بقيادة "سرايا القدس"..عملية "فتح خيبر" النوعية": توحيد لفصائل المقاومة وتمزيق لشمل العدو

الخميس 23 سبتمبر 2010

الإعلام الحربي – خاص:

 

كان اللقاء سهلا بين الصادقين من أبناء الأمة..وكان الهدف واضحاً وضوح الشمس.. وكانت القدس في العيون ودروب الوطن الذي رسمته ذاكرة الأجداد شارعاً شارعاً.. وبيدراً بيدراً وكانت في أنوفهم رائحة ليمون يافا وتخصبت جباههم بحناء الحنون الممتزج بتراب الأرض التي باركها الله .

 

لم يشعر الاستشهاديين الأبطال محمد زهير سعيد العزازي من سرايا القدس وعماد عطوة عودة أبو سمهدانة من لجان المقاومة الشعبية ويوسف عبد الله عمر من كتائب الشهيد أحمد أبو الريش للحظة أنهم يمثلون أسمائهم.. بل كانوا قد انتبوا أنفسهم نيابة عن الشعب كله.. كان جميع المقاومين والمجاهدين حاضرون بلا تسميات اللهم إلا الصدق الذي نطقت به بنادقهم .

 

شارك مجاهدونا الأبطال في رصد هدفهم على مدار أسابيع واربطوا على الحدود أياماً طويلة لتخترق عيونهم الثاقبة تحصينات العدو التي صممها احرص الناس على الحياة.. وكانت مغتصبة موراج المحررة تشتهر بشدة تحصيناتها وكثرة جنودها كونها كانت تمثل امتداداً سرطانياً في قلب ارض رفح

 

العملية النوعية

 بحلول صباح يوم الخميس 9 شعبان 1425هـ الموافق 23/9/2004م في مثل هذا اليوم المبارك، هاجم ثلاثة من استشهادي من سرايا القدس وأبناء ألوية الناصر صلاح الدين وكتائب احمد أبو الريش مغتصبة ميراج الصهيونية واقتحموا الموقع العسكري فيها وخاضوا اشتباكا عنيفا مع جنود الموقع لعدة ساعات قتل خلالها ثلاثة جنود صهاينة احدهم برتبة ضابط. بالإضافة إلى العديد من الإصابات، قبل ان يرتقي ثلاثتهم إلى علياء المجد مقبلين غير مدبرين. والشهداء هم: المجاهد محمد العزازي من سرايا القدس والشهيد المجاهد عماد أبو سمهدانة من لجان المقاومة الشعبية والشهيد المجاهد يوسف عمر من كتائب الشهيد أحمد أبو الريش.

 

الشيخ خليل والدور البارز

وتحدث الشهيد ابو سمهدانة خلال تلك المقابلة عن الدور البارز الذي لعبه الشهيد القائد محمد الشيخ خليل قائد سرايا القدس في جنوب قطاع غزة، والذي استطاع بدوره أن يجند دليل يوصل الشباب الثلاثة إلى داخل المستوطنة. وأوضح ابو سمهدانة أنه تم إعداد خطة مشتركة للهجوم على النقطة العسكرية الموجودة داخل المستوطنة من قبل اثنين من الاستشهاديين و استدراجهم نحو الاستشهادي الثالث يكون داخل الحمامات الزراعية وذلك كله بإشراف الشهيد القائد محمد الشيخ خليل.

 

تفاصيل مثيرة

و يتابع أبو عطايا كلماته عن محمد الشيخ خليل وسط الدموع الحارقة على فراقه، ويضيف لقد كان الشهيد القائد حريصا على حياة الاستشهاديين، حيث قام بتفحص بنادقهم الرشاشة قبل الانطلاق إلى ارض المعركة، وعندما لاحظ أن تلك البنادق تصدر أصواتا عالية قد تؤدي الى كشف تحركات الاستشهاديين سارع إلى إصلاحها.

 

وأضاف ابو عطايا لقد عمل الشيخ خليل على تجهيز ملابس وعتاد الاستشهاديين وفي يوم تنفيذ العملية استيقظت من النوم وجدته يلمع في السلاح و يتفقده و قال لي توكل على الله و قد جمعنا الشباب في حقل التدريب في الليل و كنت أنا في خان يونس اتابع مع الدليل و ضمنت دخولهم و جئت لمحمد و قلت له الأمور كما تحب فقال لي توكل على الله.

