكيل بهؤلاء للأسرى .
وناشد الخفش المؤسسات الدولية ومنظمة أطباء بلا حدود بضرورة التدخل السريع والعاجل من اجل وقف معاناة الأسرى المرضى، وإرسال بعثات طبية للوقوف على الوضع الخطير الذي يعاني منه الأسرى.

