الإعلام الحربي – غزة:
اتفق محللون سياسيون على أن سياسة الاغتيالات الصهيونية التي تصاعدت وتيرتها في الضفة الغربية على وجه الخصوص، هي إستراتيجية دائمة وثابتة تتبعها سلطات الاحتلال، في سبيل تحقيق أهداف آنية، متمثلة في تهجير مئات الآلاف من فلسطينيي الداخل تحت إطار قانون "يهودية الدولة" الذي أقره الكنيست الصهيوني، ويفرضه على قيادة السلطة الفلسطينية بالضفة للاعتراف به، والذي يقود بطبيعته إلى تفريغ الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، من جميع سكانها الفلسطينيين.
وأكد المحللون أن هذه السياسة أثبتت فشلها الذريع في حل مشاكل الحركة الصهيونية، بعد أن أثبت الشعب الفلسطيني أنه مصرّ على إنتاج القادة والمقاومين دون كلل أو ملل لمقارعة الاحتلال وصده، مشيرين إلى أن السلطة الفلسطينية متورطة بهذا المشروع الصهيوني، عبر تنسيقها الأمني مع سلطات الاحتلال والذي من خلاله يتم تقديم المقاومين للاعتقال والاغتيال على طبق من ذهب.
وكانت آخر عملية نفذتها القوات خاصة الصهيونية في مدينة الخليل نهاية الأسبوع الماضي، حيث اغتالت القياديين في كتائب "القسام" نشأت الكرمي، ومأمون النتشة خلال عملية عسكرية واسعة.
إستراتيجية ثابتة
المحلل السياسي حسن عبدو يؤكد من جانبه أن دولة الاحتلال أصبحت تعارض فكرة السلام التي أوهمت العالم بها، وتتهرب من الاستحقاق السياسي إلى دوامة العنف الذي يمثل خيار الصهيونية الأزلي، من أجل تحقيق أهدافها في تهويد فلسطين التاريخية وعدم مقاسمة القدس، مشيراً إلى أنها تستخدم أسلوب الاغتيالات كإستراتيجية دائمة وثابتة تؤكد على عدوانيتها.
وقال: "لا شك أن إسرائيل بذلك تزرع بذور الحرب في المنطقة، ولا اعتقد أن هذا الحسم يقدم حلاً للصهيونية للتخلص من الشعب الفلسطيني، لأنه أثبت فشله ولن تستطيع أن تبقي في ظل هذا البحر من العداء"، مشدداً على أن السلطة الفلسطينية تتورط يوماً بعد يوم في مستنقع التنسيق الأمني الذي عرفه بأنه "عملية الملاحقة للمقاومة ورموزها ونزع سلاحها وجمع المعلومات الاستخباراتية حول المقاومين وأماكن تواجدهم وتسليمها لمخابرات الاحتلال"، مؤكداً في الوقت ذاته على أن هذا التنسيق لم يحدث في أي حركة تحرير مع المحتل في العالم وفي أي حقبة زمنية مضت.
وأظهر تقرير حقوقي أن قوات الاحتلال الإسرائيلي نفذت (17) جريمة اغتيال بحق الناشطين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الفترة بين يوليو 2008 لغاية سبتمبر 2010. وأسفرت هذه العمليات عن استشهاد (32) فلسطينيًا، بينهم (16) شخصًا مستهدفًا، و(16) غير مستهدف، و(9) أطفال وامرأتان.
وأشار إلى أن عدد جرائم الاغتيال في قطاع غزة بلغت ثمانية جرائم أسفرت عن استشهاد (23) فلسطينيًا، بينهم سبعة مستهدفين، و(16) غير مستهدف، وفي الضفة اقترفت قوات الاحتلال تسعة جرائم أسفرت عن استشهاد تسعة مستهدفين.