 

التحرك نحو العملية

و أخذنا الشباب في المساء ووصلناهم إلى شجريتين في الأحراش بعيدا عن المستوطنة حوالي 200متر شمال شرق المستوطنة وعندما وصل الشباب كان الشهيد عماد أبو سمهدانة والشهيد محمد العزازي ويوسف عمر وبقينا في خانيونس لنتابع معهم من خلال أجهزة الاتصال التي أعدها القائد الشيخ خليل للاستشهاديين، لمتابعة مجريات الأحداث معهم وهم في ارض المعركة الامر الذي يرفع من معنوياتهم.

 

انطلاق العملية

وأضاف الشهيد ابو سمهدانة: بعيد صلاة الفجر، تلقينا اتصالا من الإخوة في ارض المعركة وأخبرونا بأنهم على جاهزية تامة لبدء الهجوم، وعندها أعطيناهم إشارة البدء في الهجوم، وعندها تقدم الدليل باتجاه السلك الذي يحيط بالمغتصبة وفتح فيه ثغزة تمكن من خلالها الاستشهاديون من الدخول الى المغتصبة، وكان كل استشهادي مزود بعبوة ناسفة الى جانب سلاحه الرشاش وعدد من مخازن الرصاص، حيث تمكنوا من زرع العبوات الناسفة في منطقة الحمامات الزراعية، وقد تم تعيين الاستشهادي العزازي مسؤلا عن التعامل مع تلك العبوات.

 

واضاف:  وبعد زراعة العبوات  تقدم الاستشهاديان الاخران باتجاه الغرب من الحمامات وزحفوا حوالي 150 متر بجانب ساتر ترابي و بعهدها اتصلوا علينا وأبلغونا عن الموقف و قالوا لنا الموقع يبعد عنا حوالي سبعين متر، و قلنا لهم كل واحد يضع سلاحه في يده و يجهز حاله و كل واحد يتجه باتجاه احدي الأبراج العسكرية الموجودة على البوابة وعند سماع أية حركة من قبل جنود الاحتلال سارعوا الى القاء القنابل،وقد كنت حينها على اتصال مباشر مع الشهيد العزازي ليكون على جهوزية تامة.

 

اقتحام الموقع العسكري بدون اى طلقة

وتابع الشهيد القائد ابو سمهدانة، "اقتحم الشباب الموقع بدون أن يطلقوا اي رصاصة و اتصلوا علينا و قالوا لي يا حاج نحن الآن في الموقع و القلب العسكرية فارغة لم يوجد بها احد و الآن الساعة السابعة صباحا والجنود يتناولون الإفطار وعندها طلبت منهم بدء الهجوم، حيث سمعت من خلال الهاتف الذي كان بحوزة الشهيد العزازي اصوات الرصاص، وبقيت مع العزازي على اتصال حتى الساعة الثامنة صباحا وقلت له ان الهدف من وراء عملية اقتحام الموقع  استدراج الجنود باتجاهك لتقوم بقنصهم وقتلهم. وقد استمرت مدة خمسة ساعات كنت انا والشهيد محمد الشيخ خليل على اتصال مباشر مع الاستشهاديين.

 

صمود وصبر العزازي

واضاف القائد ابو سمهدانة ان الشهيد العزازي حرص على الحفاظ على حياته أكبر قدر ممكن وذلك بهدف قتل اكبر عدد ممكن من جنود الاحتلال، لكن المفاجأة ان قوات الاحتلال لم تتقدم باتجاهه لكنها قدمت من جهة أخرى غير التي كانت متوقعة، وبدأت الجرافات تجرف في الحمامات والطيران يضرب والدبابات تقصف، ومحمد العزازي كان صبره عظيم وتحمل الكثير، وكانت تعليمات محمد الشيخ خليل واضحة يجب أن تنتظر، وأثناء ذلك أخبر العزازي الشهيد القائد الشيخ خليل، بقدوم دبابة باتجاهه وسأله أن يفجرها، إلا ان القائد الشيخ خليل طلب منه الانتظار، لتفجيرها في الجيبات، وعندما حاول تفجير العبوات لم تنفجر بسبب تقطيع الاسلاك وعندها أعلنت قوات الاحتلال انتهاء العملية وسمحت للصحفيين بدخول المنطقة.

