رهانات الكيان الصهيوني في ظلّ تعذّر خياراته العسكريّة.. بقلم: يحيى دبوق

الإثنين 27 سبتمبر 2010

لا يصدر كثير من المواقف والتعليقات الإسرائيلية على ما يجري في لبنان في هذه الفترة. يُسجّل في هذا الإطار، عدم الاندفاع للتعليق على واقع يمكن توصيفه من ناحية إسرائيل، بـ«الواقع المحبط والمؤسف»، بعد آمال كبيرة جداً بإمكان انكسار حزب الله واحتوائه، عملاً بخيارات بديلة عن حرب مستبعدة في هذه المرحلة. يتبين لتل أبيب يوماً بعد يوم، فشل خياراتها الأخرى، غير الحربية، حيال حزب الله.

 

قبل فترة، وتحديداً في 14/03/2010، عبّرت صحيفة يديعوت أحرونوت عن «حسرة وأسف» ممّا آلت إليه أمور قوى 14 آذار في لبنان، وأكّدت على النتائج التي بدأت تتمظهر في حينه، وباتت مترسّخة حالياً، بما يرتبط بانتصار المنعة السورية في مواجهة هذه القوى. وفي إطار بحثها عن الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة، رأت الصحيفة أن «انكسار رموز العداء لسوريا في لبنان، يعود إلى غياب الغطاء الأميركي والفرنسي عنهم»، مشيرةً إلى أن «من امتلأت بهم الساحات قبل خمس سنوات، يلفّون أذيالهم ويتّجهون إلى العاصمة السورية، بينما الرئيس السوري، بشار الأسد، في وضع ممتاز، ولم يكن يوماً أفضل ممّا هو عليه الآن».

 

وفي الأمس القريب، كتبت صحيفة معاريف (13/08/2010)، أن رئيس الحكومة اللبنانية «سعد الحريري أثبت في الماضي أنه قادر على ابتلاع الضفدع، عندما قام بزيارة دمشق، وهو وحلفاؤه لن يواجهوا حزب الله... فرغم أن لبنان في فترة توتر، إلا أنّ الجميع سيطأطئ الرأس أمام الحزب».

 

الكلام الإسرائيلي وما يتضمّنه من تعبير عن حسرة وتأسّف، مرتبط بأحد الرهانات الإسرائيلية ضد حزب الله، وتحديداً الرهان على بعض قوى الداخل وقدرتها على مواجهة المقاومة.

 

لكن لدى تل أبيب خيارات أخرى أيضاً، تتفاوت في المرتبة والإمكانات. أول هذه الخيارات، هو الخيار المفعّل حالياً، أي المحكمة الدولية واتهام حزب الله، على «علات» هذا الخيار المتبدّية في هذه المرحلة، إذ بات الرهان على التحقيق الدولي غير مجد، لجهة ما تريده تل أبيب؛ ثاني هذه الخيارات هو سيناريو المفاوضات مع سوريا و«انتزاعها» من «محور الشر»، الأمر الذي يؤمل أن يؤثّر سلباً في حزب الله باتجاه احتوائه. لكن في هذا الخيار أيضاً، وكما هي حال الخيار الأول، موانع ليس أقلّها عدم الرغبة السورية في التخلّي عن جزء أساسي من قدراتها وثوابتها مع قوى الممانعة، ومن ضمنها حزب الله، وبالأخص أنها في هذه المرحلة بدأت بالفعل قطف ثمار انتصار منعتها وجدوى تحالفاتها؛ أمّا الخيار الثالث، وربما الأكثر صعوبةً من ناحية إسرائيل، فهو احتواء إيران عبر محاصرتها حصاراً اقتصادياً كاملاً، أو ضربها عسكرياً، وهو خيار يبدو متعذّراً وليس في متناول اليد، قياساً بالإمكانات والقدرات والظروف الدولية الحاكمة لهذا الخيار.

 

الرهان الإسرائيلي على القوى «المعادية» لحزب الله في الداخل اللبناني، وإمكاناتها في احتوائه، بات خياراً مغيّباً عن اللائحة الإسرائيلية، رغم أنها احتلت في السابق مكاناً متقدماً فيها، إذ ثبت أن هذه القوى، وبعضها على الأقل، مفرغة من قدراتها، رغم أنها تريد بالفعل مواجهة حزب الله، لا تقدر على المواجهة ولا على الانتصار فيها، وكل ما تستطيع توفيره هو نوع من التشويش والضجيح الكلامي، أما من ناحية فعلية، فلا تستطيع إلا الانتظار مع المنتظرين.

 

معنى ذلك أنّ خيارات إسرائيل حيال حزب الله، تتجه إلى انسداد أفق، أو أنها وصلت بالفعل. وفي ظل هذا الواقع، من الطبيعي أن يتّجه التحليل الاعتيادي إلى الحديث عن حرب تمكّن إسرائيل من إعادة إنتاج خريطة سياسية وموازين قوى جديدة في المنطقة.

 

ما يعيب هذا التحليل أنّ خيار الحرب غير متاح في هذه المرحلة، وإلّا فقياساً بالحافزية المرتفعة غير المسبوقة لدى تل أبيب، لكانت الحرب قد وقعت بالفعل. كما لا يتصوّرنّ أحد أن يقدم صانع القرار الإسرائيلي على شن حرب يرى ويقدّر أنّ المعادلات وموازين القوى، لا تؤدي ولا تسمح بأن ينتصر فيها.

 

في المحصّلة، بين هذا وذاك، لا مناص أمام تل أبيب إلا استمرار حالة المراوحة في ما يرتبط بالخيارات العسكرية ضد المقاومة، والاكتفاء مرغمة بمستوى الإزعاج المحقّق ضد حزب الله من جانب أعدائه وخصومه، كما يحصل حالياً. أمّا حديث الحرب والتهديدات المباشرة وغير المباشرة، وجديدها أبحاث تصدر بوفرة عن معاهد ومراكز بحثية دولية في هذه الفترة، وتركّز على «الحرب المقبلة» وويلاتها، فليست إلا نوعاً من التهويل والدعاية النفسية المطلوبة إسرائيلياً، في مرحلة استمرار المراوحة نفسها.