إن البحث في المدرسة الجهادية للدكتور فتحي الشقاقي،تضع في طريقك عدة كتابات ومقالات ومجلات وجرائد، وعلماء ومفكرين وقادة وسياسيين عرب وفلسطينيين، تحدثوا واستفاضوا في الحديث عن الدكتور الشهيد والقائد المعلم فتحي الشقاقي ،هذا الرجل الذي لم يترك مكانا شاغرا إلا وضع فيه بصمته، الرجل الذي اخترع البوصلة التي تشير إلى فلسطين وأصاب كبد الحقيقة عندما صنع الخارطة ووضع المنهج والنهج، ليوفر علينا مشوار البحث والتردد الذي استمر لأكثر من أربعة عقود، كان الفلسطينيون يبحثون خلالها عن قبلتهم الوطنية والإسلامية والجهادية، وعن ما هو المطلوب وما هو المستحق فأرشدهم ودلهم ، وقال: "فلسطين القضية المركزية للأمة الإسلامية"، والتحرير والتغيير خطان متوازيان ومستقيمان لا يمكن تغليب أحدهما على الآخر، واستطاع رحمه الله أن يفك الاشتباك الذي كان دائرا بين جميع أطياف وأقطاب التيارات الفكرية الوطنية واليسارية والإسلامية الفلسطينية، ويوفر طويلا، ولذا لا يمكن لأي عاقل أو مجاهد أو قائد جهدا كبيرا ويختصر مشوار اً أو باحث عن الحقيقية والموضوعية أن ينكر فضل ودور وإسهام الدكتور فتحي الشقاقي في جملة التحولات والتغييرات والمراجعات التي حصلت وحدثت في الساحة الفلسطينية، بشقيها الفكري والممارساتي وبعديها الوطني والإسلامي، وكل ما وصلت إليه الحركة الإسلامية اليوم في فلسطين من رصيد جهادي وجماهيري وسياسي واجتماعي على المستويات والمجالات كافة، هو نتيجة حتمية وموضوعية لاجتهادات وإجابات الدكتور فتحي الشقاقي، الذي يشهد له الماضي والحاضر والمستقبل أنه لم يكن عالما أو مفكرا أو قائدا فقط، بل كان صاحب نظرة مستقبلية بعيدة الأفق فكانت خطواته واثقة وثاقبة. وهو القائل: "لقد كان إحجام الحركة الإسلامية عن الجهاد في فلسطين إضافة إلى كونه تخليا عن واجب شرعي، مجلبة للهزال والضعف والبقاء في الصفوف الخلفية"، وكان ذلك في كتابه: مقدمة حول مركزية فلسطين والمشروع الإسلامي المعاصر.
إن الهدف من التعرض لحياة وتجربة الدكتور فتحي الشقاقي ليس ترديد ما قاله وما كتبه وما أجاب عنه، لأن في ذلك لأهداف الرجل وتطلعاته واستهدافاته لأن تحريفاً الشقاقي قام بما قام به، لا ليكون موضوع إشادة وترديد ولا ليكون له رصيد، بل فعل ما فعله ليكون موضع تنفيذ ونهوض للأمة لمشروعها الإسلامي الحضاري، لذلك وتحقيقاً كانت حياة الشقاقي وشخصيته مدرسة جهادية أسست منظومة متكاملة، فيها السياسي والأدبي والثقافي والإسلامي والحركي والفكري الموضوعي المتزن والمتسق الذي يوازي ويساوي بين الممكن والمطلوب والمتاح، ولا يتسع الموضع هنا لمناقشة الفكر السياسي للرجل ومواقفه وتصوراته وتطلعاته، ولكن أعتقد أن فكرة واحدة من أفكار الدكتور فتحي الشقاقي تعتبر مدرسة فكرية وثقافية وأكاديمية تحتاج إلى جهد وبحث، وتمعن وقد تقرأ مرة بعد مرة وفي كل مرة تجد ما هو جديد في فكر وهدف الدكتور فتحي الشقاقي، ففكرة "فلسطين القضية المركزية للحركة الإسلامية" كلما قرأتها تفهم منها مقصدا مختلفا تماما عن المقصد الذي توصلت إليه من القراءة السابقة، بل كلما مضى الوقت تستخلص معا ٍ ن ومقاصد جديدة لهذه الفكرة، بل لهذه المدرسة الفكرية التي أسسها الدكتور فتحي الشقاقي.