 

ولكن المفاجأة الكبرى كانت عندما خرج الاستشهادي العزازي عن صمته وفاجأ جنود الاحتلال وأمطرهم بوابل من رصاصه المقدس ليضرجهم بدمائهم بين قتيل وجريح.

 

وقد اعترف العدو الصهيوني في أعقاب انتهاء العملية البطولية بمقتل ثلاثة من جنوده احدهم برتبة ضابط، وإصابة عدد آخر بجراح بينهم ما يسمى بقائد المنطقة الجنوبية بجراح. 

 

 تفاصيل العملية البطولية

تقدم محمد العزازي فارس سرايا القدس مع إخوانه عماد أبو سمهدانة من لجان المقاومة الشعبية ويوسف عمر من كتائب أحمد أبو الريش ونجح الأبطال في التسلل لداخل حصن خيبر ( مستوطنة موراج ) تحت ستار من عناية الله يلفهم ظلام الفجر المتشح بالضباب الذي نزل على عجل ليكون عونا وسترا يشارك المجاهدين شرف الشهادة.

 

نصب محمد و إخوانه أربع عبوات مضادة للأفراد وخامسة أرضية مضادة للدروع ثم تقدموا بجسارة المؤمن الملاحق للشهادة, تجاوزوا الحصون الأول فالثاني ووصلوا إلى أبراج المراقبة وكان عددها تسعة فاقتحموها، لكن المفاجأة كانت أن الأبراج فارغة من الجنود، وكان الاتصال مستمرا بين المجاهدين وغرفة العمليات المشتركة فتم وضع خطة جديدة تقتضي أن يختبئ المجاهد محمد العزازي لينفذ المرحلة الثانية من الهجوم وأن يتقدم البطلان عماد ويوسف لاقتحام الموقع من الداخل، حيث أماكن نوم الجنود، ومع دقات عقارب الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة من صباح يوم الخميس الموافق 23/9/2004 بدأ الهجوم الصاعق على غرف النوم فوجدوا جنديين نائمين فقتلوهما على الفور، وأدرك الأبطال أن الجنود جميعا في صالة الطعام يتناولون فطورهم الأخير ولم يكد الرعب يسيطر عليهم لسماعهم الرصاصات الأولى حتى فاجأهم الأبطال بقنابلهم تسقط من الشبابيك داخل الصالة، ثم بدأ تطهير المكان بطلقات واثقة من الرصاص، واستمر الاشتباك ساعتين متواصلتين لتتلقى غرفة العمليات المشتركة التي تقود العملية اتصالا هاتفيا من محمد ورفاقه: الموقع الآن تحت السيطرة الكاملة ما العمل ؟ فكان الجواب : استعينوا بالله واثبتوا وخذوا مواقعكم واستعدوا لاستقبال الإسناد القادم نحوكم، وكانت دبابات العدو قد اقتربت لنجدة من بالموقع تطلق النار بشكل عشوائي، وعندما اقتربت إحدى الدبابات نحو الموقع لتفقده فوجئت بالانفجار، وهنا أدرك العدو أن الموقع خارج عن سيطرة جنوده فقصفت الدبابات الموقع بأربعة قذائف مدفعية لتسقط داخله فينقطع الاتصال مع عماد ويوسف مما يعني ارتقائهم شهداء. ويبدأ العدو بإحصاء خسائره والاعتراف بالهزيمة " نحن أمام مقاتلين من نوع خاص وأمام عملية نوعية من حيث التخطيط والتوقيت وقوة الهجوم "، ويجتمع قادة العدو أمام الكاميرات لتوضيح ما حدث وطائرات الاباتشي تحلق في السماء, والجرافات تتقدم لتؤمن الطريق ومحمد قابع في كمينه، وتمضي الساعات وتغيرت معالم الموقع بالكامل ليتصل محمد بالقيادة: ثمة جرافة تقترب من العبوة الأرضية هل أفجر؟ القيادة : لا يا محمد فالصيد الثمين قادم انتظر.

