أحد رفاق الأمين خلف القضبان: التشديد الأمني على "الشقاقي " منعه من إرسال النجاة للأقمار الخمسة

الخميس 14 أكتوبر 2010

الإعلام الحربي – غزة:

 

فترة قليلة لم تتجاوز عاما واحدا، لكنها حملت في طياتها الكثير، قضاها "أبو بكر" الهسي مع الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي داخل سجن نفحة الصحراوي.

 

لا زالت الذكريات راسخة رسوخ الجبال رغم مرور أكثر من ٢٢ عاما على لقاء "أبوبكر" بالمفكر الشقاقي. "الاستقلال" استضافت الهسي لمعرفة أهم المنعطفات التي مر بها الدكتور الشقاقي داخل سجن نفحة قبل أن يفترقا بفعل الس ّ جان، حيث وصف "أبو بكر" مؤسس الجهاد الإسلامي بأنه: "شجرة طيبة جذرها في الأرض وفرعها في السماء، تحمي ثمارها من الحشرات والآفات الضارة".

 

التعرف على الشقاقي

"أبو بكر" الهسي -الذي اعتقل لمدة ١٤ عاما، بعد أن انفجرت به عبوة ناسفة كان يجهزها لإدخالها للأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ م-، أكد ل"الاستقلال" أنه التقى بالدكتور الشقاقي داخل سجن نفحة بين عامي ١٩٨٧ - ١٩٨٨ مع عديد من الشباب القلائل، من بينهم: الشهيد إبراهيم المقادمة. وأوضح الهسي أن د. الشقاقي كان يقضي ج ل وقته منغمسا في القراءة والكتابة ومطالعة الصحف ومتابعة ّ البرامج السياسية الصهيونية على شاشة التلفاز.

 

وتابع: "أجمل شيء كان يميز الشهيد الشقاقي عند الدراسة هو التركيز الكبير ووضع يده اليسرى على رأسه والمسح عليها"، وترجمة ما يقرأه من الصحف العبرية والإنجليزية كلمة كلمة، وإذا ما انتهى من قراءة الصحف بدأ يتلوا القرآن الكريم ويردد الأذكار"، مبينا أن الشقاقي كان يستحم بالماء البارد في فصل الشتاء.

 

علاقاته بقادة الفصائل

وعن تعامل الشقاقي مع الأسرى قال أبو بكر: "الدكتور لم يكن متكبرا في يوم من الأيام، حتى أنه لم يكن معروفا لدى عديد من الناس بأنه المفكر الإسلامي الكبير ومؤسس الجهاد الإسلامي، حيث كانت تربطه علاقة قوية مع الأسرى المسئولين مثل إبراهيم المقادمة -من حركة المقاومة الإسلامية حماس-، والذي وصف الدكتور بأنه مفكر إسلامي كبير، وأيضا هشام عبد الرازق -المسئول في حركة فتح-، وأبو مطلق -من الجبهة الشعبية-، فكان الدكتور بمثابة المرجعية لجميع الفصائل لحل مشكلاتهم والمهام التي تتعلق بالأسرى، ويتابع كل مواضيع الأسرى المفرج عنهم ويضعهم في أماكن عمل خاصة لضمان عدم ملاحقتهم من جديد، وأيضا تعهد للأسرى بتعويضهم عن كل يوم قضوه خلف القضبان.

 

وأردف الهسي: "الشقاقي رغم عدم اختلاطه بكل الأسرى لكنه كان يعلم بكل صغيرة وكبيرة تحدث داخل السجون، ويعلم بكل عمليات الهروب". مضيفا بأن الدكتور كان يتمتع بحس أمني عالٍ وكبير، حيث كان في أحد الأيام عدد من الأسرى يستع ّ دون لعملية هروب من داخل السجن، وطلبت منه أن يأمر الشباب بتهريب -بطل عملية باب المغاربة- "عبد الناصر حليسي" والمحكوم ٤ مؤبدات، لكن الدكتور فتحي رفض الحديث عن هذه العملية وأمرني بالصمت، موضحا أن هذه العملية قد تكون كمينا من القوات والمخابرات  الصهيونية لاعتقال المسئولين عن عمليات الهروب". ويوضح الهسي بأن الحس الأمني لم يكن لدى الدكتور وحده، بل كانت تتقنه زوجته أم إبراهيم، ضاربا مثالا لذلك بالقول: "أوْكل لي الشهيد الشقاقي تسليم رسالة لزوجته عند الزيارة لأنه كان مراقبا من السجانين، فقمت بأخذ الرسالة وتوجهت لزوجته، وبطريقة غريبة وخاطفة أخذت أم إبراهيم الرسالة وأخفتها دون أن يلاحظ ذلك السجانون أو الحراس".