إن حياة الدكتور الشقاقي وتجربته الشخصية لا تتوقف فيها الأبعاد والجوانب الفكرية والإنسانية والعلمية والأكاديمية، فالرجل امتلك ميراثا وتراثا على صعيد الممارسة لا يقل عن رصيده على صعيد الفكر، وشواهد ذلك: النقاش الذي أداره وأجراه واشتغل به و عمل من أجله واستشهد في سبيله، ذاك الحوار الذي قاده الشهيد فتحي الشقاقي منذ السبعينيات مع إخوانه في المسائل المنهجية حول الدين والعقيدة والعلوم الإسلامية والتاريخ، والعالم والواقع ومناهج التغيير، قبل انتقالهم إلى السؤال المركزي والفلسطيني، "وطنيون بل إسلام وإسلاميون بلا فلسطين". ووصوله ومن معه إلى الإجابة على كل ما سبق وكل ما سيأتي من تساؤلات بأن فلسطين هي المركز وأن الكل الإسلامي يدور من حولها ويجب أن يكون حولها، واعتبار الإسلام كأيديولوجيا منطلقا وفلسطين هدفا للتحرير والجهاد وسيلة، وهكذا تحول الحوار والنقاش الفكري إلى حوار ومناخ سياسي وحركي أفرز نواة تنظيمية ، اندفعت هذه النواة صوب واتجاه المركز فلسطين، فكان حضورا ربانيا وإسلاميا ودعويا وسياسيا وجماهيريا وتعبويا شمل المساجد والمدارس والجامعات والمؤسسات والنقابات وتطور خلال
أعوام ليصبح جهادا مسلحا وقصفا موفقا وجيشا مرابطا.
كان الشقاقي من الذين قرأوا لشكسبير ودستوفيسكي وتشيكوف وسارتر وأليوت، ونجيب محفوظ وبدر شاكر والسياب وصلاح عبد الصبور والعقاد ومحمود درويش، كما قرأ وأقرأ طلابه وأبناءه للسيد جمال الدين الأفغاني والإمام حسن البنا وباقر الصدر وسيد قطب وآخرين كثر،وهو الذي كتب ملاحظات نقدية وأبدي تعقيبات فكرية على كتابات وأطروحات جون بول سارتر ولم يتجاوز حينها- الشقاقي- السابعة عشرة من عمره، ثم كتب مقالا تحدث فيه عن لينين في الذكرى المئوية لميلاده وكان حينها عمره تسعة عشر عاما. وقد سقت المثالين السابقين للتأكيد والتدليل على أن الشقاقي الشاب، والمعلم والطبيب كان حالة فلسطينية متميزة ومتفردة لم تشهد لها مثيلا كلٌّ من الساحةالفكرية العربية والساحة الفكرية الفلسطينية التي تعجز كلُّمنهما اليوم على اتساع المساحة الفكرية والثقافية والعلمية والجغرافية عن استيعاب الآخر الوطني أو الآخر الإسلامي، حتى بات الافتراق والخلاف والاقتتال سمة يتفرد بها الواقع العربي والإسلامي والفلسطيني، في حين أن الشقاقي رحمه
الله استوعب الجميع ولم يلفظ ولم يختلف مع أحد فكان نبراسا وطنياأحداً وقنديلا إسلاميا ورجلا توفيقيا جمع الوطني والإسلامي، حتى بتنا في أشد الحاجة اليوم إليه، نفتقده عند كل زاوية وعند كل سؤال يبحث عن إجابة ضائعة. إن من يطلع على حياة الشقاقي ويومياته يشعر أن الرجل كان في سباق وجهاد دائم مع الوقت ومع التاريخ ومع الجغرافيا، واستطاع أن يكون السباق وأن يكون متقدما بخطوات من أجل تحقيق الإنجازات التي نعايشها ونستشهد ونستدل بها اليوم، وكفانا وكفاك أن تلقى الله شهيدا، يا قائدا وقائلا :" إننا نحب الموت كما يحبون الحياة".