 

وفعلا ترجل الضباط والجنود بكل ثقة يسيرون باتجاه محمد لا يعلمون ما ينتظرهم " الآن يا محمد فجر عبوتك لشد انتباههم بعيدا واخرج لهم " وتأتي اللحظة التي ينتظرها محمد فيتحرر من أسر موقعه تحت الأرض ويخرج لهم مطلقا العنان لرشاشه ليصب نيران الغضب والثأر ليتساقطوا كالجرذان ثم ينتقل إلى موقع آخر فيختبئ من جديد ... الدبابات تطلق القذائف والطائرات تقصف ويسود الصمت , العدو يصرح : نحن أمام مقاتل عنيد ولكن تمت السيطرة عليه " , ويستمر الصمت وتمر الساعات دون أثر لمحمد وينعقد المؤتمر العسكري في الساعة 12:20 ظهرا ويخرج محمد خروجه الأخير يهاجمهم بنيران بندقيته التي عاهدته على ألا تخذله وعاهدها ألا يفلتها وتنقل كاميرات جيش العدو ببث حي ومباشر لحظة الرعب الأخيرة ليصاب مراسل إذاعة جيش العدو وليعترف بعدها العدو بسقوط ثلاثة قتلى وإصابة سبعة آخرين ويرتقي محمد إلى العلا على نهج علي بن أبي طالب بفتح جديد وخيبر جديدة .

 

قائد عسكري صهيوني: الهجوم على "موراج" تم التخطيط له بدقة فائقة

نقل موقع يديعوت احرونوت الالكتروني، اليوم الخميس، عن قائد كتيبة "شاكيد" التابعة لوحدة غفعاتي العسكرية الصهيونية، العميد عوفر ليفي، قوله أن الهجوم الذي نفذه مقاتلون فلسطينيون على موقع عسكري صهيوني في قطاع غزة "تم التخطيط له بدقة فائقة".

 

وأضاف القائد العسكري الصهيوني أن المقاتل الفلسطيني لثالث "كان ينوي على ما يبدو وضع عبوة ناسفة بين دفيئات مستوطنة موراغ لكي تنفجر بالجنود الصهاينة عندما يقومون بملاحقته".

 

ومضى يقول انه قد يكون هناك فلسطينيون آخرون قدموا المساعدة للمقاتلين الفلسطينيين الثلاثة قبل تنفيذ الهجوم وخلاله.

 

 

 

الحافظ لكتاب الله.. الاستشهادي المجاهد "محمد العزازي".. فارس أتقن صناعة الشهادة

بدم ِ أسطرُ قصتي وجهادي.... ودليلُ صدقي عُدتي وعتادي... رشاشيَ المهذارُ  ُيروي باسماً للناكصينَ حكايةَ الأمجادِ... طلعَ الصباحُ وساحتي مملوءةً بالمعتدينَ وزمرةِ الأوغادِ.. فرأيتُ مسجدنا يُهدمُ جهرةً ... ويُقامُ كنيس خراب .. ورأيتُ أمتنا يُقطعُ بعضها بعضاً ولا صوتُ الصلاحِ ينادي ...فمضيتُ لا ألوي ولا أبدي أسى، وتعافُ نفسي مرقدي ووسادي... وروحي على كفي وأحملُ مدفعي ويطيبُ لي حينَ الوغى إنشادي... أنا لا ألينُ ولا تهدُ عزيمتي بالقتلِ بالتعذيبِ بالإبعادِ...أنا مبدأي أن الهوانَ لغيرنا... والعزُ لي ولأمتي وبلادي... لا أستسيغُ الذلَ أو أرد الردى... فالموتُ في زمنِ الهوان مرادي..

 

كانت تلك الأنشودة آخر الكلمات التي رددها الاستشهادي محمد زهير العزازي " 22" عاماً من مجاهدي سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، على مسمع والدته الحاجة "أم إياد" " 55" عاماً ، ثم  قبل يديها ورأسها طالباً منها السماح والدعاء له بالتوفيق، فما كان من أمه الصابرة المحتسبة إلا أن رفعت يديها إلى السماء لتقول: "الله يرضى عنك ويسهل عليك ويوفقك قلبي وروحي راضين عنك يا قرة عيني".. ودّعها، ووقف قرب الباب ينظر إليها، ولما وقع نظره على بصرها نكس رأسه.. ورحل مسرعاً..

