"فتحــــــي الشقـــــاقي".. قائـ

الإثنين 18 أكتوبر 2010

الإعلام الحربي – خاص:

 

تتمثل في أي إنسان مزايا خاصة به قد لا تنطبق على أي مزايا أخرى في أي إنسان آخر وإذا كانت القيادة صفة لبعض الناس قد لا يتحلى بها بعضهم الآخر فإن لها مستلزمات ومؤهلات تتكامل في شخصية الإنسان ليكون قائداً يقود حركة أو شعباً أو أمة.

 

فالقيادة مؤهَّل ومسؤولية وما لم يتشكل في الإنسان مزيج من الأهلية وتحمل المسؤولية تصبح القيادة ضرباً من التحكم والسلطوية القمعية وقد تكون محل النقد أحياناً والسخرية أحياناً أخرى، وفتحي الشقاقي جمع في شخصيته المؤهّل وتحمل المسؤولية.

 

قد يتساءل بعضهم هل المؤهل يعني الشهادة العلمية أو الاكاديمية؟ أم أنه يعني غير ذلك حقيقة الأمر أن كلمة المؤهل الذي درج على فهمها الناس تعني الشهادة العلمية والمستوى العلمي الأكاديمي. لكن هذه الكلمة في جوهرها تعني أكثر من ذلك بكثير.

 

ففي مفهومنا الإسلامي الجهادي تعرف أن المؤهل للقيادة. يتمتع بصفات درج عليها المسلمون الأوائل ولم يفترقوا على أساسياتها. وهي كما نعلم . العلم والتقوى والعدل.

 

فقد يكون الإنسان صاحب مال ولكنه ليس صاحب تقوى أو علم عندها لا يصلح أن يقود حتى أبسط الأطر الاجتماعية. فقوى المال دون علم وتقوى تخلق في المجموع التملق والزيف والمراءاة وتحمل في طياتها مخاطر الفساد المستتر.

 

ولا شك أن قوة المال متى ضعفت أو تلاشت بتلاشي كل شيء معها. حتى صاحبها الذي يقعد لا يلوى على شيء، ومن أمثلتنا على ذلك الشيخ المجاهد عز الدين القسام. فقد كان فقير الحال. لكنه كان غني العلم وغني التقوى وهذا ما أهله كي يقود ثورة في حياته وبعد استشهاده.

 

بل إن الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 انطلقت بشكلها الفعال بعد استشهاده مستلهمة خطه الجهادي وشعاره القائل إنه جهاد نصر أو استشهاد.

 

وعندما نتناول شخصية الشهيد فتحي الشقاقي تبرز لنا عدة اتجاهات لا بد من فحصها وإلقاء الضوء على جوهرها.

 

فالدكتور الشقاقي أبن أرض سلبت غصباً من قبل عدو شرس عاش طفولته في مخيم للاجئين برفح تفتحت عيناه على مأساة التشرد. مئات من أبناء الشعب الفلسطيني بل آلاف يتذوقون ثانية بثانية مرارة التشريد والقهر والجوع والفقر. إذاً هو لم ينحدر من أسرة غنية مستقرة ولم تتفتح عيناه على حياة هادئة تجمع مؤهلات السعادة والاستقرار.

 

كانت تلك الحياة الصانع الأول لجيله لجيلنا كلنا نحن الذين وعينا على المر والقهر والنكبات المتلاحقة.

 

وكأني فتى فلسطينيٍّ كانت تؤرقه مشاهد الانكسارات التي وقعت على الأمة العربية وشعب فلسطين بالذات. يبحث حوله عن حل يرى القومية العربية في أوج صراعها مع الأعداء فيتعلق بشعاراتها لكنه ما يزال ظمآن إذ لم يكن الشعار قد اكتمل ولم يكن يختزنه الإسلام الجهادي .. كانت نكسة 1967 فأفرغت كثيراً من الشعارات. والجميع يبحث عن حل ومرت السنوات ويهبط العالم العربي إلى الهاوية. اتفاقيات كامب ديفيد وكان قد سبقها مذبحة أيلول بحق الشعب الفلسطيني في الأردن. انحدار التخلي عن الفلسطينيين بلا ثمن هو وأرضه.

 

لا وطنية بدون إسلام. ولا إسلام بدون جهاد صادق ولا إسلام بدون فلسطين. تلك هي المعادلة الإسلام وفلسطين والجهاد. ويبرز الشيخ عز الدين القسام كأول قائد إسلامي يدرك هذه المعادلة منذ أكثر من خمس وأربعين سنة. فلنبحث مرة أخرى عن هذا الرجل عن القسام ثم لنبحث عن كيفية فهم المعادلة.

 

وكان اكتشاف السر سورة الإسراء.. القرآن وفلسطين. والجهاد. فكانت البداية اكتشاف الرؤية. اكتشاف طريق البوصلة على حد تعبير الدكتور الشهيد الشقاقي.

 

ولئن كانت ظروف ثورة القسام غير ظروف الثمانينات إلا أن الثوابت التي لا يمكن بدونها فعل شيء لا بد أن تبقى ثوابت ولكن من خلال رؤية عصرية وفهم صحيح للواقع الجديد الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحت نير الاحتلال وفي الشتات.

 

كل تلك الوقائع التي نختزل الكلام فيها صنعت الشقاقي المفكر وصنعت الشقاقي المنهج وصنعت الشقاقي القائد. فالقيادة مسؤولية أمام الله أولاً وأمام مصير الأمة ثانياً.

 

ليست القيادة زعامة واستعلاء وفوقية إنما هي أعباء تهد الجبال فيها حساب أخروي وفيها مسؤولية دنيوية وفيها دماء تسيل. وفيها سهر الليالي وآلام السفر وعناء المرض والإرهاق حتى الثمالة أترى معي كيف يمكن أن تُصنع القيادة في هذه الرؤية الإسلامية الوطنية الفلسطينية العربية الإنسانية؟