لا بديل عن خيار المقاومة سبيلاً للتحرر .. بقلم: حسين عطوي

السبت 09 أكتوبر 2010

يدور نقاش واسع في الوطن العربي حول الموقف من خيار المقاومة، حيث يرى البعض أن هذا الخيار لا جدوى منه، وليس هو السبيل لاستعادة الحقوق العربية السليبة.

 

فيما يرى البعض الآخر أن التجارب الماضية، والحاضرة تؤكد أن الطريق للتحرر من الاحتلال، والاستعمار بكل أشكاله التقليدية إنما يكمن عبر انتهاج طريق المقاومة المسلحة.

 

ومن الملاحظ أن الذين يعارضون خيار المقاومة، أما الأنظمة الدائرة في فلك التبعية للاستعمار، أو القوى التي لا تؤمن بخيار المقاومة سبيلا للتحرير، وتعتقد أن الدبلوماسية هي السبيل، انطلاقاً من اعتقاد تروج له باستحالة تحقيق النصر وتحرر الأرض عبر المقاومة، لكن تجربة الدبلوماسية، والتفاوض مع الكيان الصهيوني بديلاً عن المقاومة، أثبتت أنها تجربة عقيمة، ولم تحقق أي نتيجة إيجابية، وإنما كان لها انعكاسات سلبية خطيرة على مصالح وحقوق الأمة العربية، فيما أكدت المقاومة في لبنان، والعراق، وفلسطين أنها قادرة على تحقيق انجازات، وتحرير الأرض، ومواجهة الجيوش المحتلة.

 

ومع ذلك فإن هناك إصراراً من الفريق المعارض للمقاومة على موقفه، والذي وصل حد التماهي مع القوى الاستعمارية في تجريم المقاومة، والعمل على محاصرتها، وتضييق الخناق عليها، وصولاً إلى محاولة النيل من شرعية المقاومة، وحرمان الأمة العربية من ممارسة هذا الحق للدفاع عن نفسها في مواجهة العدوان، والاحتلال.

 

وقد طرح ذلك ضرورة العودة إلى تصويب الأمور إن كان لناحية الدفاع عن هذا الحق الإنساني، أو لناحية كيفية التصدي للتحديات التي تواجه الأمة العربية، والتي لا تترك أمامها من مجال في مواجهتها سوى سلوك طريق المقاومة المسلحة، إذا كانت تريد فعلاً أن تتحرر من الاحتلال، ومن قيود الاستعمار، وأن تنال حريتها واستقلالها الحقيقي.

 

المقاومة حق طبيعي للشعوب

من الطبيعي أن تهب الشعوب للمقاومة عندما تتعرض أراضيها للاحتلال والعدوان.

 

ولهذا فقد نصت الشرائع السماوية والأعراف والقوانين الدولية على حق الشعوب في المقاومة للدفاع عن نفسها.

 

وعرف العالم على مدى القرون الماضية ثورات ومقاومات شعبية مسلحة واجهت الغزوات الاستعمارية التي نفذتها الدول الغربية بغرض إخضاع شعوب أميركا اللاتينية، وآسيا وإفريقياً للاستعمار المباشر وغير المباشر.

 

وفي المنطقة العربية نهضت مقاومات لمواجهة الاحتلال والاستعمار البريطاني والفرنسي في الجزائر، المغرب، اليمن، مصر، سوريا، وفلسطين، والعراق وغيرها.

 

وإذا كانت العديد من الدول العربية قد تحررت من الاحتلال والاستعمار وحصلت على استقلالها، إلا أن فلسطين بقيت رازحة تحت نير الاحتلال والاستعمار الصهيوني الاستيطاني الذي يحظى بدعم غير محدود من الولايات المتحدة الأميركية، والدول الاستعمارية الغربية لإبقاء هذا الكيان حارسا لمصالحها وسيفاً مسلطاً على الدول العربية لمنعها من التحرر من الاستعمار والتبعية والحيلولة دون تحقيق استقلالها السياسي، والاقتصادي، وإبقائها متخلفة غير قادرة على اللحاق بركب الدول المتقدمة.

 

إلا أن وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانهيار المنظومة الاشتراكية اختل التوازن الدولي لصالح الولايات المتحدة، والدول الغربية المتحالفة معها التي عمدت إلى استغلال هذا الاختلال في موازين القوى لصالحها للعودة إلى إنعاش سياساتها الاستعمارية التقليدية، سارعت الولايات المتحدة الأميركية إلى استغلال هجمات 11 سبتمبر لشن حروبها الاستعمارية ضد أفغانستان، والعراق بهدف إخضاع المنطقة العربية ونهب ثرواتها عبر فرض ما يسمى مشروع الشرق الأوسط الجديد، وفرض السيطرة على جمهوريات آسيا الوسطى، التي تحوز على 20% من الاحتياط العالمي من النفط.