حالة تطرف
أما د. أسعد أبو شرخ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة، أوضح أن سلطات الاحتلال تغولت في المنطقة على مستويين وهما: إنكار حقوق الشعب الفلسطيني الشرعية، ومصادرة أراضيه، والعمل على تهجير مئات الآلاف من فلسطينيي الداخل، وذلك عبر إصدار قرارات وقوانين جديدة في الكنيست الإسرائيلي، فيما يتضمن المستوى الثاني –والحديث لأبو شرخ- في ترجمة هذه القرارات فعلياً على أرض الواقع بتنفيذ عمليات اغتيالات وتصفية المقاومين والمجاهدين وذبح الشعب الفلسطيني لإلغاء وجوده.
وأوضح أن سلطات الاحتلال تستفيد من الخضوع العربي للقرارات الصهيونية وعدم وجود قوة حقيقية بيد العرب لمقاومة هذه القرارات، بسبب اندماجهم في إطار ما يسمى بمحور الاعتدال في الشرق الأوسط، فضلاً عن تأييد التحالف الأمريكي ووقوفه مع دولة الاحتلال في كل جرائمها مثلما حدث في تقرير غولدستون الذي أدان الاحتلال في تنفيذ جرائم حرب ضد الإنسانية في غزة.
وقال أبو شرخ: "إسرائيل الآن لديها حكومة أكثر تطرفاً من الشعب، وتستفيد من استمالة شعبها إلى التطرف الديني في فرض مزيد من الأفكار المتطرفة، حتى أعلنها نتنياهو أنه يريد من الفلسطينيين الاعتراف بدولة إسرائيلية للشعب اليهودي، أي بمعنى طرد جميع من ليسوا من اليهود منها، وإسرائيل تقوم بذلك بسبب عدم وجود مقاومة حقيقية في الضفة الغربية تجعل من اتخاذ هذه القرارات صعبة التنفيذ بسبب التنسيق الأمني وهي لم تستطع أن تفعل ما تفعله الآن في وقت كانت المقاومة حية في الضفة الغربية".
أزمة سياسية صهيونية
ويتفق د. حسام عدوان، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية بغزة، مع المحللين السابقين في حديثيهما حول إستراتيجية سياسة الاغتيالات منذ تأسيس الكيان الصهيوني وطرد الفلسطينيين واعتمادها في كل حروبه، فضلاً عن توظيف القوة في أقصى مدى لإخضاع الشعب الفلسطيني، حتى يتسنى بعد ذلك إتباع سياسة تهجير الفلسطينيين من منطقة معينة، "وهذه سياسة صهيونية يعتمدها جميع وزراء حكومة الاحتلال التي تسعى تحت هدف واحد وهو احتواء وطنية هذا الشعب وكبح جماحه في تحرير أرضه".
وأوضح عدوان أن هذه السياسة تستخدم مع كل هبه للمقاومين في منطقة معينة، ويتم استخدامها لتوصيل رسالة إلى قادة الفصائل والمقاومين أن مصير من يفكر باستخدام السلاح لنيل حقه هو القتل والإبادة والاغتيال، إلا أنه استدرك قائلاً: "ولكن هذه السياسة فشلت تماماً بعد أن أثبت هذا الشعب أنه لا يكف عن إنتاج القادة ورجال مقاومين".
وبين أن الحركة الصهيونية تعيش أزمة سياسية غير معهودة منذ تولي الشعب الفلسطيني رفع الظلم عن نفسه بنفسه وتشكيل خلايا عسكرية لطرد المحتلين، وأضاف: "لذلك كان من الضروري عقد اتفاقية مثل اتفاقية أوسلو مع السلطة الفلسطينية لتكون وكيلة عن الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ولتساندهم في أزمتهم وتعينهم عليها عبر التنسيق الأمني الذي يقدم لهم المقاومين على طبق من ذهب".
والجدير ذكره أن عدد ضحايا جرائم الاغتيال بحق الفلسطينيين منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 بلغ (827) فلسطينيًا، أي ما نسبته (20%) من إجمالي عدد الضحايا المدنيين الذين سقطوا خلال نفس الفترة على أيدي قوات الاحتلال، من بين هؤلاء (89) طفلًا أي ما نسبته (34%) من إجمالي غير المستهدفين".