 

ولازالت والدة الشهيد محمد  يعتصرها  الحزن والألم على فراقه رغم فخرها واعتزازها بالعمل البطولي الذي قام به ورفاقه المجاهدون الأطهار فيما كان يعرف سابقا بمغتصبة " موراج" شمال مدينة رفح ضد قوات الاحتلال، فما أن بدأت حديثها "للإعلام الحربي"، التي كانت في ضيافة أسرة الشهيد بمخيم الشابورة بمدينة رفح عن حكاية " الشيخ الداعية محمد وعشقه للشهادة" حتى تاهت كلماتها في حسن خلقه وأدبه وتدينه، وبدأ صوتها يختفي تارة ويعلو تارة أخرى.. وهي تسرد قصة حياة نجلها الشهيد الذي مرّغ أنوف بني صهيوني وعجّل في رحيلهم عن أرض غزة. 

 

ميلاد فارس

ولد محمد العزازي الحافظ لكتاب الله، ابن مخيم الفقر ( الشابورة ) في العاشر من شهر فبراير لعام 1982م في أسرة فقيرة كما كل الشعب الفلسطيني وله من الإخوة ستة احتل الترتيب الثاني بينهم, درس الابتدائية والإعدادية في مدارس وكالة الغوث ثم أنهى المرحلة الثانوية القسم الأدبي في مدرسة بئر السبع ليلتحق بكلية الدعوة في النصيرات ويدرس الشريعة، حيث تخرج بعد 5 سنوات, عشق محمد دين الله كما عشق تراب فلسطين شدته الكلمات المروية بدماء الشقاقي" فلسطين آية في كتاب الله"، فانحاز للخيار الأمل حيث سرايا القدس التي أخذت على عاتقها أن تكمل المسير، على درب سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن كان لمحمد شرط أن يكون في الوحدة المختارة للاستشهاديين وأن يتم انتخابه للأعمال النوعية المتميزة، والحقيقة أن محمدا كان الفارس الذي يحوز قصبة السبق في ميادين العزة النوعية فحينما تتراجع الرجال وتنخلع الرقاب وتبلغ القلوب الحناجر وتنادي فلسطين رجال الثأر كان محمد يصطف وحده برباطة جأش الرجال وجأش المؤمن الواثق بربه، يحلم بالفردوس الأعلى ولا يرضى عن الشهادة بديلا.

  

عاشق الشهادة

تقول الأم الصابرة :" كان محمد يتمنى الشهادة كما يتمنى عشاق الدنيا الحياة، فهو عاش حياته منذ صغره زاهداً في الدنيا عابداً طائعاً ملتزماً داعياً مجاهداً، فكثيراً ما كان يقضي جل وقته في المسجد أو مرابطا على ثغرٍ من ثغور الوطن"، موضحةً أن المسجد كان يحتل في قلب الشهيد مكانة عالية من الحب والوصال، فقد كان يمثل عنده بيت العبادة والدعوة والتربية والحض على الجهاد.

 

وتضيف أم إياد " لم يكتفِ محمد بتربية نفسه التربية الإيمانية، بل كان حريصاً على أن ينقل هذه التربية وهذه الخصال إلى جميع من حوله، فكان يشجع إخوانه وأهله وأقاربه على الصلاة، وكان يوصي شقيقه وأخواته بتعلم القرآن وحفظه، حرص على تربية الأشبال والشباب من خلال جلسات التحفيظ التي كان يعقدها في مسجد "العودة"، لأنه رأى فيهم الأمل لتحرير الأوطان ونشر الإسلام في ربوع المعمورة، كما أن الجميع كان يبادله المحبة، فكانوا يستمتعون بسماع حديثه وقصصه ومواعظه الطيبة ولصوته الجميل في قراءة القرآن ولا سيما في شهر رمضان المبارك".

 

وتتابع الأم قولها: " كثيراً ما كنت أشفق عليه،  فكلما ارتقى شهيد هنا أو هناك، أرى في حركاته وكلماته وهمساته ونظرات عينيه الحائرة شوقاً يتخطى حدود الشوق، فكثيراً ما كان يحدثني عن الشهادة وعظم أجرها عند الله"، مشيرة إلى أنها كانت تعد الأيام والليالي لأجل إتمام مراسم خطبته وزواجه. 