 

ونتيجة هذه الهجمة الاستعمارية عادت معظم الدول العربية (باستثناء قلة) لترزح تحت وطأة السيطرة الاستعمارية الغربية بكل أشكالها العسكرية والسياسية والاقتصادية، الأمر الذي يفرض على الجماهير العربية وقواها الحية اللجوء إلى خيار المقاومة المسلحة لتحرير أراضيها من الاحتلال وكل أشكال السيطرة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة على غرار المقاومات التي قامت بها في بدايات وأواسط القرن العشرين ضد الاحتلال والاستعمار البريطاني والفرنسي.

 

ويمكن القول إن التحديات التي تواجه المقاومة العربية على المستويات القومية والوطنية تكمن في الآتي:

 

أولاً: على المستوى القومي

التحدي الأول: مواجهة مشاريع تفتيت الكيانات القُطرية، عبر إثارة الفتن، والنزاعات العرقية، والمذهبية، والطائفية.

 

وقد اعتمد هذا الأسلوب في الهجمة الاستعمارية الأولى التي اجتاحت البلاد العربية في مطلع القرن العشرين، وتحديداً بعد تقسيمات سايكس بيكو، واستيلاء الدول الاستعمارية الغربية على كل أنحاء الوطن العربي.

 

اليوم تجري محاولات لتمزيق السودان إلى كيانات متعددة، واحد في الجنوب، وثانٍ في الشرق، وثالث في الغرب، والرابع في الشمال، وتتم هذه العملية الاستعمارية استناداً إلى إثارة النعرات الطائفية، والعرقية، ويمكن القول إن المخطط الاستعماري قد حقق على هذا الصعيد خطوات متقدمة حتى الآن.

 

ويتعرض العراق لمخاطر مماثلة حيث تبذل محاولات لتقسيمه إلى ثلاثة كيانات تحت ذريعة الفيدرالية، واحد في الشمال، والثاني في الجنوب، والثالث في الغرب، وتتم هذه العملية الاستعمارية على أسس عرقية ومذهبية.

 

أما في لبنان فإن المشروع الأميركي الصهيوني لجأ إلى مخطط إثارة الفتنة المذهبية لمحاصرة المقاومة لإبقاء السلطة الموالية لواشنطن ممسكة بمفاصل القرار السياسي، والاقتصادي، والأمني بعد أن فشلت القوة العسكرية في القضاء على المقاومة.

 

التحدي الثاني: مواصلة مقاومة الاحتلال العسكري المباشر لفلسطين مدعوماً من الدول الكبرى، وفلسطين هي البلد العربي الذي لا يزال يرزح تحت نير موجة الاحتلال الأولى التي بدأت في مطلع القرن العشرين.

 

وعلى الرغم من المقاومة المستمرة الباسلة للشعب الفلسطيني منذ وعد بلفور، إلاّ أن هذه المقاومة لم تفلح في تحقيق الاستقلال الناجز، وإرغام المحتلين على الرحيل بسبب خصوصية الاستعمار الصهيوني لفلسطين كاستعمار استيطاني عنصري، وتخاذل وتواطؤ السلطة الفلسطينية، وبعض الأنظمة العربية مع العدو الصهيوني ضد المقاومة، وكذلك نتيجة التطور الخطير على صعيد الاحتلال العسكري المباشر، والذي تمثل في قيام الولايات المتحدة الأميركية باحتلال العراق، وإحياء السياسة الاستعمارية التقليدية التي كانت وراء اندلاع المقاومات العربية التي غطت القرن الماضي على امتداد الوطن العربي حيث واجه الشعب العربي، الزحف الاستعماري في الثورات الكبرى، التي قادها زعماء كبار، أمثال أحمد عرابي، وسليمان الحلبي الذي قتل الجنرال كليبر أثناء مقاومة الاحتلال، كما واجهت الجزائر بزعامة عبد القادر الجزائري ومن ثم بقيادة بن بلا الاحتلال، والاستعمار الفرنسي، واستشهد يوسف العظمة في وجه الغزو الفرنسي لسوريا.

 

وكانت الثورة السورية الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش، وأدهم خنجر في لبنان جزءاً من هذه المقاومة العربية الشاملة التي تصدت لتلك الموجة من الاحتلال.

 

التحدي الثالث: التحرر من الهيمنة السياسية، والاقتصادية التي تفرضها الدول الاستعمارية على غالبية بلدان الوطن العربي، ويمكن استثناء دول قليلة من هذه السيطرة.

 

كما أن غالبية الأنظمة العربية تساهم في محاصرة حركات المعارضة، والمقاومة، وقوى الممانعة، وتلعب دوراً كبيراً في تكريس الهيمنة الاستعمارية على الدول العربية.

 

على المستوى الوطني:

التحدي الأول: مواصلة المقاومة المسلحة لأجل:

 

1 ـ تحرير ما تبقى من أراض لبنانية محتلة في مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، وبلدة الغجر التي يرفض الاحتلال الانسحاب منها رغم صغر مساحتها لما تحتويه من ثروة مائية هامة.