 

شهادة الأقمار الخمسة

وعن عملية الهروب الكبير من سجن غزة المركزي وتأثيرها في حياة الدكتور الشقاقي، تحدث الهسي موضحا: "في أحد الأيام كان الدكتور يقرأ إحدى الصحف الصهيونية فقام فجأة بخلع نظارته، وتحول إلى إنسان عصبي غطى لون الغضب الأحمر وجهه، وقام من سريره، وبدأ المشي بسرعة داخل غرفة السجن. فسألته: ماذا حدث يا دكتور؟ قال لي: سأحدثك لاحقا بعد أن أنتهي من القراءة، وفي أثناء الفسحة اليومية، قال لي: إن مجموعة من المجاهدين  فروا من سجن غزة المركزي  والقوات الصهيونية تروج لبطولتها وأعمالها". وأضاف: "الدكتور أراد أن يبعث رسالة للشهداء الذين هربوا من السجن لتغيير مكان تواجدهم لأن المخابرات كشفت مخبأهم، لكن التشديد الأمني على السجون حال دون إرسال الرسالة لهم، واستشهدوا بعد فترة، الأمر الذي أثر على الشقاقي كثيرا، وأبكاه بشدة".

 

شعار الشقاقي

وحول جلساته مع الأسرى والقضايا التي كان يطرحها الدكتور بينهم، قال أبو بكر: "الدكتور فتحي رحمه الله كان يش ّ د عقول الناس بفكره وعلمه وقوة إقناعه للآخرين وقدرته على المناظرة، وأقنع الأسرى بشعاره الذي كان يردده في كل جلساته مع الأسرى: (فلسطين هي القضية المركزية) ولا يجوز التفريط في شبر واحد منها، وهي أرض وقف إسلامي لكل المسلمين، وفلسطين لا تتسع لشعبين، ناهيك عن الحديث عن المقاومة والشهداء وضرورة طرد المحتل حتى آخر رمق في دماء شعب فلسطين".

 

أصعب لحظات السجن

وفيما يتعلق بأصعب المواقف التي تعرض لها الدكتور فتحي الشقاقي داخل سجن نفحة، أوضح "أبو بكر": "عندما وصلته رسالة من الخارج -تعد الأخطر في حياة الدكتور، كما وصفها- خرج الدكتور للفسحة اليومية في ساحة السجن وقد ترك الرسالة في كتاب معالم على الطريق، وفجأة قررت قوات الاحتلال تفتيش غرفة الشهيد الشقاقي، فأثار هذه سخطه وبدأت معالم الغضب تغزو جسده الطاهر. فأوكل إل ّ ي مهمة التخلص من الورقة، فذهبت للسجانين داخل الغرفة كمرافق وعملت بعض الأشياء لغض النظر وإبعادهم عن مكان الرسالة وقمت بحرقها بسرعة غير مبال بما سيحدث ليقدموني بعد ذلك للتحقيق لمعرفة مضمون الرسالة التي لم أ ّ طلع عليها لسريتها بالنسبة للشهيد الشقاقي.

 

خبر استشهاد الشقاقي

"نبأ استشهاد الشقاقي وقع كالصاعقة على فلسطين كلها لأنها فقدت عالما مفكرا كبيرا وداعية وقائدا عظيما"، قال رفيقه أبو بكر. وأضاف: "عندما أسمع كلماته التي لا تزال خالدة في وجداني على إذاعة القدس تذرف عيوني الدموع على فقدان هذا الأب الروحي والمفكر الإسلامي، فلا زلت أذكر الابتسامة التي رسمت على وجهه في اليوم الذي افترقنا به بعد نقلنا لسجن عسقلان".