رحل أحبتي

وبينما كان والد الشهيد يقلب بحسرة بعض صور نجله الشهيد، بدأ بالحديث عن طفولته وشبابه، حيث قال بصوت حزين:" تميز محمد بتدينه وتعلقه بالمساجد منذ طفولته، ففي سن الثالثة كان يحفظ قصار السور، وهو ما حفزني لإرساله إلى احد مراكز تحفيظ القرآن، حيث تمكن من حفظ كتاب الله في وقت قياسي، ليلتحق بعدها بالمعهد الشرعي لجماعة الدعوة والتبليغ لدراسة الشريعة الإسلامية"، مشيراً إلى أن نجله حصل على بعثة مجانية إلى دولة اليمن لإكمال مشواره التعليمي، غير أن وضع اسمه على قائمة المطلوبين للاحتلال حال دون سفره في اللحظات الأخيرة،  حيث جهز الشهيد جواز سفره وتأشيرة القبول وهيأ نفسه للسفر.

 

وأوضح أبو إياد أن الجميع تفاجئوا بوجود اسم "محمد" على قائمة المطلوبين لدولة الاحتلال، حيث انه كان حريصاً على القيام بعمله الجهادي بسرية وكتمان.

 

وتلفت أبو إياد حوله قبل أن يوضح أنه لم يعد  لديه إلا بيته المصنوع من " القرميد"  وزوجته وابنه جهاد وابنة أخرى، فيما رحل ثلاثة من أبنائه بسبب مرض " الصرع" الذي ألم بهم وهم صغار السن، مشيراً إلى أن أصوله تعود إلى بلدة "سلمه" قضاء تل الربيع المحتلة والتي هُجِّرَ أهلها منها في العام 1948م.

 

وذكر أبو إياد أن نجله الشهيد محمد كان حريصاً على العمل في كافة الأعمال الشاقة من أجل مساعدته على تحمل أعباء المسئولية الملقاة على عاتقه، مؤكداً أنه لا زال يفتقده رغم مرور ست سنوات على استشهاده.

 

وتابع قوله " لا أخفيك أن من هم مثل محمد من الصعب نسيانهم، فقد كانت حياته مدرسة مليئة بالعبر والمحطات الإيمانية، ففي المسجد والبيت وفي الشارع أرى محمدا، صورته لم تغب عني لحظة واحدة"، لافتاً إلى أن العديد من أصحاب المحال التجارية التي كان يعمل فيها الشهيد لا زالوا يشيدون بأمانته وصدقه، ونزاهته وأخلاقه العالية.

 

مرابط على الثغور

المجاهد "أبو جميل" من سرايا القدس وهو أحد رفاق الشهيد الذي حظي بمشاركته في العديد من العمليات الجهادية، قال: " الاستشهادي محمد كان رجلا حافظاً لكتاب الله، وداعياً إليه، وشابا يافعا ملتزماً متمسكاً بكتاب الله وسنته قولاً وفعلاً، فكثيراً ما كنت أشعر أثناء صحبته أنني رفيقٌ لرجل من زمن الصحابة لما كان يتمتع به من دماثة خلق وحسن معاملةً، لقد زرع في كل من عرفه محبة الله ورسوله من خلال دروس الوعظ والإرشاد التي كان يرددها على مسامعنا أينما حللنا و نزلنا ".

 

وأضاف " لقد تميز محمد طوال فترة عمله الجهادي ورباطه على الثغور بالسرية والكتمان، حتى على أقرب الناس إليه، حيث كان حريصاً على إبقاء عمله خالصاً لوجه لله"، مؤكداً مسئولية الشهيد عن قنص جندي صهيوني في منطقة "كرم أبو سالم"، بالإضافة إلى مشاركته في الرباط والتصدي للاجتياحات بمنطقة " يبنا" و"القصاص"  و"حي الشعوت" و"البرازيل" برفح.

 

وأردف قائلا: إن حزني فقط على فراقه وصحبته التي افتقدها، ولكن مثله يجب ألاّ نحزن عليهم أو نبكيهم بل ندعو الله أن يرزق الأمة برجال من أمثالهم يحملون العقيدة بصدورهم والبندقية بيدهم حتى نحرر فلسطين من دنس المغتصبين، ويتحقق حلمنا في العودة إلى القدس وكامل التراب الفلسطيني".