 

2 ـ مواجهة التهديد الذي يتعرض له لبنان في كل لحظة من قبل العدو الصهيوني الذي هزم لأول مرة في مواجهة عسكرية مع المقاومة خلال عدوانه على لبنان عام 2006.

 

وإذا ما تخلى لبنان عن قوته الكامنة في ثلاثية مقاومته، وشعبه، وجيشه الوطني، فإن العدو الصهيوني سيحاول من جديد فرض هيمنته عليه حتى وان لم يقم باحتلاله.

 

التحدي الثاني: التصدي لمشاريع الفتنة المذهبية، والطائفية التي تستهدف تقويض الوحدة الوطنية، ومحاصرة المقاومة.

 

التحدي الثالث: مواجهة الهجمة المسمومة التي تستهدف الإساءة للمقاومة وتشويه سمعتها عبر قرار اتهامي تزمع المحكمة الدولية إصداره ويتهم المقاومة بالوقوف وراء جريمة اغتيال الرئيس الحريري، والذي جرى تسريبه من قبل صحيفة دير شبيغل الألمانية، ورئيس أركان جيش العدو غابي أشكنازي.

 

لقد بات من الواضح أن المحكمة الدولية تحولت إلى أداة بيد واشنطن، وتل أبيب لمحاولة النيل من المقاومة، بعد أن فشلت القوة العسكرية الصهيونية في القضاء عليها، وإثارة الفتنة بقصد تطويق المقاومة ومحاصرتها، والتغطية على جريمة المفاوضات الجارية بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية، والتي تستهدف التوصل إلى اتفاق يقضي بتصفية القضية الفلسطينية لمصلحة العدو الصهيوني.

 

إن الواقع القائم الآن في الوطن العربي، وعودة الاستعمار إلى أجزاء واسعة منه بأشكاله المختلفة، يؤكد أن خيار المقاومة نهجاً، وأسلوباً، وقيماً، وثقافة هو الخيار الأمثل والأجدى، فلا يمكن للوطن العربي أن يستعيد حريته، ويحقق استقلاله، وينال سيادته، ويسير في طريق التنمية، والازدهار الاقتصادي إذا ظل خاضعاً للسيطرة الاستعمارية بأشكالها التي مر ذكرها.

 

ولهذا فإن المقاومة هي الأسلوب الأساس الذي برهنت على صحته تجارب شعوب الأرض في التاريخ، وتجارب الوطن العربي في القرن العشرين لإرغام الاستعمار على الرحيل، وتحقيق الحرية، والسيادة، والاستقلال، والوحدة العربية.

 

كما أن لبنان يحتاج إلى استمرار المقاومة، والعمل على تقويتها، وتوسيع نطاقها لتشمل الفئات اللبنانية كافة إلى أن يتم دحر الاحتلال، وتحرير مزارع شبعا، وتلال كفر شوبا، وفك الارتباط مع الولايات المتحدة الأميركية.

 

ولبنان بحاجة أن يحافظ على مقاومته إلى أن يتم تحرير فلسطين لأن زوال المقاومة قبل ذلك، وعدم قدرة لبنان على بناء جيش نظامي مسلح بأسلحة متطورة كتلك التي يمتلكها الجيش الصهيوني، وميل غالبية مواطنيه إلى رفض الخدمة الإجبارية، وقدراته الاقتصادية المحدودة. كل ذلك يجعل لبنان عرضة لخطر الاحتلال الصهيوني.

 

وقد برهنت تجربة تحييد لبنان في عقود الخمسينيات، والستينيات على فشلها وتأكد أن ثلاثية المقاومة القوية مدعومة بجيشها وشعبها هي وحدها القادرة على حماية استقلال وسيادة لبنان، وردع خطر الاعتداءات الصهيونية، والإسهام في مسيرة تحرير الأمة العربية من أشكال الاحتلال كافه.

 

كما برهنت المقاومة في العراق أنها قادرة على إحباط مخططات الاستعمار الأميركي، بعد أن تمكنت من استنزافه وإجباره على الانسحاب التدريجي نتيجة فشله وتعثر مشروعه وعدم قدرته على مواصلة تحمل أكلاف احتلاله.

 

ـ أما المقاومة في فلسطين فإنها تبقى الخيار الوحيد الذي يملكه الشعب الفلسطيني للدفاع عن أرضه، خاصة بعد أن أثبتت المفاوضات المباشرة وغير المباشرة أنها مجرد مسرحية هدفها التغطية على جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني وأرضه المحتلة، وفرض اتفاق استسلامي جديد يقضي بتصفية القضية الفلسطينية، وتكريس السيطرة الصهيونية على كامل القدس العربية المحتلة والمناطق الاستراتيجية في الضفة الغربية، بعد أن كرس اتفاق أوسلو المشؤوم السيطرة الصهيونية على الأرض الفلسطينية التي احتلت عام 1948.